| 

يقدّر عدد المشعوذين المنتشرين في أنحاء قطاع غزة كافة بألف شخصٍ، في مقابل 163 عيادة تدّعي العلاج بالقرآن، وفق التقديرات التي قدّمتها الشرطة لـ «السفير»، ولا توجد أرقام دقيقة تدلّ على حجم ثرواتهم. لا يتطرّق الحديث العام بوضوحٍ إلى نشاطاتهم والتجاوزات المرتبطة بها، إذ تقفل الأبواب أمامه لمّا يطل مفهوم الشرف برأسه. فهي تعدّ خطاً أحمر لا يمكن الاقتراب منه بأمرٍ من العادات والتقاليد الغزيّة، فمعظم ضحايا هذا النمط من الاحتيال هنا هنّ من النساء اللواتي يتعرّضن لضغوط في مسائل الزواج والإنجاب، علماً أن أكثر وسيلة شائعة في الترويج لأعمال الشعوذة هي الأخبار المتناقلة بين المعارف والأقارب.
بعد محاولات حثيثة، قبلت عائلة الفتاة ألاء حسن الحديث لـ «السفير» عن حالة الاستغلال التي تعرّضوا لها بعدما وقعوا في أحد المشعوذين الذي أقنعهم بأن سبب تأخر زواج ابنتهم يرجع إلى أنها سحرت من قبل أحد الأشخاص.
بدأت قصة الفتاة ألاء لمّا ربطت صديقة أمها سبب تأخر زواج ابنتها بإمكانية أن تكون مسحورة، ما أثار خوف الأم والأب. وبعد نقاشٍ، بحثا عما اعتقدا أنه شيخٌ يعالج بالقرآن ليرقيها. فأقنعهما الشيخ بأن قضية ابنتهما صعبة وتحتاج إلى أكثر من خمس عشرة جلسة لإنهائها، تخللها شراؤهما منه أعشاباً تساهم في العلاج بقيمة 350 شيكلاً، يفترض أن يكون قد قرأ عليها آيات من القرآن الكريم، بحسب قوله للعائلة.

جرثومة لفتاةٍ، والتحرّش بأخرى
يشرح والد الفتاة أبو محمد: «لأننا كنا نريد إنهاء الادعاء وستر ابنتنا، سارعنا إلى الطلب من المشعوذ أبو أنس أن يعقد جلسات متتالية. كنا ندفع 50 شيكلاً على كلّ جلسة اعتقاداً منّا أن فيها الشفاء. لكن تدهور الحالة النفسية والصحية لألاء وبدئها باستفراغ كل ما يدخل بطنها، حتى وصلت بها الحال إلى لفظ الدم من فمها وفقدانها حوالي 10 كيلوغرامات من وزنها. ثار جنون العائلة فبحثنا عن شيخٍ نثق بأنه يعالج بالقرآن فأكّد لنا كذب رواية المشعوذ السابق وعدم وجود أيّ نوع من أنواع السحر، ما أثار غضب جميع أفراد العائلة ورغبتهم بالانتقام، لكن سمعة ابنتنا أجبرتنا على الصمت والتكتّم على الأمر من جديد».
ويتابع: «بعدها، سارعنا على عرضها على طبيبٍ مختصّ وإجراء فحوص شاملة لأعضاء جسم ألاء، وتبين لنا دخول جرثومة الحمى المالطية المعروفة علمياً باسم brucellosis إلى جسم ابنتي عبر حليب الناقة الذي كان يسقيه المشعوذ لها من دون أن يقوم بتعريضه للحرارة وغليه. سبّب ذلك لابنتنا آلاماً كبيرة في المفاصل والبطن، وهي الآن تكمل علاجها لإنهاء نشاط هذه الجرثومة في جسدها». ويُنهي أبو محمد كلامه بالقول: «النصيب بالزواج يأتي للفتاة عندما يشاء الله. وأنصح كل الأهالي بعدم تصديق روايات المشعوذين، لأنها تقود المجتمع نحو موجة من الدمار النفسي والعقلي والانحطاط».
قصة الفتاة ألاء دفعت بنا لقصد المكان الذي يستقبل فيه أبو أنس حالاته. لكن زيارتنا الأولى باءت بالفشل، بعد قول ابنه لنا إنه مريض ولن يعمل اليوم، وفي اليوم الثاني، صادفنا أحد الشيوخ خارجاً من مسجد ملاصق للمكان بعد أدائه صلاة الظهر، فتفاجأنا بقوله لنا: «لا تصدقوا هذه الأمور، كلها كذب وشعوذة. إنهم يلعبون بقلوبكم فقط.. كله كذب.. هذا كاذبٌ دجّال». فاستخدمنا الحجة السائدة في تبرير اللجوء لهؤلاء، وبادرنا الشيخ بأن السحر موجود ومذكور في القرآن، فلمَ تقول هذا؟ أجاب: «لقد دمّر هذا الرجل حياة فتاةٍ أعرفها معرفةً جيدة، لا تصدقوه، الشرطة تلاحقه من مكانٍ إلى آخر، وكان مسجوناً».
بعد محاولات إقناعٍ كثيفة، وافق الرجل على أن يقودنا إلى الشابة م. ع. (27 عاماً) التي فضّلت عدم ذكر اسمها كاملاً. تروي م. قصتها: «ذهبت بعدما أقنعتني زوجة أخي بأن سبب تأخري في الإنجاب قد يكون نتيجة الحسد، توجّهت إلى أبو أنس من دون معرفة ما إذا كان صادقاً أم كاذباً، وإذا ما كانت الطرق التي تستعمل في العلاج مشروعة أم لا. هناك، قال لي إن شخصاً ما أشرَبني سحراً، ما تسبب بتأخير حملي. وكلما أوشكت مشكلتي على الحلّ، يتفاعل السحر في جسدي ويبطل الحمل».
تتابع: «بعدها، قال لي إنه يتوجّب علي أن أشرب نوعاً من الأعشاب لمدة أسبوع، يبلغ ثمنها 150شيكلاً، وإنني أحتاج إلى خمس جلساتٍ متتابعة أدفع عن كلّ منها 50 شيكلاً. وبعد يومين، حاول جعلي أتقيأ السحر. ولمّا فشلن بذلك، طلب مني الاستلقاء على فراشٍ أرضيّ، وبدأ بتلاوة تراتيل غريبة، ووضع يديه على بطني، ولمس أجزاء من جسدي، ما دفعني للصراخ إذ تأكدت من أنه يحاول التحرّش الجنسيّ بي. فما كان من إحدى السيدات إلا أن دخلت في محاولة منها لمساعدتي على التحمّل، لكنها صُدمت عند قولي لها بأنه يحاول اغتصابي. سريعاً، بدأت بالصراخ معي، بينما هو يقول لها بأنه يعالجني وإني كاذبة. خرجت من المكان ليلازمني ما حصل معي، بحتُ به لشيخ المسجد، وقررتُ الاحتفاظ بهذه القصة بالخفاء خوفاً من الفضيحة».

في حضرة الدجّال
طرقت «السفير» باب منزل المدعو أبو أنس للمرة الثالثة، وكان فيه موجوداً، بينما يمتدّ طابورٌ طويل من الناس أمام بابه بانتظار دورهم في الدخول للمكان. هناك، يحضر شابٌ عشرينيّ يحمل حلوى، يوزع منها على الموجودين. سبب ذلك أنه عانى «على مدار الأيام السابقة من ضيق كبير في صدري، كان يترافق مع عدم الشعور بأيّ إحساس عاطفيّ تجاه زوجتي. قصدت مستشفيات عديدة في مدينة خان يونس التي أسكن فيها، وقال الجميع لي إن تحاليلي نظيفة. وأخيراً، لم يستطع علاجي سوى هذا الشيخ». اسم الشاب محمد حسين. يكمل قصته على النحو التالي: «قبل ساعة، جئت إلى هنا. وعند دخولي إليه، طلب اسم أمي وزوجتي، وقال لي: قل لي بماذا تشعر. وبعدها بدقائق، اكتشف علتي، وقام بإخراج كيس فيه حجاب من جرة، عليه شريط يحمل اسمي واسم أمي وجملاً كتبت عليها الآلام التي أشعر بها. طلب مني إحراقه كي ينتهي مفعوله».
بعد ساعة ونصف من الانتظار أمام باب أبو أنس، دخلنا إلى الغرفة التي لفّت بألواحٍ من الخشب، برفقة إحدى الزميلات الصحافيات التي ادّعت أنها زوجة كاتب هذه السطور. سريعاً ما قال لها: «اقطعي تذكرة عند ابني بـ50 شيكلاً وعودي»، وسألها: ما اسمك واسم أمك؟ ثم قال: أنتِ تشعرين بتوترٍ دائم وصداع وأحلام مزعجة. هل حملتِ من زوجك؟ جواب الصحافية: لا. يُكمل المشعوذ: هذا لأنك مسحورة بحجاب من إحدى جاراتك. كتب لنا على أوراقٍ صغيرة عدّة كلمات غير مفهومة، وطلب من الصحافية روان شربها لمدة أسبوع، ثم العودة إليه لمعرفة مدى فعاليتها ضد السحر.
تخالف هذه العيادات المادة الثالثة من قانون أطباء الصحة، التي تنص على أنه «يحظر على أيّ شخص أن يمارس الطب، أو يتظاهر مباشرة أو ضمناً بأنه يمارس الطب، أو أنه مستعدّ لممارسة الطب، إلا اذا كان مصرحاً له بذلك»، وتُحاول حكومة غزة ملاحقة كلّ من يثبت تورّطه في إيذاء الجمهور داخل هذه العيادات، بموجب قانون العقوبات الجنائية رقم 74 لسنة 1936 المعدّل عام 2003 وقانون الإجراءات الجزائيّة رقم 3 لسنة 2001.
وبحسب الناطق باسم الشرطة الرائد أيمن البطنيجي، غالبية ممارسي الدجل «عليهم قضايا أخلاقية وأمنية ويعانون من الأمية، ومَن تثبت ممارسته للاحتيال، يعاقب بالسجن بمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات بحسب القانون الفلسطيني، خاصة الدجالين المعروفين ممن يفتحون أبواب بيوتهم لامتهان هذا الأمر الخطير». ويشير البطنيجي إلى أن «الكثير من أبناء شعبنا لا يقدمون شكاوى للجهات المعنية خوفاً من أساليب الدجالين في ما يعتقدونه سحراً».
يُذكر هنا أن المادة 307 من قانون العقوبات الفلسطيني الذي يحمل الرقم 74 لسنة 1936 تنصّ على أن «كل من زعم من أجل الحصول على كسب أو مكافأة بأنه يمارس أي نوع من أنواع السحر أو العرافة، أو أخذ على عاتقه فتح البخت، أو زعم أنه يستطيع اكتشاف شيء مسروق أو مفقود ومعرفة مكان وجوده بما يملك من مهارة أو معرفة في علم التنجيم والسحر مقابل كسب أو مكافأة، يعتبر أنه ارتكب جنحة ويُعاقَب بالحبس مدة سنة واحدة».