| 

• من اسطنبول إلى بيروت
لا تهتم /ي إلى موعد الإقلاع والهبوط، لا تُلقِ بالاً إلى أوامر المضيفين، ولا تلفت نظرك مقاعد الدرجة الأولى وفخامتها، لمّا تحملك الطائرة إلى ذاتك في طريقها من إسطنبول إلى بيروت.
يرتّب جدول زيارته السريعة، تركض الوجوه أمام عينيه، يبتسم لبعضها رغماً عنه، فتظنّه المضيفة شاباً شقياً يعاكسها. يرتبك، ثم يتجاهل ما حدث. يلقي نظرة من الأعلى إلى اسطنبول من دون أن تعني له الكثير، ويتابع طريقه في العتمة وبين السحب، حتى تقترب الطائرة من بيروت.
تبدأ الأضواء بالظهور. يأسره جلوسها كأميرة على حافة البحر. يزهر وجهه، ويبدأ القلب بعزفٍ سريع على إيقاع هبوط الطائرة. يلوّح بكفّه للمدينة، وكأنها فتاته التي تنتظره.
يشرح لصديقه في المقصورة تفاصيل لا يعلمها عن الخطّ البحريّ لبيروت، تلك المينا، وهذه عين المريسة، ذاك عمود المنارة، تحته عاشقون كثر، إصعد قليلاً إلى منطقة الروشة، هي الصخرة، أمامها رجالٌ حالمون، تقدّم إلى رملة البيضا، واقطع طريقك عبر الشاطئ إلى مطار رفيق الحريري.. رائعةٌ تفاصيلك يا بيروت!

• من الحاضر إلى الماضي
يدخل إلى المخيّم فجراً، يتصالح مع نفسه. هنا، يجد ذاته الصغيرة، التي تركها بعيداً، قبل أن يركب أمواج بيروت إلى ما خلفها. يلاحظ صديقه سكونه، يدرك أنه حلّ بفعل الحنين إلى ماضٍ ليس ببعيد..
يقول: المخيم على حالو ما في شي تغير.
أقول: كبر المخيم يا أحمد، وسافروا الشباب.
يقول: بهاي معك حق. أغلبهم سافر. واللي ما سافر، عم بفكر لسا بالطريق!
نشتم من كان سبباً لفراقنا، ونمضي إلى البيت، هناك حيث تنتظرني أمّي برغيف خبزها، وفنجان قهوتها، وأكلاتها الزاكية، وحلوياتها.
أجمل ما في بيروت الأرض التي تحتضن أجساد المناضلين الكبار. فيزور في صباحه الثاني مقبرة شهداء الثورة الفلسطينيّة، ويقف احتراماً عند النصب التذكاريّ لشهداء تلّ الزعتر، ويكمل طريقه إلى ضريح غسّان كنفاني.
عند الضريح، ينتابه شعورٌ غريب. يُسرُّ للشهيد كما كان يفعل صغيراً: أتذكر حين كنت أحكي لك عن فتاتي الأولى؟ أتذكر حين كنت أهرب من مدرستي إليك؟ أتذكر حين كنت أقرأ لك مقالة أعجبتني، وأحمل إليك رسم حنظلة؟ وهل يذكر الموتى شيئاً؟ وهل يصنع الشهيد ذاكرة؟ من يدري، لربما كانوا "أحياء عند ربهم يرزقون".
هذه لميس على بعد ثلاث خطوات منك، غسّان. أخبرها عن نهاية رواية الأعمى والأطرش، أم سعد رحلت، خلدون لم يعد، وصفية ماتت قهراً، والبرتقال في فلسطين لا زال حزيناً، كما تركته.
حدثتك عن مدينتي الجديدة، جميلة بصورةٍ عامة، لكن شيطانها يكمن في التفاصيل. لا صحف عربية، ولا خبز عربي. أفتقد في غربتي أمسيات شعرية فلسطينية، أفتقد رائحة الثورة في بنادق المخيم، وتجاعيد أمهاتنا، وأكثر من ذلك!

• العودة فوق فلسطين
تنتهي زيارته السريعة إلى بيروت، يقرر أن يسلك طريقاً آخر في العودة عبر عمّان، وهناك يتفاجأ بيهوديّ متديّن يجلس في المقعد الخلفيّ، يسرح في النافذة كما يسرح هو تماماً، يحاول تجاهله لكنه يثير غيظه!
ترى، ما الذي يريده هذا اليهوديّ من رحلة متجهة من عمان إلى اسطنبول ظهراً؟ ولماذا يجلس إلى النافذة، مثلي تماماً؟
ما الذي سيراه، وما الذي يمكن أن أراه؟ الجو عاصف يا ابن العمّ! من حسن حظي أنه لن يراها اليوم، من سوء حظي أنني لن أراها اليوم، بعدما قطعت المسافة من بيروت إلى عمان لهذا الغرض.
أحدّث نفسي: كلّ هذا الغيم ولد في لحظةٍ واحدة ليقتل فرحتي. الغيم قد يمنعني من الرؤية، صوت المحرّك يشوّش أفكاري، واليهوديّ في المقعد الخلفيّ يثير غضبي كلما نظر إلى النافذة بقبعته تلك..
لا يهم.. بيني وبينها الآن غيمتان فقط، وكومة من الغبار تشبه أيامنا هذه. النور يشقّ ذلك كلّه، أنساه للحظات، أخالف القانون بهاتفي النقال، أستمع إلى موسيقى "موطني".. وأنتظرها!
هذا الغيم لي، إذاً. أنا الآن مواطنٌ للحظات، أعبر الحلم، وأكسر حواجز التاريخ. لو أني أصل إلى قائد الرحلة فأحدّثه: لا تعلو كثيراً، لست بخائفٍ من المرتفعات، لكني مشتاقٌ لما هو تحتها. يا عم لا تسرع كثيراً، لن تهرب اسطنبول لكن حيفا هاربةٌ منذ زمن. يا عمّ اهبط اضطرارياً، لدي حالة شوق، ليس دمعاً ما تراه على وجنتي يا صديقي العابر، إنه الحنين..
تركت دمعي على النافذة، ونسيت قلبي على المقعد. تهتزّ الطائرة. هم يخافون، أما أنا فهي المرة الوحيدة التي أتمنى فيها السقوط، السقوط إلى الحلم.