| 

لا يكاد هاتف أنعام العواوده (52 عاماً) يتوقف عن الرنين، حتى تسارع إلى الإمساك بقلمٍ وورقة قبل الرد على الاتصالات لتسجّل ملاحظاتٍ متوقّعة، ثم تعود للانشغال بأمور المنزل الذي تعيش فيه مع أخيها. أنعام تعمل "خاطبة"، وتقطن في مخيم "المغازي"، في المنطقة الوسطى من قطاع غزة. تقول إن عملها السابق كخياطة ساعدها على التعرّف على معظم العائلات في المخيم، ويقدر عدد سكّانه بـحوالي 18 ألف نسمة. ما جعلها قادرةً على التعرّف على عددٍ كبير من العائلات في المخيم.
في حديثها لـ "السفير"، تشرح أنعام أنها في الغالب تستقبل أمّهات الشباب الذين ينوون الزواج، طالبات مساعدتهن في العثور على زوجات لأبنائهن بمواصفات محددة. أحياناً، يتصل بها الشباب أنفسهم لتكليفها بالمهمة. وفي حال تكللت "مهمتها" بالنجاح، فهي تحصل على مقابلٍ ماديّ (حلوان) لا تقل قيمته عن 100 دينار أردني (حوالي 135 دولاراً) من أهل العريس.
من مراقبة المواصفات التي تشترطها الأمهات والشباب أنفسهم للعروس، يمكن تلمّس بعض التحوّلات الاجتماعية التي طرأت على الفلسطينيين في قطاع غزّة، كما تبرز آثار الاستقطاب السياسيّ والحزبيّ ووطأة الحصار الاقتصاديّ، ليكون المعيار الماديّ والانتماء السياسيّ في كثيرٍ من الأحيان الأساس الذي تبنى عليه الأسرة.
أريدها موظفة
تقول أنعام إن أكثرية الشباب في هذه الأوقات يبحثون عن زوجة موظفة لتعينهم على النفقات الماديّة للحياة: "في الوقت الحالي، 67 شاباً من أصل 73 طلبوا مساعدتي في العثور على زوجة، يفضّلون أن تكون العروس موظفة في "وكالة الغوث" تحديداً لارتفاع الرواتب التي تقدّمها الأونروا". وبلهجةٍ تعكس شعوراً بالسأم، تقول أنعام إن "إنهاء ملف الشاب الذي يطلب فتاةً للزواج ولا يشترط أن تكون موظفة لا يستغرق مني وقتاً طويلاً في البحث، وذلك على خلاف من يطلب موظفة، إذ تستغرق مهمة تحقيق هذا الهدف وقتاً طويلاً، ولا يوجد ما يضمن أن أتمكن من تحقيق طلبه". وتنوه أنعام إلى أن الشباب في كثير من الأحيان يصابون باليأس مع مرور الوقت فيطلبون عروساً بلا عمل".
الخاطبة تبحث عن موظفات عازبات في جميع المؤسسات الصحيّة والتعليميّة والخدماتيّة، فتنفذ جولاتٍ دوريّة كلّ أسبوع على هذه المؤسسات، تشير إلى أن وجود نساءٍ عاملات في هذه المؤسسات يخبرنها بكلّ موظفةٍ عازبةٍ تنضمّ إلى سلك العمل فيها. ونوهت أنها تعرف كلّ موظفة جديدة تنضم للعمل في المدارس والعيادات والبلدية والمرافق الجماهيرية.
تواصلت "السفير" مع منى أبو دحروج، وهي ناظرة إحدى المدارس، لتؤكد أنه من الممنوع إعطاء أية معلومات اجتماعيّة عن المدرّسات والعاملات في المدرسة، مستدركة أن الخاطبات يأتين في أوقات ما قبل الدوام وفي الاستراحة، ويجلسن مع المدرسات العازبات، ويأخذن عناوينهن. وأضافت الناظرة: "أصبحت أتمنى أن أرى موظفة عزباء في المدرسة، بعد تردّد الخاطبات المستمر علينا".
في ظلّ قلة الموظفات اللواتي ما زلن عازبات، فإن الأهالي صاروا يتقدّمون بطلبات الزواج من فتيات قابلات للتوظيف. تشرح: "من المعروف أن التخصّصات العلميّة هي التي يحتاج إليها سوق العمل. وبذلك، فإن متخرجات هذه التخصصات بمعدلات عالية غالباً ما تكون فرصهن أوفر بالحصول على وظيفة". ما يجعل الأهالي يتقدمون لهن، وبالمقابل، فإن التخصصات التي يفيض بها سوق العمل مثل التعليم الأساسيّ والخدمة الاجتماعيّة، لا تجد المتخرجات فيها الإقبال ذاته من قبل الأهالي إذا كان المعيار الوظيفي هو المطلوب.
في المقابل، تقول الخاطبة أنعام إن ذوي الشابات خفّضوا مستوى توقعاتهم من الذين يتقدمون لخطبة بناتهم، حيث لم يعد الكثيرون يصرون على شرط البيت المستقل بسبب وطأة الظروف الاقتصادية وغلاء مواد البناء. وبحسب أنعام، فإن هذه الشروط هدأت، واتسمت بنوعٍ من المرونة. وبحسب أنعام، بات ذوو بعض البنات يوافقون أن يسكنَّ في منزل عائلة العريس، على أن تستقل في المستقبل. ويشكّل هذا تكيفاً مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الغزيون.
التقت "السفير" بهيثم الرميلي، وهو أحد زبائن الخاطبة أنعام الذين أجبرتهم أوضاعهم الاقتصادية على أن يجعلوا المعيار الماديّ هو الأساس في اختيار شريكة حياتهم، علماً أن كثيرين رفضوا الحديث في هذا الموضوع لما له من خصوصية. تتلخص المواصفات التي يطلبها هيثم، وهو خريج جامعيّ، في فتاة أحلامه بأن تكون موظفة. وعلل هيثم ذلك قائلاً: "أنا أملك بسطة بيع متحركة، وأواصل التنقل بين الأسواق الشعبية في أرجاء القطاع"، مشيراً بذلك إلى أن دخله محدود جداً.
السياسة نعم، "بدوي ـ فلاح ـ مدني" لا
تروي الخاطبة أنعام إن حزبية المجتمع أصبحت تفسد الكثير من حالات الزواج، وتقلص فرص نجاحها في مهامها. تتذكّر أنها مرّة وفقت بين شاب منتمٍ لـ "حركة فتح" وفتاة من عائلة محسوبة على "حركة حماس". المشاكل تفجرت بعد الخطوبة، ففسخها الشاب بزعم أن حكومة رام الله قامت بفصله من الوظيفة لاقترانه بفتاةٍ تنتمي عائلتها إلى "حماس". قالت إنها رفضت طلب مساعدته في البحث عن أخرى.
وتابعت: "أتذكر أيضاً عرساً أفسد بسبب خلاف على تشغيل أغانٍ تخصّ تنظيماً سياسيّاً معيّناً اعترض عليها أهل العريس. ما اعتبره أهل العروس مسّاً بمشاعرهم، فوقع الخلاف وانتهى بالطلاق في صالة الأفراح".
ويعلق الباحث في الشؤون الاجتماعية الدكتور درداح الشاعر على ذلك لافتاً إلى أن أحداث الانقسام ولّدت موجةً من الكراهية الكبيرة طالت حتى الأخوة في البيت، وأدّت إلى اضطراب العلاقات الاجتماعية بين سكّان القطاع.
ولاحظت أنعام على مر عملها كخاطبة أن الالتزام بالتقسيم الاجتماعيّ القائم على أصل البلد "بدوي ـ فلاح ـ مدني" يتضاءل بشكل مستمر. فقد كان من المعيب في الماضي أن يتم الزواج من خارج التصنيف الاجتماعي، إذ تتم مقاطعة حفل الزفاف من الجانبين، ويعتبر هذا خرقاً للعادات والتقاليد، مشيرة إلى أن ذلك ما عاد قائماً حالياً.
وتتابع: "قبل عقدٍ من الزمن، كانت الشروط الأساسية توافق التصنيف الاجتماعي. ولكن اليوم، لا احد يهتم به. هذه الاعتبارت لم تعد قائمة أصلاً". بينما تزداد حواجز الانتماءات السياسيّة في قضية الزواج، يبدو أن حواجز العادات والتقاليد تتفكك.
ويقول الخبير الاجتماعي د. درداح الشاعر إن تغيرات كبيرة طرأت على منظومة العلاقات الاجتماعية بين الناس، وبالأخص في ما يتعلق بالزواج، حيث أصبح من الطبيعي أن نرى حالات زواج من خارج التصنيف الاجتماعي، ما كان نادراً في الماضي: "زوال مثل هذه الاعتبارات هو أمر إيجابي، ولكن الأمر السلبي هو أن اعتبارات أكثر سوءاً حلت محلها"، مشيراً إلى المعيارين الماديّ والحزبيّ.
مواقف طريفة
تروي أنعام أحد المواقف المضحكة التي حصلت معها، لما طلب منها أحد الشباب أن تبحث له عن فتاة موظفة لتكون عروساً له. وبالفعل، وجدت طلبه، وتم الزواج، ولكن، بعد شهرين، اكتشف أنها لم تكن موظفة مثبتة، وإنما كانت تعمل بنظام عقد عمل مدّته عام غير قابل للتمديد. حين انتهت مدة العقد وعادت زوجته إلى المنزل، خيّر زوجته بين إيجاد عمل والطلاق. وتقول أنعام أنه "توجّه لي واتهمني بالنصب والخديعة، واسترد مني الحلوان الذي تقاضيته مقابل التوفيق بينهما". ونوهت أنعام بأن ما منع حدوث الطلاق هو تمكّن الزوجة من العثور على عمل في صالون تجميل للسيدات، لامتلاكها تأهيلاً للعمل في هذا المجال.
وتختم أنعام العواودة حديثها لـ "السفير" قائلة: "مذ كنت فتاة، وأنا أحلم بأن أرتدي فستان الزفاف وأن أكوّن أسرة وأكون أمّاً. ولكن هذا ما لم يتحقق ربما لمعاناتي من عيب خلقي. ولكن الله عوضني، حيث شاركت وأشارك وسأشارك في بناء مئات العائلات، وأعتبر نفسي أماً لآلاف الأبناء ممن وفقت بين أمهاتهم وآبائهم".