| 

لا من مكتبٍ فارهٍ في رام الله، ولا من غرف الفنادق في العواصم، ولا من غرف المفاوضات، كتب القائد الوطنيّ وعضو اللجنة المركزيّة لحركة "فتح" مروان البرغوثي مقالة إلى شعبه، بل من الزنزانة رقم 18 في سجن هداريم الواقع على الساحل الفلسطينيّ. وبقي عبر الكتابة يتفاعل مع تعقيدات قضية شعبه منذ أربعة عشر عاماً على وجوده في سجون الاحتلال. كتب وشخّص واقترح ووضع النقاط على الحروف والتقط صعوبة المرحلة وتعقيداتها المحليّة والعربيّة والإقليميّة والدوليّة، ثم قدّم، برغم قتامة الأوضاع وتشابكها، تصوراً لآليات الخروج من هذا المأزق الذي تمرّ به القضية الفلسطينية.
كتب مروان البرغواثي من زنزانته مقالاً خصّ به "مجلة الدراسات الفلسطينية" في عدد ربيع 2016، تحت عنوان: "نحو توليد نخب سياسية جديدة"، واستهلّه بالقول: "التاريخ محكوم بالسير قُدماً، ومن الخطأ القاتل الوقوف عكس اتجاه سير التاريخ ومقاومة الشعوب للاستعمار والظلم والقهر والعبودية والاستغلال والاعتداء على الكرامة الإنسانيّة، عناصر كلها تتفق مع هذا المسار الطبيعيّ. وبالتالي، فإن علاقة الشعب المستعمَر والمقهور بالاستعمار الكولونيالي هي علاقة رفض ومقاطعة ومقاومة بمخلتف الوسائل والسبل، وليست علاقة تعايش وتهادن".
هكذا، نظّر مروان البرغوثي من سجنه للواقع انطلاقاً من جدليّة علاقة المستعمِر مع المستعمَر، التي أساء البعض تفسيرها واستخدامها بالرهان على التغيّر التلقائيّ للكولونياليّة، بمجرد تقديم هذا الاستعمار نيات حسنة أو تكرار إعلانه أن "السلام خيار استراتيجي" إلى ما لا نهاية، أو بالذهاب إلى المفاوضات الثنائية السريّة والعلنيّة. فقد تحدّث المراهنون عليه عن رأيٍ عامٍ إسرائيليّ ودوليّ داعمٍ للتعايش والسلام، من دون التوقّف عند مفهوم التعايش والسلام الذي يحاول المحتل فرضه وتعميمه، مغفلين جوهر الصراع وطبيعة هذا النوع من الاحتلال الكولونياليّ الإقصائيّ.
لا بد من إعادة صوغ العلاقة بين محتلٍّ وشعبٍ تحت الاحتلال، بعدما فشلت العلاقة التي استندت بصورة أو بأُخرى إلى فكرة التفاوض كخيارٍ إستراتيجيّ. فشلت بسبب تنكّر دولة الاحتلال لها طوال ربع قرنٍ من الزمن. ولا يحتمل إعادة صوغ هذه العلاقة إلاّ الوقوف على لغةٍ واحدةٍ، تقارب لا مشروعية الاحتلال، معلنةً رفض السيطرة على شعب وحرمانه من حقه في تقرير المصير، فضلاً عن عدم التنازل عن حقّ شعبٍ تحت الاحتلال في استخدام كلّ الوسائل التي تمكّنه من إنهاء الاحتلال.
ركّز البرغوثي على هبّة الشباب وتمردهم /نّ، وضرورة تحويل هذه الهبّة إلى انتفاضةٍ شعبيّةٍ تشارك فيها قطاعاتٌ شعبيّةٌ واسعةٌ، وتتلاءم مع أوضاع المرحلة، معتبراً أن إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنيّة هما شرطان أساسيّان لاستنهاض الشعب والانتقال إلى طور الانتفاضة.
وتحدّث أيضاً عن شرطٍ أخر لا يقلّ أهمية عن شرط تحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام، وهو يتمثل في استعادة خطاب حركة التحرّر الذي لا بدّ أن يركّز على إنهاء الاحتلال والتبعيّة للمحتلّ، وبناء تحالفات مع القوى المناهضة لاستمرار الاحتلال. ومن ذلك، أراد البرغوثي توضيح مسألة مهمة: منذ توقيع اتفاق أوسلو، ساد خطابٌ رسميّ غير مشتبك مع فكرة الهيمنة والسيطرة الكولونياليّة، يروّج للتعايش والسلام والمفاوضات والتنسيق الأمنيّ، في الوقت الذي يتغلغل فيه الاحتلال ويتعمّق الاستيطان وتتفاقم حال السيطرة على تفاصيل حياة الشعب. هذا الخطاب السياسيّ يتناقض جوهرياً مع خطاب التحرّر الوطنيّ الذي يهدف إلى الخلاص من الاحتلال وعلاقة التبعيّة.
بناءً على ذلك، تساهم العودة إلى الخطاب التحرريّ الوطنيّ والتمسّك به في تحرّرنا من أعباءٍ ومهماتٍ حوّلت السلطة إلى وسيطٍ بين المواطن وسلطات الاحتلال. فقد نزعت هذه المهام عن أدوار السلطة المحدّدة في اتفاق أوسلو وعن مرجعيتها المتمثّلة بـ "منظمة التحرير الفلسطينيّة"، كلّ صفات وخصائص حركة التحرّر الوطنيّ. أضعفتها بصورة كبيرة، وحوّلت "منظمة التحرير" إلى شاهد زور. غير أن دور السلطة الذي لا يرتكز إلى أيّ نوعٍ من أنواع السيادة، قاد ولا يزال يقود إلى قمع الحريات العامة في الشارع الفلسطينيّ. ما ينطبق على سلطة قطاع غزّة، التي اعتدت على الحريّات العامّة ومسّتها بصورةٍ فاضحة.
لقد أثار نزيل الزنزانة رقم 18 في مقالته الصريحة موضوع التنسيق الأمنيّ بين السلطة ودولة الاحتلال، معتبراً إيّاه متناقضاً مع التحرّر الوطنيّ، داعياً السلطة إلى التخلّي عن وظائفها الأمنيّة في كلّ ما يتصل بالاحتلال، وعدم التدخّل ضد فصائل المقاومة التي تقاوم المستعمِر المحتلّ وأدواته، وحصر دور السلطة في توفير مقومات الصمود الاقتصادية والمالية والتعليميّة والصحيّة وغيرها.
وتحدّث مروان عن الحريّات والشباب والفصائل ودورها الوطنيّ وفشلها في تقديم رؤية وخطاب بديلَيْن سياسيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً، يكونان منسجمَين مع خطاب حركة تحرّر وطنيّ.
ليست هذه المساهمة السياسيّة والفكريّة الأولى لمروان البرغوثي خلال سجنه، فقد سبق له أن قدّم مع رفاقه الأسرى مشروعاً للوحدة الوطنيّة، أطلقت عليه في ما بعد تسمية "مبادرة الأسرى". تلك المبادرة الوحدويّة المسؤولة التي أكّدت مكانة الأسرى كصمّام أمانٍ للوطنيّة الفلسطينيّة. كانت مبادرة هامّة بكل المقاييس، واضطرت أقطاب النظام السياسيّ الفلسطينيّ إلى الموافقة عليها واعتمادها، لكنها للأسف لم تطبّق وبقيت حبراً على ورق. ومع ذلك، لا تزال "مبادرة الأسرى" صالحة للانطلاق من جديد في مشروع إعادة بناء وحدة وطنيّة حقيقيّة، تخرِج الكلّ الفلسطينيّ من مأزقه، وتتجاوز حالة التكلّس والشيخوخة عبر تجديد البنية التنظيميّة والمؤسسيّة بدماءٍ جديدةٍ شابّة، وعبر تجديد الخطاب السياسيّ المتهافت بخطاب حركة تحرّر وطنيّ.
يبقى السؤال عن مدى جهوزية واستعدادية القيادات والنخب الفلسطينيّة الراهنة، سواءً كانت في السلطة أو في المعارضة، ضمن "منظمة التحرير" أو غيرها، لاستعادة خطاب حركة التحرّر، إلا إذا كان الوضع القائم مُرضياً لها.. ما يجعلها متماثلة معه أيضاً كخيارٍ إستراتيجيّ.