| 

الهلع، الخوف، التهديد "الوجوديّ" و"الإستراتيجيّ"، هي بعضٌ من انفعالات إسرائيل اليوم تجاه نشاطات "حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" (بي دي أس). تحاول حكومة الاحتلال بشتى الطرق إنهاء هذه الحركة، وتفشل، ثم تفشل، لأن الحركة تتحرّك وفق القوانين الدولية وحقوق الإنسان وبناء على استراتيجية مدروسة.
ما إن بدأت الحركة نشاطها في العام 2005، وهي تلقى رواجاً: محلياً، عربياً، وعالمياً. ويظهر ذلك بشكلٍ واضح في ازدياد وتيرة مقاطعة إسرائيل وعزلها على المستويات: الاقتصاديّة، الثقافيّة، الأكاديميّة، ولدرجة أقل العسكريّة.
وفي ظلّ اتساع نشاطات الحركة وازدياد نجاحها، تراها بدأت تشهد تحديّاتٍ غير مسبوقة في بعض الدول، حيث جرت محاولات في فرنسا وبريطانيا لسنّ قوانين تقضي بتجريمِ مقاطعة إسرائيل ومستوطناتها، فيما وقع الرئيس الأميركي باراك أوباما على قانون يفرض مواجهة مقاطعة إسرائيل وحتى مستعمراتها. ويأتي مشروع القانون الأميركيّ على وقع الحملة التي اتسعت مؤخراً في دولٍ عدة والرامية إلى فرض مقاطعة ضد إسرائيل، أو الحملات التي وسمت منتجات المستوطنات في الأسواق، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية. ووفق مشروع القانون، يتوجب على الولايات المتحدة كلّ ستة أشهر تقديم تقارير سنوية عن مشاريع مقاطعة ذات دوافع سياسيّة وسحب استثمارات وفرض عقوبات على إسرائيل.
التقى "ملحق فلسطين" الصادر مع "السفير" الناشط الفلسطيني في مجال حقوق الإنسان والعضو المؤسس في حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي أس) عمر البرغوثي، لمعرفة آليات المواجهة على الصعيدين الداخلي والخارجي

•لماذا يتصاعد الهجوم على الـ"بي دي أس" في هذه المرحلة تحديداً؟
- سأذكرك بمقولة للزعيم الروحي للهند ومقاوم الاستعمار البريطاني، "في البدء يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر". نحن في مرحلة "يحاربونك" وبتنا نرى بوادر نصر هنا وهناك.
ففي ذروة قوتها الاقتصادية والعسكرية، بالذات النووية، ورغم فرض هيمنتها على دوائر صنع القرار الأمريكي فيما يتعلق بالمنطقة العربية، ورغم التواطؤ والتطبيع الرسمي العربي والفلسطيني وتكبيل شعبنا باتفاقية أوسلو المذلة التي وفرت الغطاء الأنسب لتكريس الاستعمار، فإن إسرائيل تشعر اليوم بالتهديد "الاستراتيجي"، بل "الوجودي"، من حركة المقاطعة "بي دي اس" كركيزة رئيسية من ركائز النضال الشعبي والمدني وكأهم شكل تضامن عالمي مع نضال شعبنا من أجل حقوقنا غير القابلة للتصرف.
أدركت إسرائيل متأخرة أنها فشلت في محاولاتها الحثيثة لوقف وتيرة النمو السريع لحركة  "بي دي اس" رغم كل المليارات التي أنفقتها على البروباغاندا. فقد صرح الرئيس الإسرائيلي، روفن ريفلين، مؤخراً أن المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل تشكل "تهديداً استراتيجياً من الطراز الأول". وفي أول تصريح له عند استلام وظيفته كوزير للشؤون الإستراتيجية في حكومة نتنياهو، صرح غلعاد إردان أنه سيركز على خطرين رئيسيين: إيران و"بي دي اس". وحذر رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك قائلاً: "من بين [مؤيدي المقاطعة] ستخرج القيادات المستقبلية للولايات المتحدة والعالم. إنه اتجاه تدريجي، لكنه ينزلق نحو نقطة التحول، وعند تلك النقطة ينتظرنا منحنى، أو -- لا سمح الله -- هاوية سحيقة!"  أما الرئيس الأسبق للموساد شابتاي شافيت فقد عبّر عن خشيته، لأول مرة في حياته، على مستقبل "المشروع الصهيوني" ككل، بفعل تدهور العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، برأيه، وتنامي حركة المقاطعة العالمية.

•كيف استطاعت إسرائيل اقناع دولٍ وبرلمانات بإصدار قرارات لإدانة الحركة؟
- لم يعد تقاطع مصالح إسرائيل، كنظام احتلال واستعمار-استيطاني وأبارتهايد، مع مصالح الفئات الحاكمة في الغرب كافياً لتفسير الانصياع غير المسبوق لمشيئة إسرائيل في دول عملاقة كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. هناك عامل آخر، فإسرائيل تمارس الترهيب وتشويه السمعة والاغتيال المهني لكل من يتجرأ على انتقاد سياستها، وتعمل بشكل وثيق مع الحركة الصهيونية العالمية ومجموعات الضغط (اللوبي) القوية التابعة لها، بالذات في الولايات المتحدة، لشراء ذمم السياسيين، كما اعترف حتى الكاتب الصهيوني الأمريكي المعروف، توماس فريدمان.
إن نجاح حركة المقاطعة في كسب عقول وقلوب جماهير عريضة حول العالم وفشل إسرائيل في مواجهتها أدّيا إلى لجوء إسرائيل إلى سلاحها الأخير: محاولة قمع وتجريم المقاطعة من أعلى، أي من خلال تجييش حلفائها في الحكومات والبرلمانات. ولكن هذه مخاطرة كبيرة لإسرائيل، لأنها قد تنفر بل وتستعدي قطاعات واسعة من الليبراليين الذين لم يعد بإمكانهم تبرير جرائمها وعنصريتها ووقاحتها في إصدار الأوامر لزعماء الغرب لحمايتها من المقاطعة. لقد أسقطت حكومة أقصى اليمين الإسرائيلي الحالية القناع فظهر وجه النظام الحقيقي للعالم، مما سرّع في انتشار حركة المقاطعة.

•ما هي خططكم لمواجهة التحديات غير المسبوقة على الحركة؟
ـ "حاصر حصارك" هي مقولة للشاعر محمود درويش تنتهجها الـ "بي دي أس" في التصدّي لأيّ هجوم إسرائيلي ضد الحركة. كلما صعدت إسرائيل حصارها سواء على الضفة وغزة أو على حركة المقاطعة، نعمل على تكثيف الجهود والحملات لزيادة عزل اسرائيل وحصار نظامها الاستعماري. أما الحرب القانونية ضد الحركة فستكون مرتدة، سيقلب السحر على الساحر.

•كيف تقرأ دور الحكومة الفلسطينية والسفارات تجاه الحركة؟
السلطة، بحسب اتفاقية أوسلو وملحقاتها، صممت لتتحمل بعض أعباء الاحتلال لحين انتهائه، لا لتقاومه. فالسلطة تقمع المقاومة من خلال ما يسمى بـ"التنسيق الأمني"، بينما تتبنى وتنشر خطاب التكيّف مع الاحتلال وعدم معاداته ولا عزله عالمياً.
حاولت بعض الجهات الرسمية الفلسطينية إضعاف أو تقويض حركة المقاطعة بشكل غير مباشر، ففشلت، ثم حاولت مصادرتها، ففشلت، بالأساس كونها حركة ما يقارب الإجماع الفلسطيني وتضم تحالف كل القوى السياسية، بما فيها حركة "فتح".
في مقابلة لي على إحدى القنوات التلفزيونية الفلسطينية قبل عامين، سألتني المذيعة: "ماذا تريدون من السلطة وسفاراتها؟" فأجبت دون تردد: "أن تكون كالصليب الأحمر، على الحياد، لا معنا ولا ضدنا". فسألت المذيعة: "إن كان هذا ما تصبون إليه، فما تقييمك لدورها الآن؟" فقلت: "لا تعليق!".

•ما ردّكم على الإدعاء الإسرائيلي بأن الحركة عنصرية وتعمل ضد السامية؟
ـ إن هذا الادّعاء هو أحد أهم الأسلحة التي تستخدمها إسرائيل ومجموعات الضغط التابعة لها ضد حركة المقاطعة، غير أن الحركة من خلال نشاطاتها السلمية استطاعت إبطال مفعول الادّعاء الترهيبي كما تروج له إسرائيل. الادّعاء باطل بالكامل، لأن حركة المقاطعة تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان وترفع شعار "الحرية والعدالة والمساواة"، أيّ أنها ترفض بالمطلق جميع أشكال العنصرية، بما في ذلك العداء العنصريّ لليهود.
هناك العديد من القوى اليهودية التقدمية الرافضة للصهيونية في العالم التي تؤيد حركتنا وتعمل جاهدة في حملات عينية رائعة ومؤثرة، وهناك عدد كبير من الشخصيات اليهودية المرموقة عالمياً في مجال العلم والفن والأدب تؤيد حركة المقاطعة بل وتؤدي دوراً هاماً فيها في الدول الغربية.
الحركة لا تدعو للمقاطعة على أساس عرقي أو إثني أو ديني، وهي تدين كل أشكال العنصرية والتمييز العنصري. إننا ندعو لمقاطعة إسرائيل ومؤسساتها لأنها نظام احتلال واستعمار يمارس التطهير العرقي والأبارتهايد، بحسب تعريف الأمم المتحدة لتلك الجريمة. لا تهمنا هوية مضطهدينا، فقط يهمنا أنهم يضطهدوننا ويحرموننا من أبسط حقوقنا غير القابلة للتصرف ويتعاملون معنا كأقل من بشر.

•كيف ترى المقاطعة المحلية للمنتجات الاسرائيلية؟
- إن المقاطعة المحلية آخذة في الانتشار، بالذات أكاديمياً وثقافياً. ورغم انخفاض الصادرات الإسرائيلية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب المقاطعة، ورغم مشاركة أكثر من ألفي شخص في المسيرة المركزية لحركة المقاطعة" بي دي اس" في رام الله إيذاناً بانطلاق فعاليات أسبوع مقاومة الأبارتهايد الإسرائيلي إلا إن مقاطعة المنتجات لا تزال دون المستوى المطلوب.
هناك أسباب عدة، أهمها خضوع سوقنا لسيطرة الاقتصاد الإسرائيلي، وتكريس هذه التبعية ببروتوكول باريس الاقتصادي بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية عام 1994، واستعمار إسرائيل لعقول شريحة ليست هامشية من شعبنا.
إن التطبيع، بمعنى التطويع الإسرائيلي لفئة من شعبنا واستخدامها كورقة توت، قطع شوطاً هاماً بحيث أدمنت هذه الفئة الصغيرة عدداً ولكن القوية بنفوذها الاقتصادي وأدوات قمعها، على الهزيمة وعلى التكيّف مع ما تُسلّم به كانتصارٍ للمشروعِ الصهيوني. فاندمجت مصالحُ بعضِ أصحاب رؤوس الأموال الفلسطينيين مع اقتصاد الاحتلال، وأصبح الخَطابُ المهيمن يتعامل مع العدوّ كطرف عاديّ، وفي الكثير من الأحيان كدولة صديقة تثير الإعجاب رغم وجود "بعض المشاكل" معها وحسب.

•لماذا الغالبية الساحقة من الناشطين /ات في حركة المقاطعة من المتطوعين /ات؟
ـ حركة المقاطعة تقوم أساساً على مبدأ التطوع، فالغالبية هنا متطوعون /ات في حين أن الطاقم المهني صغير للغاية وبشكلٍ مقصود، حتى لا ترتبط الحركة بصناديق تمويل وأجنداتها فيمكن تالياً لي ذراعنا.

•إلى ماذا تتطلع الحركة؟
ـ أهداف حركة المقاطعة واضحة كما وردت في نداء المقاطعة (بي دي أس) التاريخي الصادر في العام 2005: إنهاء الاحتلال في كافة الأراضي التي احتلت العام 1967، انهاء نظام الأبارتهايد القائم في أراضي العام 48، وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم، وهو حق مكفول في القانون الدولي وقرار الأمم المتحدة 194.