| 

كنتُ قد نويت أن أخصّص هذه المقالة للكتابة عن مناسبات آذار الفلسطينيّ، إذ كلّ مناسبةٍ فيه تشكّل موضوعاً لمقالة مستقلة. فمن يوم المرأة إلى معركة الكرامة إلى ذكرى استشهاد وديع حداد وذكرى استشهاد دلال المغربي ورفاقها وذكرى استشهاد محمد الأسود "جيفارا غزة" والذكرى الأربعين ليوم الأرض. لكن، يوم الجمعة 26 شباط /فبراير الماضي لم يكن يوماً عادياً بالنسبة إليّ وبالنسبة إلى كلّ الشعب الفلسطيني، فالخبر الأول الذي سمعناه كان اغتيال المناضل الفلسطيني عمر النايف في مقرّ السفارة الفلسطينية في صوفيا، عاصمة بلغاريا. والخبر الثاني الذي وصلنا هو الانتصار الذي حققه الأسير الصحافي محمد القيق بعدما أضرب عن الطعام لأكثر من ثلاثة أشهر. هذان الحدثان أو الخبران لهما من الدلالات الكبيرة، ما لا يمكن تجاهله والمرور عليه مرور الكرام، وسيدخلان بلا أدنى شكّ في روزنامة المناسبات الفلسطينية كحدثَين كبيرين. لذا، عزمتُ أن أكتب عن ذكرى يوم الأرض، وعن اغتيال النايف، وعن انتصار الصحافي القيق، في هذه المقالة، رغم استحقاق كل موضوع لمقالة منفردة.


• 40 عاماً على "يوم الأرض"
لا يختلف آذار عن غيره من أشهر العام الميلادي من حيث عدد المناسبات التي دوّنت في الروزنامة الفلسطينية، لكنّه خاص بنكهةٍ مميزة. فقد توّج الصراع على الأرض مع المشروع الصهيوني بتوحيد الكلّ الفلسطيني في فلسطين التاريخية، ووضع الكلّ في دائرة الاستهداف لأدوات المشروع الصهيوني ودولة الاحتلال. لم تقتصر الاستهدافات الإسرائيلية للأرض الفلسطينية على المصادرة والتهويد والتطويق في الضفة الغربية وقطاع غزة، إنما طالت مناطق الجليل التي تعدّ "أراضي الدولة العبرية بحسب المفاهيم الإسرائيلية" لتفتح شهيتها على الأراضي الزارعية الخصبة ومصدر رزق أهالي القرى العربية: دير حنا ودير الأسد وسخنين، وتضع يدها على آلاف الدونمات من الأراضي الخصبة في الجليل.
كان ذلك في 30 آذار /مارس 1976، عندما انتفض سكّان الجليل احتجاجاً على سياسة السلطة وعلى مصادرة أراضيهم التي تشكّل المصدر الأول لحقيقة كونهم سكان البلد الأصليين. فهم حَمَلة شهادات تسجيل هذه الأراضي، ناهيك عن أنها تشكّل مصدر رزق مئات العائلات الجليلية. كان رد فعل السلطة وأجهزة أمنها وشرطتها واسعاً في قمع حركة الاحتجاج، عكس ما كانت وما زالت تدّعي بأن هؤلاء من "مواطني الدولة". راح يومها ستة شهداء من أبناء الجليل برصاص شرطة الدولة العبرية، ارتقوا وهم يدافعون عن أراضيهم المهددة بالمصادرة في الجليل، ارتقوا وهم يدافعون عن أنفسهم كأبناء وسكان البلد الأصليين، ارتقوا وهم يدافعون عن عروبتهم التي وهمت دولة الاحتلال بأنها أسقطتها عنهم وحولتهم إلى أقلية هامشية في المجتمع الإسرائيلي.
مع نهاية آذار /مارس الجاري، يكون قد مضى أربعون عاماً على ذكرى يوم الأرض الذي بدوره وحّد خلفه أولاً، كلّ القوى الفلسطينية في الداخل الفلسطيني. فيوم الأرض مستمرٌ منذ أربعين عاماً بكونه يوماً للإضراب الشامل في الجليل والمثلث والنقب، تدعو إليه لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية. وهي الذكرى التي شكّلت ثانياً مناسبة نضالية للفصائل وقوى العمل الوطني الفلسطيني في الضفة والقطاع، ويوماً لتعزيز المواجهة مع الاحتلال، ويوماً لاستصلاح الأراضي المهدّدة بالمصادرة لمصلحة المستعمرات، وخصوصاً في الضفة الغربية. ولا تزال المجتمعات الفلسطينية في الشتات تقف أمام يوم الأرض كمناسبة وطنية عامة راسخة بالوعي الفلسطيني.
منذ ذلك الحين، أي منذ أربعين عاماً، وقبل ذلك بنحو ثمانية وعشرين عاماً، والشهية الإسرائيلية لا تنضب في سرقة الأراضي الفلسطينية ومصادرتها ووضع اليد عليها تارةً لتوسيع المستعمرات، وطوراً للسيطرة على مصادر المياه، وكذلك لتحويلها مناطق عسكرية. ولا تنتهي الحجج والمسوّغات التي تُقدم إلى جهاز قضاء ومحاكم متواطئةً مع الإدارة المدنية وجمعيات الاستيطان المموّلة من الدولة نفسها ومن كبار أثرياء اليهود في العالم.
منذ الذكرى الأولى ليوم الأرض حتى يومنا هذا، يرتقي الشهداء دفاعاً عن الأرض الفلسطينية، إن في 30 آذار أو في كلّ أيام السنة.


• اغتيال عمر النايف
لا يُعدّ اغتيال عمر النايف الأول من نوعه، وبكلّ تأكيد لن يكون الأخير، إذ لا يمكن إغلاق ملف الاغتيال ما دام الاحتلال موجودا، لكنه يعدّ الأول من نوعه من حيث الوقاحة. لطالما سخّرت إسرائيل كلّ أدواتها وعملائها وفِرق الموت الخاصة لاغتيال أعدادٍ كبيرة من النشطاء والقادة والأدباء والصحافيين في فلسطين والعالم العربي وأوروبا. وضعت المتفجرات في سيارة الأديب غسان كنفاني في حيّ الحازمية سنة 1972 في لبنان، واقتحمت فرقة كوماندوز بيوت قادة "فتح" في منطقة فردان في بيروت، واغتالت كمال ناصر وكمال وعدوان وأبو يوسف النجار 1973، ووضعت عبوة ناسفة للسفير الفلسطيني في فرنسا في منزله سنة 1972، وسمّمت وديع حداد في بغداد سنة 1978، وفجّرت سيارة أبو علي حسن سلامة في بيروت سنة 1979، ووضعت عبوة ناسفة تحت سرير ماجد أبو شرار في روما سنة 1981، وقصفت الشيخ المقعد أحمد ياسين بصواريخ من الجو سنة 2003 في غزة، واغتالت ياسر عرفات بدس السم له، واغتالت محمد المبحوح بإرسال فريق رياضي كامل إلى إمارة دبي لتغتاله في غرفة فندق سنة 2010... تطول قائمة الذين اغتالتهم إسرائيل، مستخدمةً كل الطرق الدنيئة في الوصول إلى أهدافها من الأشخاص، الذين جلّهم لم يكونوا في ساحة مواجهة واغتالتهم على الرغم من كونهم مدنيين. أما أن تصل إلى مقر سفارة فلسطين في صوفيا وتغتال عمر النايف ضاربة عرض الحائط بكل الأعراف والمواثيق الدولية التي تحمي وتنظم عمل السفارات والبعثات الديبلوماسية وأراضي السفارات فهو ضربٌ من ضروب الخيال. لا يُسمح عادةً لدولةٍ خارجة عن القانون بممارسة هذا النوع من القرصنة من دون قصاص، لكن إسرائيل عادت لتثبت للعالم عامة وللفلسطينيين خاصة، أنها لا تزال تمتلك "اليد الطولى"، وتستطيع الوصول إلى من تشاء وقتما تشاء وكيفما تشاء.
لقد مضى على هروب عمر النايف من سجنه نحو ربع قرن من الزمن عاش خلالها حياةً شبه طبيعية في بلغاريا بعدما تمكّن من الخروج من الداخل المحتل. تزوج وأنجب ثلاثة أبناء، إلاّ إن أجهزة الأمن الإسرائيلية أصرّت على ملاحقته واغتياله لا لسبب إلاّ لتثبت مرة أخرى، بأن لها اليد الطولى وقادرة على الوصول لمن يتعرض لها.
لم تعلن إسرائيل بعد وقوفها وراء اغتيال النايف، بغض النظر عمّن تواطأت معهم لتنفيذ العملية. لكن سرعان ما سيتقاعد أحد ضباط الأمن الإسرائيليين وينشر مذكراته، فيكتب باستعراضية أنه من نسّق أو قاد أو نفّذ عملية الاغتيال. حدث ذلك كثيراً سابقاً، إذ كتب ضباطٌ في الموساد عن اغتيالات قادة فلسطينيين، منهم غسان كنفاني والكمالَان وأبو يوسف النجار ووديع حداد. كما يمكننا أن نجد أنفسنا أيضاً أمام استعراض عضلاتٍ في حملةٍ انتخابية يُعلن فيها عن اغتيالاتٍ نُفّذت، أو أمام استعراضٍ سياسيّ كما حدث قبل عدة أيام مع عضو الكنيست "عمير باريف" خلال نشاطٍ ثقافي في بئر السبع، حيث قال إن اسرائيل هي من قصفت مبنى في دمشق واغتالت فيه سمير القنطار.

• انتصار الصحافي محمد القيق
تفوّق أخلاقياً على جلاده، وأرضخه، ودفع به إلى التنازل عن غطرسته وإصراره على الاستمرار في احتجازه إدارياً. الاتفاق الذي أُبرم مع الصحافي محمد القيق والذي ينص على الإفراج عنه في 21 أيار/مايو المقبل يتخطى حدودَ اعتقال القيق نفسه، ليصنع هزّةً كبيرة في سطوة الاعتقال الإداري المسلّطة على رقاب المناضلين الفلسطينيين. لا أعتقد أن دولة الاحتلال ستعلن عن وقف انتهاجها سياسة الاعتقال الإداري (هذا الاعتقال الذي يفوّض ضباط الأمن الإسرائيليين بزجّ المناضلين الفلسطينيين في المعتقلات من دون أية مسوّغات قانونية)، لكنها ستفكر ملياً في كلّ حالة اعتقال إداريّ مقبلة. لم يكن محمد القيق الأول الذي يخوض إضراباً فردياً، فقد سبقه خضر عدنان ومحمد أبو علان وعبد الرازق فرّاج وسامر العيساوي والكثير من الأسرى الإداريّين الذين سئِموا من أن يكونوا ضحايا قانونٍ انتدابيّ يتّسم باللاأخلاقية، وسئِموا من الإدانة والاستنكار التي تطلقها المنظمات الحقوقية الدولية، وسئموا من أن يكونوا خزان الابتزاز السياسي الذي تستخدمه دولة الاحتلال لتضييق الخناق مرّةً على "حماس" ومرّةً على السلطة ومرّةً على الشعب الفلسطيني برمّته.
إن جملة الإضرابات التي خاضتها مجموعةٌ من المعتقلين الإداريين في الأعوام الأربعة الأخيرة ساهمت إلى حدّ كبير في، أولاً، إحراج دولة الاحتلال التي تنتهج سياسة الاعتقالات التعسفية، وثانياً، إعادة الاعتبار إلى قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ووضع قضيتهم على جدول الأعمال الوطني، وثالثاً، دفع القوى السياسية وقوى المجتمع المدني في مناطق 48 إلى العمل بصورة استثنائية قانونياً وشعبياً موحّدين خلف قضية القيق أمام مشفى العفولة.
ليست صدفةً أن تغتال إسرائيل عمر النايف، لا مفاجأة في تركها محمد القيق لمصيره بعد إضرابٍ مدّته 94 يوماً، لولا حملة التضامن والضغط الشعبي الكبيرة التي حالت دون استشهاده. لكن، ليس من الغريب أن يطلق مجهولون النار على الأسير المحرّر من جنين ويردوه شهيداً. بهذا، يبدو أن ثمة علاقة بين استهداف الأسرى المحررين والتنّعت بحق الأسرى القابعين في السجون لِما يشكلونه من رمزية وطنية كبيرة. وبالتالي، المعادلة التي يفرضها الاحتلال دائماً هي أن الكلّ الفلسطينيّ مستهدفٌ، سواءً كان في قلب المواجهة أو لم يكن. فالصحافي مستهدف والأديب والسياسيّ والبرلمانيّة والشاب والمسنّة والطفل والعجوز. الكلّ مستهدفٌ، سواء في ذكرى يوم الأرض أو في أيّ يومٍ من أيام السنة. الكلّ مستهدفٌ، سواء في قطاع غزة أو الضفّة الغربية أو الجليل أو المثلث. الكلّ مستهدفٌ، سواء في فلسطين أو مالطا أو صوفيا أو في بيروت.