| 

في أحد لقاءاتنا في مقهى في حيفا، وكما عوّدنا منذ بدأ مهنة التّدريس، خصّص علي مواسي جزءًا من حديثنا معه أنا وأسماء عن قصص المدرسة والطلاب في إحدى مدارس باقة الغربية. تفاصيل جميلة خلال حصّة من حصص اللغة العربيّة، تفاعل خلالها الطّلاب مع اللّغة، وراح يستكشف كيف يمكن لموقعه كأستاذ أن يحفّز أفكاراً إبداعيّة تقرّب الطلاب وتحببهم /ن من لغتهم /ن أكثر وأكثر. كان تعليقنا على قصصه وحماسه وهو يسردها: "نيال طلابك على معلّم مثلك".
في أحد أيام التدريس، قام المربّي مواسي بعرض فيلم "عُمَر" للمخرج الفلسطينيّ هاني أبو أسعد لطلابه. الفيلم جال العالم ومثّل فلسطين في محافل دوليّة عديدة، كان أهمها تمثيله لفلسطين في الأوسكار. بعد أيام من عرض الفيلم، تعرض علي مواسي في المدرسة إلى تهجّمٍ والمسّ به جسديًا، ما أثار فزعًا ورهبة في نفوس الطّلبة وعنى انتهاكاً لحرمة المدرسة، وانتهى بفصله من المدرسة، رغم معركةٍ علانيّة كان التضامن معه واسعاً فيها.

ماذا جرى؟
بعد أيام قليلة من الاعتداء، بدأت حملة تحريض وترهيب من قبل جماعة في باقة الغربيّة، ادّعت أن المربّي عرض للطلبة فيلمًا "غير تربويّ ولا يراعي قيم المجتمع ويخدش الحياء". تضمنت الحملة اجتماعًا في البلدة، طولب فيه بفصل المربّي فورًا وحالًا. هذه الحملة قوبلت بحملةٍ احتجاجيّة كبيرة، على مستوى الفضاء الرقميّ والإعلام والمجتمع المدنيّ وبعض الأحزاب والشّخصيات السّياسيّة، وأعلن العديدون عن الوقوف إلى جانب علي مواسي في معركته، مؤكدين أنها لست معركة علي وحده، بل معركة الثّقافة والفنّ أمام التّطرف وسياسات التّكفير والتّجهيل، ودفاعًا عن دورهما في بناء مجتمعات أفضل، وكونهما سلاحًا في مواجهة آليات القمع، الاستعماريّة والعسكريّة والمتطرفة.
إنّ قضية علي مواسي وعرضه لفيلم "عُمَر" ليست الأولى التي تواجه الثقافة بالتّطرف والتّكفير والتهجمات المتسترة بلباس الدين والأخلاق. خلال العامين الماضيين، سجّل حوالي 15 حدثًا ثقافيًا في الأراضي المحتلة في العام 1948 تم التعرّض لها، منعها أو إيقافها أو التّحريض عليها. نذكر منها: عرض مسرحية "وطن على وتر" في عكّا، منع عرض فيلم "المخلّص" في سخنين، التحريض على عرض دبكة في أم الفحم، وغيرها من الأحداث. حتى علي مواسي كان أيضًا قد تعرض في السابق إلى هجوم حاد بعد تدريسه رواية "أورفوار عكّا" للكاتب علاء حليحل لطّلابه، تحت نفس الحجّة: "خدش الحياء العام".
منذ السّاعات الأولى لبدء الحملة التّحريضيّة ضده، كان علي مصرًا على خوض المعركة حتّى النهاية: "أطمئن الجميع أنّني مواصلٌ تحدّي كلّ تطرّفٍ مهما كانت هويّته، وكلّ ظلمٍ مهما كان مصدره، وبذلك لا أمثّل نفسي، بل كلّ من آمن بهذا المبدأ". هذا ما كتبه مواسي عبر صفحته على موقع "فايسبوك". وتضمن تصريحه الأول، المنشور في 21 شباط/ فبراير، إعلانًا عن تقدّم طاقم محامين بدعوات قضائيّة ضد الإجراءات التّعسفيّة والمحاكمات الميدانيّة بحقّه، وتابع مواسي: "لن أتنازل لحظة واحدة عن حقّي، ولن أخضع أبدًا لثقافة التّرويع والتّرهيب، ولن أتساهل مع الفساد الإداريّ والسياسيّ"، وأضاف: "رصيدي إخلاصي في عملي، وحبّ طلّابي وذويهم، ودعم الأهل والأصدقاء والزّملاء".
في 26 شباط/ فبراير، استجابت المحكمة للالتماس المقدّم من قبل مواسي ضد المعتدين على حرمة المدرسة وشخصه أمام أعين الطّلبة والمعلّمين. وقامت المحكمة بفرض عقوبات وتغريم المعتدين بمصاريف وأتعاب المحامين. وكانت قد عقبت المحامية نور رسلان على هذا القرار بالقول: " إنّ المراد والمطلب من الذّهاب للمحكمة، كان توجيه رسالة واضحة لكلّ من تسوّل له نفسه التّعدّي على حرمة الإنسان وكرامته، واللّجوء للقوّة والغصب من أجل فرض آرائه وتوجّهاته الخاصّة على الآخرين، بعيدًا عن لغة الحوار الحضاريّ والمسؤول، والمنافية لقيمنا العربيّة والإسلاميّة السّامية".
في مساء يوم السّبت 27 شباط /فبراير، أصدرت بلدية باقة الغربية قرارًا بفصل المربّي علي مواسي من عمله في المدرسة، وعدم السّماح له بالتدريس في أي من المؤسّسات التّابعة للبلدية. وفي بيان أصدره مواسي حول هذا القرار، أشار إلى عدم حصوله على أيّ كتاب رسميّ، وقال: "أعدّ هذا القرار شهادة فخرٍ واعتزازٍ، لثقتي الكبيرة بموقفي ومبادئي وقيمي والطّريق الّتي أسلك، أنا ومن أمثّلهم، وأؤكّد على أنّني مواصلٌ نضالي ضدّ ثقافة الإقصاء والفرض والتّطرّف، وضدّ الفساد الإداريّ والسّياسيّ".

منهاج تعليميّ يعادي العربيّة
علي لا يتوقف عن الحديث عن طلابه، وحبّه لمهنة التّدريس والمسؤولية التي يشعر بها تجاه الطّلبة وتجاه اللغة، سواء كمربّ وكشاعر. والكلّ يعرف جيدًا كم من النّادر أن يختار الإنسان مهنة التّدريس اليوم، ويتعامل معها بتقدير ومسؤولية كجزء من نهج حياته، ضمن منظومة تربية وتعليم يكمن منهاجها الأساسيّ، لا في مصلحة الطالب ورفع مستوى التعليم، وإنما في تجهيل الطلاب وإبعادهم /ن عن الهوية واللغة، بل وأحيانًا وصوله إلى أن يكره لغته، كجزء من مسار الأسرلة التي يتعرض لها الفلسطينيّون في الأراضي المحتلة في العام 1948، والتي يعمد المنهاج التعليمي إلى تبنيها. فهو مليء بالأخطاء اللغويّة والمضامين السطحيّة وتهميش هويته العربيّة الفلسطينيّة.
في كتاب "المغيبون – قراءة نقديّة لكتب المناهج الإسرائيليّة في المدارس العربيّة الثّانويّة" الصّادر عن "جمعيّة الثّقافة العربيّة" مطلع العام 2015، اجتمع ستة متخصّصين، هم د. إلياس عطا الله ود. جوني منصور ود. سهاد ظاهر - ناشف والأستاذ نبيل الصالح والأستاذ نبيه بشير ود. إمطانس شحادة، لدراسة خمسة مجالات دُرست كتبها في المدارس، وهي: اللغة العربيّة، نصوص الأدب العربيّ، المدنيات، علم الاجتماع، والتّربيّة الدّينيّة. بالإضافة إلى الأخطاء اللغويّة والمضامين السطحيّة، ضمت الكتب مضامين صوّرت المرأة كمطيعة ضحية دومًا والرجل كصاحب سلطة. وهي مضامين قادرة على أن تعزز مجتمعًا ذكوريًا قامعًا للمرأة. كذلك، قامت هذه المضامين بتهميش التاريخ الفلسطينيّ تمامًا، امتدادًا لمحاولات إسرائيل المستمرة بطمس الهويّة.

قتل النساء لا يخدش "الحياء"
المبدأ الذي يحرّك حملة التّضامن مع علي مواسي هو أن القضية ليست قضية علي مواسي وحده، وإنما هي تعبيرٌ عن حالة القرف المستمرة من ممارسات تقوم بها جماعات متسترة باسم الدين والأخلاق، فتسعى لمنع أو إيقاف أو التحريض ضد نشاط ثقافيّ ما. ولا تقوم القضية على مضمون العمل الفني، سواءً كان يحكي عن القضية الفلسطينيّة أو تاريخ السّينما في فلسطين. إن الثقافة هي المستهدفة، والمثقفون والمثقفات هم /ن المستهدفون /ات أيضًا، أمثال علي مواسي وغيره.
لم نرَ تداعياً لعقد اجتماعات في قضايا خطيرة مثل قتل النساء على خلفية ما يُسمى بـ "شرف العائلة"، كتلك التي عقدت سريعاً مطالبةً بوقف عمل معلّمٍ على خلفية عرضه لفيلمٍ، بادعاء إنه "يحتوي على مشاهد إباحية"! لم نرَ مثل هذه الاجتماعات تحتج على مناهج التدريس في المدارس العربيّة التي تهدف إلى الأسرلة وطمس الهويّة العربيّة الفلسطينيّة ومحو الذّاكرة والتّاريخ. لم نرَ مثل هذه الاجتماعات على قضايا تشكّل خطرًا على مستقبل طلابنا وشبابنا وشاباتنا وحياتنا كفلسطينيّين وفلسطينيّات في هذا المكان. وهذا أكثر ما يحرق القلب!
لا شك أنّ علي مواسي سيواصل المعركة، إلى جانب العديد من الأصوات حوله، من طلاب وذويهم والأهل والأصدقاء وكل متضامن ومتضامنة، لا من أجل نفسه فقط، بل أولًا من أجل الطلّبة، من أجل ألا يخاف معلم او معلمة من التحدّي وقول كلمة حقّ، ومن أجل بلدته باقة الغربية التي يحبّها. اختار أن يبقى فيها ويدّرس في إحدى مدارسها ويعيش بين أهلها، لأنه يريد أن يكون جزءًا من بناة جيلٍ أفضل. جيلٌ يشعر هو بالمسؤولية الوطنيّة والثّقافيّة والتّربويّة تجاهه. جيلٌ لا يخاف أن يعبّر عن رأيه وهويته، بعد أكثر من 67 عامًا من الإحتلال وما رافقها من تجهيل للإنسان الفلسطينيّ، قمعه، طمس هويّته، وسلخه عن محيطه الثّقافيّ.