| 

بات الاعتراف بأزمة المشروع الوطني الفلسطيني، قاعدة انطلاقٍ وركيزة لأيّ نقاشٍ فكريّ أو سياسيّ، وكأن العنوان "أزمة المشروع الوطني" أصبح شرطًا إصداريًّا، وقاعدة يتم البناء عليها والانطلاق منها نحو التحليل والتفكيك. وهذا المقال ينطلق أساسًا من أن المشروع الوطني الفلسطيني لم يعد يمرّ بأزمة فقط، بل إن الأحزاب والفصائل السياسية الفلسطينية، خلال مسيرة صراعها على وجودها، أصبحت جزءًا ومركّبًا بنيويًا في هذه الأزمة التي يمرّ بها المشروع الوطني. وعلى الرغم من أنها تستمد شرعيتها من دول عربية وغربية عدّة، إلّا أنها لا تستمد شرعيتها من جسد واحد، وهو ما لم تعد قادرة على قيادته، الشعب الفلسطيني. فغدت أجسامًا على فراش الموت تحاول إنكار الحقيقة للاستمرار في الوجود، والوجود لهدف الوجود، كجسد يطلب من عزرائيل أن يُبقي له متنفسًا لو لساعات ليس أكثر، يبقى فيها على قيد الحياة، وهذا شرعيّ ومطلوب طالما لم يكن ثمن هذه الساعات، أرض وقضية ووطن وإنسان.

إرساء الهشاشة عبر "محاربة التشرذم"
شهد مطلع الشهر الماضي، اتجاهين متناقضين شكليًا، إلّا أنهما متوافقا الجوهر في سياق إعادة بناء وترتيب البيت الفلسطيني. الأول، كان لقاء لحلّ أزمة الانقسام بين "فتح" و "حماس" في الدوحة، وهو توجّه إيجابي وهام لحلّ أولى الأزمات في البيت الفلسطيني، إذا ما جرّدناه من قضية الفصيلين وحيثيات المصالحة وما تم بحثه خلال المحادثات وإسقاطاته ودلالاته. أمّا الاتجاه الثاني فهو مبادرة "اليوم العالمي للتضامن مع فلسطينيي الداخل" التي بادرت إليها "لجنة المتابعة العليا"، وهي مبادرة في الاتجاه المعاكس، إذ تقسّم الشعب الفلسطيني وتجزئه مناطقيًا وسياسيًا، خاصة أن هناك يومًا عالميًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني ككل، وتفتّت القضايا والتمثيل والتوجّهات، وبالتالي تقسّم ممارسات المؤسسة الاستعمارية ما بين احتلالٍ وعنصرية. وهو تقسيم يصبّ في جوهر أزمة المشروع وتعريفه لذاته وهيئاته التمثيلية، وللآخر الذي يمر في مراحل جديدة يتّفق عليها وعلى تحليلها الفصائل والأحزاب الفلسطينية كافة على صعيد التشخيص. إلّا أنه على عكس التشخيص الممتاز للمرض الاستعماريّ، يأتي الاستنتاج مغايرًا ويستمر المريض بتلقّي ذات العلاج، ويوصي الطبيب بإعادة إنتاج الدواء ذاته بينما يتفشّى الاحتلال الإسرائيلي في الأرض والإنسان والوعي.
وعلى الرغم من أن المبادرتين متناقضتان شكليًا، الأولى تهدف إلى إنهاء انقسام أو إدارة انقسام داخليّ فلسطيني، بينما الثانية تنفرد خلالها جهة ممثّلة لجزء من الشعب الفلسطيني بالتوجّه إلى المحافل الدولية، غاضة النظر عن أهمية وحدة القضية والتوجّه، والجوهر الاستعماري للدولة الصهيونية، إلّا أن التوجّهين يتوافقان في الجوهر من حيث إعادة إنتاج المنتج في واقعٍ مختلفٍ نشأ في ظل الأزمة التي يتحدّث الكثيرون عن حلّها. فالتوجّه الأول، وعلى الرغم من أنه يبدو متناقضًا للوهلة الأولى في سياق إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، إلّا أنه وفي الحقيقة لم يتعدّ كونه صراعاً على المحاصصة ضمن مواقع القوّة والتفرّد والمصالح في السلطة، وليس إعادة بناء وحدة على أساس مشروع وطني. والسؤال الأهم: هل ما زالت الحالة الفلسطينية ما قبل الأزمة وخلال الأزمة ذاتها اليوم، ليكون الحديث عن إعادة البناء في إطار الواقعية والجدوى ممكنًا؟ فلسطينيًا، الأرضية واللحظة التي تمّ خلالها هدم المشروع الوطني الفلسطيني التحرّري، ليست ذاتها اليوم على مستوى الأرضية والمساحة والحالة السياسية. والفراغ السياسي الذي نتج عن الانقسام وغياب العمل التنظيمي السياسي والتثقيفي، خضع لقوانين الطبيعة التي تكره الفراغ ولا تسمح له أن يبقى فراغًا، فامتلأ بحراكات شبابية ومؤسسات ومجتمع مدني فلسطينية وأجنبية، ومبادرات فردية وجماعية عدّة. أمّا على صعيد الأرض فاستشرى الاستيطان وبلع أراضي الفلسطينيين حتى بات عدد المستوطنين في محافظة "سلفيت" أكثر من الفلسطينيين أصحاب الأرض، وداست المؤسسة الإسرائيلية الاستعمارية على الخط الأخضر وما قبله وبعده.
إذًا، فلماذا الحاجة إلى إعادة بناء المشروع الوطني وترتيب البيت الفلسطيني على ما كان عليه سابقًا؟ وهنا لا أحاجج ضد إعادة بناء "منظّمة التحرير" وهيئاتها ومؤسساتها، بل في هدف بناء منظّمة تحرير تمثّل الشعب الفلسطيني ككل، وتستطيع تنظيمه سياسيًا وقوميًا، وحمايته، ورسم سياسات تلائم الواقع بهدف التصدّي للسرطان الاستعماري. إلّا أنه وللأسف، يذهب السياسيون إلى تكريس الانقسام وليس الرقيّ بالعمل السياسي نحو التوحّد واستعادة الوحدة، حيث كان اليوم العالمي للتضامن مع الفلسطينيين في الداخل مثالًا واضحًا وصريحًا على هذا التوجّه نحو التفتّت لا التوحّد، ومؤشرًا على توجّهات الأحزاب العربية في الداخل ضمن إطار "لجنة المتابعة". ضمن إطار العمل السياسي في الضفة الغربية وغزّة، لم يتم بحث مكانة الفلسطينيين في الداخل وكيفية إعادة بناء منظّمة التحرير والتمثيل داخلها بالتوجّه الذي لا يختلف كثيرًا عن سابقه. ما يجعل هذين الاتجاهين اللذين شهدهما الشهر الحالي أقرب إلى التفتّت والتشرذم من إعادة البناء، وأقرب إلى المزيد من الهشاشة وعدم الصمود في ظل عدم وجود بناء فكريّ وسياسيّ موحّد يقوم بتمثيل الفلسطيني.

تنظيمٌ جديد
التشرذم الذي يكثر الحديث عنه لم يكن يوماً تشرذمًا اجتماعيًا فلسطينيًا، أي أنه بقيّ تاريخيًا تشرذمًا سياسيًا على صعيد الأحزاب والفصائل، واستطاع النسيج الاجتماعي الوطني الفلسطيني الحفاظ على تمسّكه وطنيًا. فعلى الرغم من أن العودة إلى الانتفاضة الثانية وامتدادها على جانبيّ الخط الأخضر هامة لتقييم التواصل وعملية التصدير والاستيراد للأحداث الوطنية وامتدادها ما بين الداخل والضفة على صعيد المجتمع والشعور الوطني، إلّا أن الهبة الحالية الجارية منذ أكتوبر الماضي لها دلالاتها التي لا تقل أهمية لفهم الحالة الشعبية الفلسطينية، خاصة أن العامل المميّز للهبّة هو المبادرات غير المنظّمة وغير المدعومة من الفصائل الفلسطينية والأحزاب، بل عمليات ومبادرات فرديّة نابعة من رحم الحس الوطنيّ، ورفضًا للذل الذي يعيشه الفلسطيني يوميًا من الاحتلال تارة، ومن أوسلو ونتاجها تارة أخرى. هي انتفاضة ضد الذلّ والاتفاقيات والاحتلال في آن واحد.
إن انخراط ثلاثة شبّان من الداخل الفلسطيني في هذه العمليات هو دليلٌ أخر على أن الحالة الشعبيّة لا تحتاج فقط إلى التنظيم، بل إلى تنظيمٍ جديد، يشكّل حماية للفلسطيني في الداخل والخارج، أينما كانوا وتواجدوا. فالتصدّي للسياسات الاستعمارية الإسرائيلية، وعلى الرغم من الاختلاف في وتيرتها وشكلها وميادينها، بحاجة أولًا إلى اعتراف بأن أحد أسباب فشل الحركة الوطنية في مسيرتها التاريخية هو التحوّل من الخطاب التحرّري إلى خطاب الدولة، وتحويل الصراع من صراع حركة تحرّر من مشروع استعماري استيطاني، إلى صراع بين حركتين قوميتين على حدود سياسية تجمعهما وتحكم العلاقات ما بينهما اتفاقيات تطبيعية مُلزمة لطرف واحد.
والوقت في السياسة ليس أهمّ من التنظيم. فخلال مروره السلّس، تتحوّل موازين القوى ويتأثّر الحيّز، ويصاغ الوعيّ من جديد مع السياسات والمرحلة. وفي الحالة الفلسطينية، فإن الوقت ومروره من دون الفعل السياسي هديّةٌ للمؤسسة الاستعمارية التي ستستثمره لفرض وقائع مختلفة على الأرض وكسب المزيد من نتائج الفراغ السياسي الذي لا تستطيع الحراكات الشبابية أو مؤسسات المجتمع المدنيّ ملأه بصورة متكاملة. فلا يزال المشروع يحتاج إلى حاملٍ فلسطينيّ وطنيّ يضع أمامه هدف تنظيم الفلسطينيين والتحرّر ليبدّد الشوائب في الفراغ، ويدمج الحراكات في المشروع والرؤية والإطار. وهذا يحتاج إلى انفتاح فكري وسياسيّ إستراتيجي، وليس مصالحات عشائرية حزبية ووساطات ومبادرات مناطقية، بل جدل مراجعة التجربة وبرامج الأحزاب السياسية في الداخل والضفة والشتات، وكيفية تحقيق الشكل الأفضل من وحدة الشعب والقضية.
ما نحتاجه هو التكامل في المشروع، اللوحة السياسية التي تشكّل المشروع المتناسق المتكامل، اللوحة السياسية التي تراعي تعدّد الألوان إلّا أنها تصبّ في صالح الفكرة وتخدم ذاك الهدف.