| 

إبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة في صيف العام 2014، واجه جنود العدو شبكة مُعقّدة من الأنفاق السريّة على تخوم غزّة، استخدمها مُقاتلو المقاومة لإخفاء آثارهم في أثناء القتال وتنفيذ عمليّات نوعيّة خلف خطوط القوات البريّة التي اقتحمت القطاع. كذلك، تم استخدامها في عمليّات نقل السلاح والصواريخ والإمداد. وقد احتلّت منظومة الأنفاق التي شيّدتها المقاومة الفلسطينيّة، وبشكل خاص "كتائب القسّام"، أهميّة كبيرة لدى القيادة العسكريّة الإسرائيليّة، حتّى أن مُهمّة تدميرها كانت أبرز أهداف العدوان المُعلنة!
في أواخر يناير /كانون ثاني المُنصرم، أعلنت "كتائب القسّام"، الذراع العسكري لحركة "حماس"، عن استشهاد سبعة من مُقاتليها في أثناء قيامهم بمهمّة ترميم نفقٍ هجوميّ، شرقي قطاع غزّة. وفق ما أعلن القيادي في حركة "حماس" خليل الحيّة، فإنّ النفق الذي قضى فيه الشهداء السبعة هو النفق ذاته الذي أُسر فيه الجندي الإسرائيلي "شاؤول أرون" إبان عدوان 2014. هذا الحدث دفع بالأوساط العسكريّة الإسرائيليّة إلى إعادة التفكير في قضيّة أنفاق المقاومة في غزّة، خاصة وأن الحديث يدور عن عملٍ متواصلٍ ليلَ نهار في تلك الأنفاق استعداداً للمواجهة المُقبلة.
زعيم حركة "حماس" في قطاع غزّة ونائب رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنيّة، أطلق على الأنفاق مسمّى "السلاح الاستراتيجي لتحرير الأسرى وفلسطين". وقال خلال تشييع الشبّان السبعة الّذين استشهدوا في انهيار نفق شرق غزّة في 29 كانون ثاني /يناير: "سلاح الأنفاق له الدور البارز في صناعة النصر، حيث خرج المجاهدون من هذه الأنفاق، ونفّذوا عمليّة ناحل عوز، وأسر المجاهدون الجندي الإسرائيلي شاؤول آرون، وقاتل المقاتلون جيش الاحتلال من نقطة الصفر، ونزلوا خلف خطوط العدو، وعادوا إلى قواعدهم بسلام".


إستراتيجية الأنفاق
شرعت فصائل المقاومة الفلسطينيّة في تشييد تلك الأنفاق قبل حوالي ستّة عشر عاماً، ونفّذت "كتائب القسام" أوّل عمليّة فدائيّة باستخدام الأنفاق في سبتمبر /أيلول 2001، حين قامت مجموعة من عناصر "القسّام" بنسف موقع "ترميد" العسكري الإسرائيلي الواقع على الحدود المصرية - الفلسطينية في جنوب القطاع. تلت ذلك عملية نفق في ديسمبر /كانون أول 2003، نُسف فيها برج عسكري إسرائيلي في منطقة الحدود المصرية - الفلسطينية المحاذية لمخيم "يبنا" في مدينة رفح.
بعد ذلك، تطوّرت إستراتيجية الأنفاق في 27 يونيو /حزيران 2004، فاستخدمت مجموعة من "كتائب القسام" نفقاً لتفجير الموقع العسكري الإسرائيلي الاستراتيجي قرب حاجز أبو هولي "محفوظة" في شمال مدينة خان يونس، في جنوب قطاع غزّة. وهو الموقع الإسرائيلي الذي كان يقسم قطاع غزّة إلى جزئين، شمالي وجنوبي. ووصل الأمر ذروته في عملية "الوهم المتبدد" التي أسر فيها الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط"، صيف العام 2006.
شكّلت المعركة التي أطلقت عليها المقاومة الفلسطينيّة تسمية "العصف المأكول" في صيف 2014 حالة اختبارٍ حقيقيّة لسنوات من الإعداد المتواصل تحت الأرض. فحين قررت إسرائيل بدء العملية البريّة في قطاع غزة، أعلنت أن الهدف الرئيس منها هو القضاء على أنفاق المقاومة المنتشرة أسفل حدود القطاع. لكن، مع بدء العملية البرية، وتكثف محاولات الجنود العثور على أيّ من أنفاق المقاومة، أثبت الجيش فشله في حلّ لغز خريطة هذه الأنفاق، ولم تعثر إسرائيل على أيّ منها. واتضح أن ما أعلنت عن اكتشافه هي أنفاق قديمة عثر عليها الجيش قبل حملته العسكرية على القطاع التي بدأت في السابع من يوليو /تموز 2014.
إبان الحرب، باغت مجاهدو "كتائب القسّام" جنود الاحتلال في غيرِ موضع، وخرجوا من أسفل الجنود، من خلال استغلال الأنفاق التي شيّدتها المقاومة لأغراضٍ عسكرية وأمنيّة. ونفذ المقاومون أكثر من عملية إنزال خلف خطوط العدو، موقعين عشرات الجنود الإسرائيليين ما بين قتلى وجرحى. ودبّت أنفاق المقاومة الرعب في صفوف الإسرائيليين، لاسيما سكّان المستوطنات المُحاذية لقطاع غزة، إذ أُجبروا على ترك منازلهم والهروب صوب الملاجئ خشية تسلل مقاومين من قطاع غزّة عبر هذه الأنفاق، وتنفيذ عمليات نوعية هناك، وأسر إسرائيليين.

"شهداء الإعداد"
لـ 3 أنواع أنفاق

بعد معركة "العصف المأكول"، ونجاح سلاح الأنفاق الاستراتيجي ضد القوات الإسرائيليّة التي حاولت اجتياح القطاع، واصلت "كتائب القسّام" وفصائل المقاومة العاملة في الساحة الفلسطينيّة بناء الأنفاق الهجوميّة على تخوم قطاع غزّة وترميمها، استعداداً للمعركة المُقبلة مع الاحتلال. بشكل شبه أسبوعي، يستشهد واحد من فريق عمل تلك الأنفاق، ويُعرف هؤلاء الشهداء في قطاع غزّة بـ "شهداء الإعداد". وبحسب إحصائيّة "مركز الميزان لحقوق الإنسان" في غزّة، فإنّ 16 عنصراً من "كتائب القسّام" استشهدوا منذ مطلع العام الماضي في قطاع غزّة أثناء العمل في الأنفاق، 10 منهم خلال العام الجاري.
وعلى الرغم من الهالة الأمنيّة السريّة التي تُحيط بأنفاق المقاومة في قطاع غزّة وتفاصيلها، إلّا أنّ "السفير" طرقت باب أحد القادة الميدانيين في "كتائب القسّام" – نتحفّظ على ذكر اسمه – فأوضح أنّ الأنفاق التي تحفرها "القسّام" في غزّة تنقسم لثلاثة أنواع. النوع الأول تمثّله الأنفاق الهجوميّة التي تُحفر على طول الشريط الحدودي الشرقي والشمالي لقطاع غزّة، استعداداً للمواجهة المُقبلة مع الاحتلال الإسرائيلي. ويرى القيادي أنّ هذه المواجهة "باتت وشيكة جداً، ونتوقّعها في أيّ وقت من الأوقات، لذا نعمل على مدار الساعة لتجهيز الأنفاق الهجوميّة التي تُساعد المُجاهدين تنفيذ عمليّات نوعيّة خلف خطوط العدو".
ثاني أنواع هذه الأنفاق هي تلك التي تستخدمها "كتائب القسّام" لإطلاق الصواريخ من قطاع غزّة صوب البلدات الفلسطينيّة المحتلّة. ويذكر القيادي في "القسّام" أن هذه الأنفاق مُجهّزة ومُعدّة في وقتٍ سابق، ولها عدّة تشعّبات ("عيون")، ومهمتها الأساسيّة إطلاق الصواريخ فقط، ويتم تفعيل آليّة إطلاقها إلكترونيّاً. ولفت القياديّ إلى أن طريقة إطلاق الصواريخ من خلال فتحات الأنفاق أرّقت الاحتلال الإسرائيلي خلال الحروب على غزّة، لعدم تمكّنه معرفة مكان إطلاق الصاروخ كما كانت الحال في السابق. إذ كانت المقاومة سابقاً تُطلق الصواريخ من بين الأشجار والحقول الزراعيّة.
أما النوع الثالث فيميّز الأنفاق التي تستخدمها "القسّام" بهدف تنقّل عناصرها وقياداتها بين المناطق المُختلفة، والاحتماء من القصف الإسرائيلي في أثناء الحرب. غالباً ما تكون هذه الأنفاق في قلب المدن. وقد نجحت المقاومة الفلسطينيّة على مدار السنوات الأخيرة في تحقيق نجاحات عسكريّة من خلال استخدام الأنفاق، وقبلها في عمليّات أخرى مثل أسر الجندي الإسرائيلي شاليط، وبعض العمليّات الأخرى، ما شجعها على الاستثمار فيها بشكل واسع.

"العنكبوت المتفرّع الأذرع"
يقول الكاتب السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر إنّ الأنفاق ستكون "نجم المواجهة" في أيّ حرب مقبلة بين المقاومة في غزة التي تقودها "كتائب القسام" وبين إسرائيل، مُشيراً إلى أنّ الأنفاق تشكّل في إسرائيل هاجساً أمنياً كبيراً يجري التفكير في كيفية مواجهته: "جيش الاحتلال يُطلق عليها اسم العنكبوت المتفرع الأذرع، بعدما تفاجأ بضخامتها وكثرتها. إذ تؤكد معلوماته أنها باتت شجرة كثيرة الغصون، تتفرع على امتداد كيلو مترات طويلة، بعضها دفاعية داخلية، وأخرى هجومية تجاه داخل إسرائيل ويصعب اكتشافها". يقول أبو عامر إنّ أكثر ما تخشاه إسرائيل هو تطوير "القسّام" لهذه الأنفاق، ودخولها إلى العمق الإسرائيلي.
"القناة الإسرائيليّة العاشرة" الناطقة بالعبريّة، كانت قد بثّت تقريراً مطولاً عن مخاوف مستوطني "غلاف غزة" من وصول الأنفاق الآتية من غزة إلى أسفل منازلهم. وأوضح التقرير أن بعض المستوطنين في المستوطنات المحيطة بقطاع غزة هجروا مساكنهم بعد سماعهم هدير حفر أسفلها، حتى أسمع بعضهم مراسل القناة أصوات حفرٍ قريبة من البيت.
وقد أظهر التقرير لجوء أحد مستوطني الغلاف للنوم وبيده سكيناً، خشية أن تباغته مجموعة مقاومة وافدة من القطاع عبر نفق. ويقوم قادة كتيبة "أوغدات عزة" في جيش الاحتلال، في الأيام الأخيرة، بفحص شكاوى مستوطنين من محيط قطاع غزة، بشأن أصوات حفر تحت منازلهم. وتأتي هذه الشكاوى بالتزامن من نشر تقديرات عسكرية إسرائيلية تشير إلى أنه من المحتمل أن تكون حركة "حماس" قد حفرت أنفاقاً تتجاوز الحدود إلى داخل إسرائيل.
وكان سامي ترجمان، قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال، قد قال في تصريحات إعلامية، إن الجيش أعدّ خطة عسكرية كبيرة سيتحدد من خلالها شكل المعركة المقبلة في غزة، والتي ستكون الأنفاق عنوانها، حيث سيتم تدمير الأنفاق، ومواجهة عناصر "حماس" لتدمير قدراتهم الصاروخية، ومنع انطلاق هجمات ضد إسرائيل.

مخاوف من الإمتداد إلى الداخل
صرّح مصدر عسكري إسرائيلي كبير بأن قيادة الجبهة الجنوبية على وشك الانتهاء من نصب منظومة لإكتشاف الأنفاق على الحدود مع قطاع غزّة خلال الأيام القليلة المقبلة، منوهاً بأنها لا تزال في مرحلة التجربة، وسيتم عرضها على القيادة السياسية في إسرائيل لاعتمادها رسمياً، بحسب ما نقلته صحيفة "هآرتس".
في السياق ذاته، كشفت الصحافة العبرية النقاب عن خلافٍ حاد في الآونة الأخيرة داخل المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية ("الكابينت")، بشأن أنفاق "حماس" في القطاع. كما كشفت أن دولة الاحتلال أنفقت نحو 900 مليون دولار لإيجاد حلّ لمشكلة الأنفاق. ولفت المراسل السياسي لصحيفة "هآرتس" باراك رابيد إلى إن "الخلاف نشب بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير التعليم نفتالي بينيت، الذي قدم اقتراحاً للقيام بعملية عسكرية استباقية لمهاجمة أنفاق غزة، بينما واجهت هذا الاقتراح معارضة نتنياهو وبقية الوزراء".
يُعلّق بعض الخبراء الإسرائيليين على أنفاق المقاومة بشكلٍ ساخر قائلين إن ضيق غزة دفع بأهلها إلى بناء طابق آخر تحت الأرض. ويقول آخرون إن في غزة مدينة كاملة تحت الأنفاق، كان ليفخر بها الجيش الكوري الشمالي لو امتلك مثلها.
بما لا يدع مجالاً للشك، تُدرك إسرائيل أن حدود قطاع غزة يمتد أسفلها شبكة ضخمة جداً من الأنفاق غير معلومة العدد، أو الشكل. وكثير من هذه الأنفاق يخترق السلك الحدودي الشرقي الفاصل بين القطاع وأراضي 48 المحتلة، بدليل عمليات التسلل التي نفذتها المقاومة أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة في صيف العام 2014.
لكنّ أكثر ما يخشاه الاحتلال الإسرائيلي هو امتداد أنفاق المقاومة على الأماكن الخلفية التي لا يتواجد فيها الجيش، لاسيما المستوطنات والكيبوتسات المجاورة للقطاع. إذ يعني ذلك أن تنفيذ عملية داخل الخط الأخضر يمكن أن يتمّ بسهولة ويسر، بل ويمكن تنفيذ عمليات أسرٍ حتى. وتتزايد المخاوف أيضاً من امتداد الأنفاق أسفل المواقع العسكرية القريبة من القطاع، والتي يُمكن أن تستخدمها المقاومة في عمليات تفجير وتلغيم لمناطق عسكرية على حدود قطاع غزة.