| 

جلستا على الدرجة الأولى ووضعتا هرّهما الأبيض الصغير في صندوقه بينهما. إحداهما حاولت مداعبته بإصبعها بين فينةٍ وأخرى. صبيّتان مقدسيّتان تمارسان حقّهما الطبيعيّ بالاستمتاع بشمس القدس التي تتخللها نسماتٌ تنحدر من الجزء الغربيّ من المدينة.
بالقرب منهما، يجلس ولدٌ مراهقٌ يبدو من جيلهما. يلبس سروالاً أسود اللون، وقميصاً أبيض. يعتمر ما يسمى بالعبريّة «ياماكاه،» أيّ تلك القبعة شبه المستوية التي توضع على مؤخرة الرأس ويلبسها اليهود المتدينون.
بينهما وبين البوابة الحديديّة القديمة، يقف ثمانية جنود مدججين بالسلاح.
صبيتان توقفتا لأخذ صورةٍ تذكاريةٍ تلتقطها صديقتهما لهما، ثم تدير ظهرها لهما وتلتقط صورة لنفسها، ثم يمضين لتبتلعهن البوابة الحديديّة.
قبل نحو شهرٍ هنا، سقط سعيد، ذاك الأردنيّ الذي أتى لزيارة القدس وقرّر الاستقرار فيها بطريقته الخاصة.
جنديان تركا رفاقهما وصعدا الدرج واتجها على ناحيةٍ خلفي. أوقفا رجلاً وصبيّاً، وسألاهما عن هويتهما واستمرا في استجوابهما.
جلست في زاوية وحدها، ونظرت إلى هاتفها الذكيّ، وضحكت. ترى، أهي كلمات عشقٍ من حبيبها الذي انتظرته في باب العامود؟
انتهى استجواب الرجل والصبيّ، وتوجّه الجنديان نحو شابٍ منمق يبدو وكأنه متوجه إلى حفلة ما. ربما كان هندامه هو الذي أثار حفيظة الجنود، فكيف له أن يقصد حفلاً في فترة ما بعد الظهر؟ هل يخفي شيئاً تحت سترته الجميلة؟
جَلَسَت بقربي وطرحت السلام، بينما تحلّقت حولي سبع تلميذات من مدرسةٍ مقدسيّة.
ـ مرحباً
ـ أهلاً وسهلاً.
باستغرابٍ، سألتها: هل أعرفك؟
أجابت: تشبهين امرأةً أعرفها، هل ترسمين؟
ـ كلا، أكتب.
ـ ولكنك تشبهين تلك التي تجلس دوماً هنا وترسم!
استعجلتها صديقتها للتوجه إلى دورة اللغة الإنكليزية، ورحلن، وعدت إلى باب الروح.
الصبيتان بقيتا مكانهما، وذلك الشاب المستوطن اقترب أكثر من ناحية الجنود مع اقتراب ساعة الغروب.
كم تغيّر باب العامود!
لم تكن هذه الدرجات موجودة حين كنت صغيرة. وأذكر كم تزحلقتُ وأنا أسير في المنحدر باتجاه البوابة الحديديّة، تلك البوابة التي لم تتغيّر وقضم الصدأ أسفلها وظهرت أحشاؤها الخشبية للعيان.
يمرّ المقدسيّون وينظرون إليّ باستغراب. فالجلوس على درجات باب العامود صار محصوراً بالرجال والسيّاح. لا بد أنهم يظنونني سائحةً لا تعرف تقاليد المجتمع الفلسطينيّ وعاداته. هم اعتادوا المرور من هنا، وربما فقد باب العامود بريقه في عيونهم. ولكنه، بالنسبة إلي، ما زال شيئاً من عالمٍ آخر. ربما، وضعه «سيزيف» هنا بعد تعبٍ مضنٍ. ولعلّ «زيوس» صبّه هنا ليخفي حبيبته داخل المدينة العتيقة، بعيداً من أعين زوجته هيرا.
أجلس أمامه متعبدة، لا سائحة ولا متجاهلة لوجوده كما يفعل المقدسيون. أرى تاريخاً حافلاً على شريط فيلمٍ مخدوش الجوانب يتقطع أحياناً. هنا مرّ الصليبيون، وهنا دحرهم صلاح الدين. هنا صرخت فتاة مقدسية عندما سقطت قنبلة بريطانية بقربها، وهُزمت المدينة، ورحل عنها الأتراك، غير المأسوف على رحيلهم. وهنا أيضاً، ركض مقدسيون للاختباء داخل سور المدينة حين سقطت، ولم تنته من سقوطها بعد.
هي تسقط كلما سقط شابٌ أمام بوّابتها دفاعاً عنها. هي تسقط، كلما وقف محاربٌ كنعانيّ وحيداً أمامها مستجدياً حبّها. فعلها أجداد له سابقون حين كانوا يعلنون لعشيقاتهم رغبتهم في إنهاء حياتهم إن لم يقبلن بهم. هذه المعشوقة المترفعة عن عشقنا، ترضى لنا الموت على درجاتها.
عند هذه البوابة، تنتعش الروح. وعندها أيضاً، تزهق.