| 

فجأة، يقدّم محمد دحلان نفسه، وهو النائب والقياديّ المطرود من «حركة فتح»، بصورة المخلص لأهل غزّة، فتنشغل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ بالحديث عنه. فقد تدخّل مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لفتح معبر رفح بشكلٍ متكرّر، وإطلاق سراح حجّاج منتمين لـ «حماس» احتجزوا في مصر، وتنظيمه لمؤتمر عين السخنة 1 و2 الذي من شأنه تحسين الحياة في غزّة، وخصوصاً على المستوى الاقتصادي.
بعدما قطع عباس الطريق على دحلان للعودة للحياة السياسية عبر «فتح»، يبدو أن الأخير يسعى للدخول عبر بوابة غزّة، مستغلاً حدّة الأزمات المعيشية، وبوادر تفاهم واضحة بينه وبين حركة «حماس». تراه يسعى للتخفيف من الأزمات، سعياً لإيجاد مكان في الحياة السياسية الفلسطينية.
من هو محمد دحلان؟ ولماذا يقفز اسمه في مواضع مفصلية ومفاجئة، في الحياة السياسية الفلسطينية؟
ولد محمد يوسف دحلان في عام 1961 في مدينة خانيونس لأسرةٍ بسيطة وفقيرة، وأتمّ دراسته الأساسية والثانوية في مدارس مدينته. عرف دحلان في صغره وبين أقرانه بحبه للسيطرة أو القيادة وسلوكه السلطوي. بعدما أنهى دراسته الثانوية، انتقل دحلان إلى مصر للالتحاق بكلية التربية الرياضية، وهناك التقى بزملاء له منتمين لـ «فتح» جمعوه مع القائد في «فتح» خليل الوزير. كان هذا اللقاء بداية قصّته مع «حركة فتح».
عاد دحلان إلى غزة، ولم يتم دراسته في كلية التربية الرياضية. فانتسب إلى «الجامعة الإسلامية»، وشارك بتأسيس «الشبيبة الفتحاوية»، وهي الإطار الطلابي لـ «حركة فتح». اعتقلته قوات الاحتلال عدّة مرات ما بين عامي 1981 و1986 على خلفية انتمائه لـ «فتح».
أُبعِد محمد دحلان مع مبعَدي «فتح» في عام 1988 إلى الأردن، ثم انتقل منه إلى ليبيا، ومنها إلى تونس ليدخل الصف التنظيمي لـ «منظمة التحرير الفلسطينية» عن عمر 27 عاماً. فتواجد في الدائرة الضيقة للرئيس الراحل ياسر عرفات. قال دحلان إنه، في تلك الفترة، كان اليد اليمنى لأبي جهاد في توجيه الانتفاضة الأولى.
ساعدت سلسلة الاغتيالات التي عصفت بالصفّ الأول من قادة «منظمة التحرير» في تونس (أبو جهاد، وأبو إياد، وأبو الهول) بترقية قادة الصف الثاني. ما أوجد فراغات تنظيمية. فدعا أبو عمار لسدّ هذه الفراغات بالمزيد من الرتب والترقيات التنظيمية، فنال المبعدون أكبر نصيب منها، ومن ضمنهم محمد دحلان.
بعد اتفاقية أوسلو في عام 1993 وتأسيس السلطة الوطنيّة، عاد دحلان كمسؤول رفيع المستوى في السلطة الوطنيّة، وأسّس جهاز الأمن الوقائي في غزة. بقي رئيساً للجهاز حتى استقالته من منصبه في عام 2001 ليشغل في عام 2002 منصب مستشار الأمن القوميّ. في عام 2003، ترك موقعه هذا ليصبح وزيراً للأمن الداخليّ في حكومة محمود عباس.
انتخب دحلان في عام 2006 نائباً في المجلس التشريعي، ونال أعلى نسبة تصويت في كتلة «فتح» البرلمانية. إثرها، استعاد منصب مستشار الأمن القومي (2007)، ثم انتخب عضواً في اللجنة المركزية لـ «فتح» في عام 2009. بقي في منصبه هذا حتى طرد من الحركة في عام 2011 بعدما أدانته لجنة تحقيق بالتورّط بقضايا جنائية ومالية موثّقة.
بعدها، توجّه دحلان إلى دولة الإمارات العربية ليؤدّي دوراً سياسيّاً غير معلن، وصفه البعض كمستشار الشؤون الأمنية لأمير دولة الإمارات. هناك، اتُهم دحلان بتدخّله في شؤون الكثير من الدول العربيّة والمحيطة، منها: مصر لجهة دورٍ له في عزل الرئيس محمد مرسي، وليبيا لجهة مساندة العقيد خليفة بلقاسم حفتر، وحتى في محاولة الانقلاب على الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، حكي عن دور له. اليوم، عاد دحلان ليحاول حجز مكانٍ في المشهد السياسيّ الفلسطينيّ.
قضايا اتُهم بها
على الرغم من أن محمد دحلان شغل مناصب أمنية عليا (كرئيس جهاز الأمن الوقائيّ ووزير الأمن الداخليّ)، اتهم بالعديد من الجرائم الجنائيّة، وباستخدام هذه المناصب لتنفيذ جرائمه، وإعداد فرق مسلّحة لتنفيذ اغتيالات بحقّ شخصيات فلسطينية كـ «فرقة الموت».
وكشفت العديد من الوثائق السرية المسربة تورط دحلان بدماء فلسطينيين، كانت آخرها وثيقةٌ رسميّةٌ نشرها عضو اللجنة المركزية في «فتح» نبيل شعث، مستقاة من جلسات التحقيق مع دحلان. وكان أول الاتهامات الموجهة له اغتيال اللواء كمال مدحت في بيروت، بوضع عبوة أسفل سياراته، ما أدى إلى مقتله. وكذلك، اتهم باغتيال كلّ من: الإعلاميّ الفلسطينيّ خليل الزبن، ومنسّق هيئة الإذاعة والتلفزيون في غزة هشام مكّي، والقيادي في «حماس» حسين أبو عجوة.
وأعلن الرئيس عباس في لقاء للجنة المركزية عقده في عام 2014 أن محمد دحلان كان على علم بمحاولة اغتيال قائد «كتائب القسام» صلاح شحادة، وكان يتابع تفاصيلها، وأخبره حين كان برفقة أبو عمار أن شحادة سيقتل خلال دقائق. ووصف عباس حالة غضب دحلان عند معرفته بفشل المحاولة. بالإضافة إلى شحادة، كشفت جريدة «هآرتس» الإسرائيلية دوراً لدحلان في اغتيال القيادي في «حماس» محمود المبحوح في دبي. واتهم دحلان في الوثائق المسربة ذاتها بتجنيد موظفين وضباط يتجسّسون لمصلحته في المؤسسات الأمنية ومؤسسة الرئاسة، بالإضافة إلى زرع أجهزة تنصّت داخل المقارّ.
تسميم عرفات
في المواجهة بينهما، ساد اتهام من «فتح» لمحمد دحلان بالمشاركة في عملية تصفية عرفات، إذ خلصت تحقيقات الحركة مع دحلان والوثائق الرسمية التي نشرها نبيل شعت إلى أن السمّ الذي قتل به ياسر عرفات كان موجوداً في علب دواء أدخلها دحلان إلى غرفة عرفات، مرة عن طريق مرافقي عرفات (واعترف المرافقون بذلك) ومرة عن طريق وفدٍ أجنبيّ جاء للتضامن مع عرفات.
وقالت الوثائق التي نشرها شعث أن دحلان طلب من رئيس حرس الرئاسة «أبو عوض» جمع كافة علب الدواء وحرقها، بعد وفاة الرئيس عرفات. وبحسب الوثائق، هدّد دحلان أبو عوض بمصير سيئ، وبعد أيام، اعتقله الاحتلال الإسرائيليّ.
لكن، يبقى الاتهام قيد الاقتناع الشعبي والمواجهة السياسيّة، إذ لم يثبت أن الوفاة تمّت اغتيالاً، ولم يؤخذ تورّط دحلان في عملية اغتيالٍ إلى مستوى جازم قضائياً.
من أين لك هذا؟
اتهم محمد دحلان باختلاس المال العام وأموال الضرائب، والسيطرة على حركة التجارة عبر شركاته، واحتكار عدد من السلع، بالإضافة إلى بروز علامات استفهام حول ممتلكاته الكبيرة في القطاع.
وفجّرت صحيفة «هآرتس» في عام 1997 صدمةً مدوية لمّا نشرت أرصدة قادة السلطة في المصارف الإسرائيليّة، وكانت حصّة محمد دحلان منها 53 مليون دولار.
وغير بعيدٍ من المصارف الإسرائيلية، اندلعت فضيحة معبر «كارني» التي أثبتت أن حصة الفلسطينيين من عمولات الضرائب البالغة قيمتها 250 ألف دولار شهرياً تذهب لحساب محمد دحلان، عدا عن عمولات يحصل عليها عند شحن البضائع ونقلها.
عن هذه التهمة، قال محمود عباس: «دحلان عرض علي عدم تسليم كامل نقود صندوق الاستثمار لياسر عرفات، والإبقاء على 200 مليون دولار في حوزتنا». وأَضاف أن دحلان أخذ من القيادي الفتحاوي أبو علاء 20 مليون دولار عند الانسحاب الإسرائيليّ من الضفة، متهماً إياه بالتصرّف بالمبلغ لأمورٍ شخصيّة.
كذلك، أشارت الوثائق المسربة من قبل نبيل شعث إلى تهم متفرقة بقضايا تطبيعٍ اقتصادي مع الاحتلال، وشراء التمور من المستوطنات، وتجارة سلاح مع سكان 48.
بعد «فتح»، دحلان و «حماس»
إن تاريخ علاقة دحلان بـ «حماس» قد لا يشجّع الأخيرة على التعامل معه. فعند عودته إلى القطاع وتأسيسه جهاز الأمن الوقائي، انتهج دحلان سياسةً قمعيةً في محاولة لإنهاء وجود «حماس» في القطاع. فبدأت مهامّ جهازه بأكبر حملة اعتقالات وتعذيب لكوادر «حماس»، واكتظت سجون الأمن الوقائي بهم. كما أقفلت كافة جمعيات العمل الخيري التابعة لـ «حماس»، وتمّت مصادرة حواسيبها، ناهيك عن فرض الإقامة الجبرية على عدد من قادة الحركة، ومنهم مؤسسها أحمد ياسين. إلى ذلك كلّه، يُضاف ما رواه عبّاس عن اغتيال صلاح شحادة، وما نشرته «هآرتس» عن دوره في اغتيال المبحوح.
وحين فازت «حماس» بالانتخابات التشريعيّة والبلديّة، لم يترك الرجل فرصةً إلا وتعهّد فيها بإفشال حكم «حماس» علناً. وهو ما سعى إليه فعلاً عبر استخدام القوة العسكرية لجهاز الأمن الوقائي في عام 2007.
وبعد هذا كله، بعد كمٍّ كبير من المناصب وكمٍّ كبير من الاتهامات، بعد كثيرٍ من التكهّنات والكثير من الدول، يعود دحلان اليوم لمحاولة دخولٍ جديدة إلى السياسة الفلسطينية، عن طريق «حماس» وعبر بوابة غزّة.