| 

لقرية التوانة قصّة معتادة فلسطينياً مع جريمة الاستيطان. ولها أيضاً قصّةٌ ليست معتادة مع الصور الفوتوغرافيّة، بدأت بمبادرة من أهلها وصارت ذات قوّة بمساعدةٍ من الناشطين الأجانب. ولقرية التوانة قصّةٌ ثالثةٌ أيضاً تتواصل منذ 2003 مع الناشطين الأجانب الآتين لتوثيق نضالها، ودعم أهلها. فتتبنّى جمعياتهم الحقوقية العالمية هذه الوثائق، تنشرها، وتحوّلها إلى أدواتٍ مطلبية.
فوق تلّةٍ متاخمةٍ للحدود الشرقيّة للبحر الميت وصحراء النقب جنوبي فلسطين، تتناثر مجموعةٌ من بيوت الصفيح وطوب الإسمنت، تحيط بها كهوفٌ صخريّة يستخدمها السكّان لتخزين الأعلاف في فصل الصيف وبيوتاً تقيهم البرد في فصل الشتاء. إلى جانب كلّ بيتٍ، تحضر حظيرةٌ صغيرة مخصّصة لتربية الأغنام والدواجن، يستخدمها سكّان «قرية التوانة» لنقل المحاصيل من أراضيهم المجاورة.
هم مزارعون، اعتادوا هذه الحياة وتوارثوها عبر الأجيال. يعتاش سكّان القرية من زراعة الأرض وتربية الحيوانات، ولم يعرفوا أسلوب حياةٍ آخر حتى جاء الاحتلال وصادر أراضيهم لمصلحة المشروع الاستيطاني في المنطقة. منذ تلك اللحظة، لم تعد حياة سكّان «قرية التوانة» والخرب المجاورة كما كانت. صاروا هدفاً لاعتداءاتٍ شبه يوميةٍ من قبل المستوطنين وجنود الاحتلال، يسعون لإجبارهم على ترك أرضهم والرحيل عنها.
صورةٌ بألف كلمة
«هم، المستوطنون، يعتدون علينا، ينكّلون بنا بكلّ الوسائل، يحرقون المحاصيل، يهدمون البيوت، يمنعوننا تحت تهديد السلاح من الوصول إلى أراضينا»، يقول ناصر العدرة، أحد سكان القرية. يشير بيده إلى صورةٍ معلّقة على جدار منزله التقطت له خلال إحدى معارك التصدّي لهجوم المستوطنين وجنود الاحتلال على القرية. تُظهر الصورة ناصر ملقى على الأرض، بينما يعتدي عليه جنديان إسرائيليان بالضرب بأعقاب البنادق والعصيّ. تختزل الصورة واقع الصراع الذي يضطر سكّان القرية إلى خوضه يومياً مع الاحتلال ومستوطنيه: «كنت أدافع عن أرضي المزروعة بالقمح، التي حاول المستوطنون بحماية الجيش حرقها. تعرّضت للضرب، واعتقلت، وسجنت لمدة يومين، وخرجت بكفالة مالية 1000 شيكل (ما يعادل 250 دولارا)»، يقول ناصر.
صورة ناصر هي واحدة من عشرات الصورة المعلقة على الجدران في ما يشبه المعرض. والفكرة بدأت بمبادرةٍ من السكّان وبمساعدةٍ متطوعين أجانب لتوثيق اعتداءات الاحتلال والمستوطنين على القرية وسكانها، ونقل تلك المعاناة إلى العالم عبر الوفود الأجنبية التي تزور القرية للتضامن معها.
جمع صور المعرض الكثيرة شباب اللجان الشعبيّة المدافعة عن الأراضي التي يهدّدها الاستيطان. من بين تلك الصور، تحضر واحدةٌ لمتضامنٍ أجنبي ينزف بعد اعتداء المستوطنين عليه، وأخرى لاشتباكات بالأيدي بين الأهالي والمستوطنين. وكذلك، تحضر صورٌ لحبوبٍ مسمومة وضعها المستوطنون لقتل الأغنام في القرية، وقد أدّت فعلياً إلى نفوق الكثير منها: «الحقيقة لا تخبّئ نفسها. بدأنا بتوثيق روايتنا الشفوية بالصور. فالصورة تساوي ألف كلمة، كما يقولون»، يشرح ناصر.
نجح أعضاء اللجان الشعبية في استقطاب متطوعين أجانب من كافة أنحاء العالم إلى قرية التوانة. وساهم وجود المتضامنين في توصيل صوت السكّان وما يعانونه إلى العالم من خلال الصور والتقارير التي يرسلونها إلى الجمعيات الحقوقية العالمية. وقد بدأت هذه الأخيرة بدورها بإرسال متطوعين للإقامة في مناطق الصراع في الضفة الغربية منذ أواخر عام 2003، ومنها قرية التوانة والخرب المجاورة.
قصّة القرية
تقع قرية التوانة في المناطق المصنّفة C في الضفّة (تخضع للسيطرة الإسرائيليّة) على مسافة 10 كلم إلى شرق مدينة يطا وقرابة 22 كلم إلى جنوب مدينة الخليل. يعيش فيها نحو 320 نسمة، فيها 40 منزلا وعيادة طبّية واحدة ومجلسٌ بلديّ. تبلغ مساحة أراضيها 1500 دونم، لكن اسرائيل قلّصت تلك المساحة في عام 2010 إلى 174 دونما فقط، بعد مصادرة البقية لمصلحة المستوطنات. تحيط بالقرية مستوطنتا ماعون وخفات ماعون.
تعتبر قرية التوانة شريان حياة لقرابة 30 خربة مجاورة. يقطن سكّان تلك الخرب في كهوفٍ وبيوتٍ من الطين، ولا يسمح لهم بالبناء. يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي. في بداية ثمانينيات القرن الماضي، بدأت إسرائيل مشروع استيطانٍ في المنطقة. وأطلقت حملةً شرسةً لطرد السكّان والاستيلاء على أراضيهم. ازدادت حدّة الاعتداءات مع بداية الانتفاضة الأولى في عام 1987، وازداد توغّل الاستيطان واعتداءات المستوطنين للسيطرة على باقي أراضي تلك الخرب التي تقدر مساحتها بـ 100 ألف دونم.
معرضان، ناشطون، ونساء
يساعد المتطوعون السكّان في مواجهة المستوطنين. وخارج أوقات المواجهة، يساعدونهم في رعي الأغنام وجني المحاصيل. من بين هؤلاء، تحضر الإيطالية مريم، وهي تقيم في القرية برفقة ثلاثة آخرين منذ أشهرٍ قليلة. تتحدث مريم العربيّة، وتشارك الأهالي حياتهم كما يفعل رفاقها. يرافقونهم في حلّهم وترحالهم، تحسباً لهجمات المستوطنين.
تعمل مريم مع مؤسسة operation» dove» الإيطالية، التي ترسل المتضامنين من إيطاليا بشكلٍ متواصل. يمكث هؤلاء هنا عدة أشهر، من ثم يذهبون، ويأتي غيرهم.
تقول مريم: «نحن نضطلع بأوضاع الناس، ونساعدهم في صراعهم اليوميّ. نرصد اعتداءات الجنود والمستوطنين، ونرسل صوراً، ونكتب تقارير للمؤسسة الحقوقية التي نعمل بها». أما الناشط في اللجان الشعبية محمود عطية فيشرح أن وجود النشطاء يخفّف من حدّة هجمات المستوطنين، ويساعد في لفت الأنظار إلى هذه الخرب التي تعاني مرارة الاحتلال: «تكاد تكون التوانة مشهورة في العالم أكثر من فلسطين نفسها! تعاقب النشطاء ساهم في نقل معاناتنا، لأنهم يشاركوننا مرارة العيش هنا».
وليس بعيداً من معرض الصور، أقام النشطاء متحفاً آخر يحوي منتجات نساء القرية والتجمّعات المجاورة، وهي عبارة عن ثياب فلسطينية مطرزة على القماش، وقلائد وسلاسل من القماش، وأواني فخّارية، وأخرى من القش. «ما نصنعه هو إرثنا وإرث أهالينا الذين عاشوا على هذه الأرض من آلاف السنين»، تقول السيدة أم سالم المشرفة على متحف الحرف اليدوية، بينما تجلس إلى كرسيّ خشبيّ أمام طاولةٍ مغطاة بمنتجات حاكتها بنفسها. وتكمل بينما تعرض إحدى مطرزاتها: «أنشأت المتحف سنة 2003، للحفاظ على وجودنا وتراثنا ونقله من جيل إلى جيل». يعتبر المتحف التراثيّ الذي تعمل فيه قرابة 36 امرأة من سكّان القرية والتجمّعات المجاورة، مصدر رزقٍ لهؤلاء النسوة يؤمنّه من خلال بيع منتجاتهن للسياح الذين يزورون القرية في فصل الصيف. تشرح أم سالم: «فكرتنا هدفها مقاومة الاحتلال وتعزيز صمودنا. نعتمد على أنفسنا في ما ننتجه ولا نتلقى أيّ دعم، ونطمح إلى توسيع العمل وتطويره».
هنا، تظهر مساحةٌ شاسعة من الأراضي تحاصرها مستوطنات بني حيفر، كرمئيل، ماعون، آفي غال، سوسية، بتير، نوفنشير، مسبيه يئير، جفعات ماعون. تضمّ تلك الأراضي ما يتفق أهالي التوانة على تسميتها «منطقة الشفا»، وهي خرب: أم الخير، سدة الثعلة، الطوبى، مغايير العبيد، خلة الضبع، المفقرة، الركيز، شعب البطم، منيزل، واد الرخيم، وبئر العد. بينما تضم «منطقة المسافر» المجاورة خرب: جنبا، المركز، الحلاوة، الفخيت، التبان، والتجمّعات البدويّة. يعاني سكّان تلك المناطق من انعدام الأمن الغذائي، ويعتمدون على تربية الماشية وزراعة الحبوب كمصدرٍ رئيسيّ للدخل. لكن، لا تستطيع العديد من العائلات إطعام ماشياتها نظراً لتقييد وصولهم إلى مناطق الرعي التي ينافسهم عليها المستوطنون والذين صاروا يربون الأغنام أيضاً. لا يسمح الاحتلال الإسرائيليّ للسكان بالبناء هنا. لذا، تعيش العائلات إما في بيوت من الصفيح أو في كهوفٍ صخرية. لا تتصل تلك المناطق بشبكة مياه، بل يعتمد السكّان على مياه الآبار فقط. يقول حافظ بلل، وهو منسّق اللجان الشعبية لمناهضة الاستيطان: «يبني بعض الأهالي غرفة أو غرفتين من الباطون لكن يهدمها الاحتلال لاحقاً. هناك بيوت جرى إخطار أصحابها مؤخراً بأن هدمها سيتم قريباً».
على الرغم من الوعود المتكررة للسلطة الفلسطينية بالوقوف إلى جانب السكّان وتعزيز صمودهم على الأرض، لم يتم إلى الآن تقديم أيّ نوعٍ من الدعم الفعليّ لهم. بحسب بلبل، «غياب هذا الدعم قد يؤدي إلى تهجير السكّان واجبارهم على ترك أراضيهم للاحتلال ومستوطنيه».
الناشطون الدوليون يدعمون الصمود، لكن للفلسطينيين سلطة يجب عليها أن تثبت ولو بعض الوجود، هنا وهناك، ليبقوا.