| 

ظهر عنصرٌ جديد في الخطاب الديبلوماسيّ الفلسطينيّ مؤخراً، تمثّل بمطالبة الرئيس محمود عباس بريطانيا بالاعتذار عن قطعها وعد بلفور لـ «المنظمة الصهيونية» كما بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. وقد طالب بذلك خلال كلمته في الأمم المتحدة يوم 22 أيلول/ سبتمبر 2016.
وانسحب هذا الخطاب على مطالبة وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي لنظيره البريطاني بوريس جونسون، بتحمّل بلاده المسؤولية التاريخية والسياسية والأخلاقية عن هذا الوعد، من خلال الاعتذار لشعب فلسطين والاعتراف بدولتهم. وأكّد المالكي في تصريحات لـ «تلفزيون فلسطين» أن بعثة فلسطين في لندن ستطلق خطواتٍ فعلية على الأرض مع بداية العام المقبل عبر فعاليات المجتمع المدني والأحزاب للتذكير بوعد بلفور ونتائجه السلبية، إن لم تجد تجاوباً رسمياً مع طلب الاعتذار.
وعد بلفور
في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، حلّت كارثة على الشعب الفلسطينيّ، على هيئة رسالةٍ لا تتعدّى 117 كلمة أرسلها وزير الخارجية البريطانيّ آرثر جيمس بلفور إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد، يعده في متنها بإقامة وطنٍ قوميّ لليهود في فلسطين. يقول الوعد: «حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطنٍ قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تمتاز بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يمتاز به اليهود في البلدان الأخرى».
خلفيات الوعد تعود إلى المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد برئاسة ثيودور هرتزل في بازل السويسرية في عام 1897. فيه، تمّ الإتفاق على «إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام». ومنذ ذلك الوقت، بدأ العمل فعلياً على المشروع من خلال تشكيل «المنظمة الصهيونية» برئاسة هرتزل، و «الوكالة اليهودية» التي كانت مهمتها تنفيذ سياسة «المنظّمة» وجمع الأموال وشراء الأراضي وإرسال المهاجرين إلى فلسطين.
استمر العمل على تعزيز الفكرة وجعلها واقعية لسنواتٍ، حتى جاءت اتفاقية سايكس ـ بيكو في عام 1916، التي تمّ بموجبها تقسيم الدول العربية على الاستعمارات الغربيّة. في هذه الأثناء، كثّفت «المنظمة الصهيونية» عملها لإقناع بريطانيا بأن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمن حماية مصالحها وتنفيذ مخططاتها في المنطقة الشرق ـ أوسطية. ومع اختلاف موازين القوى في العديد من الدول وتفكك الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، أصدرت بريطانيا الوعد. في عام 1947، تعزّز هذا الوعد بقرار التقسيم (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. على إثره، تمّ إنشاء إسرائيل وتهجير الفلسطينيين من بلادهم.
هل ستعتذر بريطانيا؟
ترى المحلّلة السياسية في «جامعة القدس» آمنة بدران، أن الحصول على اعتذار يتطلب، على الأقل، أن تكون فلسطين في موقع قوة على الأرض: «لا توجد لدينا القوة الفعلية التي تزعج أو تضغط على الحكومة البريطانية لتقدّم اعتذارها».
ولفتت إلى مشكلة عدم تضافر الجهود الديبلوماسية مع النضالية في هذه المرحلة: «القيادة الفلسطينية تكرّس جهدها على الجانب الديبلوماسيّ وليس على الجانب النضالي، وهو ما يعوق تغيّر موازين القوى على الأرض»، مشيرةً إلى صعوبة الاعتذار في هذه المرحلة لأن «قوتك الداخلية تنعكس على قوتك الخارجية».
كذلك عادت المحللة السياسية إلى عام 1994 حين وقّع اتفاق أوسلو الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي، معتبرة أن الاتفاق «أضعف من موقفنا في مسألة الاعتذار، إذ ساهمنا في تكريس وعد بلفور وقرار التقسيم من خلال التوقيع على اتفاق مجتزأ من دون دولة فلسطينية كاملة. بذلك، سمحنا بوجود شرعية للمستعمر على أرضنا، وهو ما يتماشى مع الوعد المشؤوم».
بدوره، رأى خبير القانون الدولي والإنساني حنا عيسى أن بريطانيا ارتكبت أربعة أنواع من الجرائم في تشريدها الشعب واستبداله باليهود، هي: «الحرب، والعدوان والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية». واستبعد عيسى أن تعتذر بريطانيا «لأنها دولة استعمارية عدوانية بالأصل». لذا، لا يستهجن عدم اعتراف بريطانيا بفلسطين على الرغم من مرور 99 عاماً على الوعد.
ورأى أنه يصعب الضغط على بريطانيا للاعتذار أو مطالبتها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، «خاصة أنها عضو في مجلس الأمن وتقف معها دول كبرى كالولايات المتحدة الأميركية كما أن العديد من الدول تشعر بأن قضية وعد بلفور قد انتهت بالتقادم، رغم أن الجرائم لا تسقط مع الزمن. لكن هذه المعادلة لا تسري مع الدول العظمى».
وعن إمكانية التوجّه إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبتها، أكد الخبير القانوني أن «ذلك يتطلب قراراً من مجلس الأمن، وبريطانيا عضو فيه، وتستطيع استخدام حق النقض «الفيتو» لمنع القرار»، إذ إن «الجنائية» لا تستطيع التحقيق في جرائم وعد بلفور «إلا بقرار من مجلس الأمن»، لأنها حصلت قبل إنشاء المحكمة في عام 2002. وبالتالي، ستستخدم بريطانيا «الفيتو» لصدّه: «أنت غير قادر على محاكمتها في أيّ جهةٍ كانت».
أهمية الاعتذار لفلسطين
تعلم فلسطين الرسمية جيداً، في هذه المرحلة، أنه ليس من السهل الحصول على اعتذار، ولو رمزيّ، من بريطانيا. فالاعتذار يعني اعتراف المملكة المتحدة بأن إسرائيل دولة احتلال، وجودها على أرض فلسطين غير شرعيّ. ويشرح أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بيرزيت سمير عوض أن مطلب الاعتذار «يضع بريطانيا في موقع الاتهام لأنها لم تلقِ بالاً لحقوق الفلسطينيين حين أصدرت وعد بلفور، وسيبرز تالياً صراعٌ على الحقوق في المحافل الدولية. كذلك، ستترتب على المملكة المتحدة خطوات لاحقة تدعم فيها قضيتنا على المستوى الدولي والقانوني، كالاعتراف بالدولة الفلسطينية والاعتراف بحقوق اللاجئين، وسيتوجب عليها سحب استثماراتها من إسرائيل».
لذلك، يرى خبراء أنه كان من المفترض بفلسطين أن تطالب بريطانيا بالاعتذار بشكلٍ دوليّ منذ سنوات طوال، ولو أنهم يجدون أن الوقت لم يفت رغم ما تعانيه القضية الفلسطينية من إهمال مرحلي واضح وضعف داخلي جراء الانقسام. وفي ظل تلك المعطيات وميل ميزان القوى للدول الكبرى، أجمع خبراء كثر على أن واحداً من أفضل الحلول راهناً يقضي بمخاطبة الشعب البريطاني ليضغط على الحكومة من أجل اتخاذ موقف لمصلحة فلسطين. ورأى عوض أنه «بالإمكان الاستفادة من تجربة حركة المقاطعة الإسرائيلية (بي دي اس) للضغط على بريطانيا»، مشيراً إلى أن «تحقيق الانتصار يحتاج إلى وقت لكن بالإمكان قياس مدى نجاحه من ردود الفعل البريطانية».
كذلك، اعتبرت بدران أن «استراتيجية النضال المبنية على دعم الشعوب للوصول إلى تأييد المجتمع الدولي تعد خطة ناجحة في ظل المعطيات الفلسطينية»، مؤكدة ضرورة «تقوية الجبهة الداخلية على كافة الأصعدة ولأي غرض».