| 

«ما سأقوله لا أقصد أن يصدمكم بل أن يؤثّر فيكم»، بهذه الجملة استهل مدير «مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة ـ بتسيلم» حجاي إلعاد، خطابه على منبر مجلس الأمن في الأمم المتحدة، والذي عقد خاصة لمناقشة مسألة الاستيطان. وقد اختار حجاي «التأثير» بدلاً من الصدم لأنه يعلم جيداً أن حقائق الاستيلاء على الأراضي وتداعياتها موجودة منذ 49 عاماً، لكن أحداً لم يتحرّك جدّيا لوضع حدّ له.
أتى الخطاب الذي ألقي بتاريخ 14 تشرين الأول الماضي في اجتماع غير رسميّ لمجلس الأمن، مدوياً جداً، ليس لأنه فصّل الواقع فحسب، بل أيضاً لأنه أبرز الآلية القانونية التي يعتمدها الاحتلال للتهرّب من تجاوزاته وجرائمه. كما أن الخطاب «وبّخ» العالم لاستمرار هذه الانتهاكات في ظل معرفته بها. ويبقى السبب الأبرز في الصدى الذي لاقاه الخطاب وهو صدوره عن شخصٍ إسرائيليّ يعيش داخل إسرائيل منذ سنواتٍ طويلة، ويعمل في أكثر المراكز الحقوقية امتلاكاً للمصداقية في المحافل الدولية ووسائل الإعلام المحلية والعالمية.
منظمة «بتسليم»،
وسعيٌ لصدّها بـ «المواطَنة»
تأسست منظمة «بتسيلم» في العام 1989 بهدف توثيق كل الانتهاكات وإصدار التقارير ونشرها. وحتى عامين من حاضرنا، كانت المنظمة تؤدي دوراً آخر يتمثّل برفع الشكاوى لسلطات الاحتلال تطالبها فيها بفتح تحقيق ضد انتهاكاتها بحقّ الفلسطينيين. لكنها توقفت عن ذلك بعدما تأكدت بالتجربة أن المحاكم الإسرائيلية لا تنصف الفلسطينيين، وبعد ملاحظتها أن تل أبيب تستخدم «بتسيلم» لتُظهر للعالم أن عملها يخضع لجهاز محاكمة ورقابة مدنيّ وذو مصداقية. يتطهّر الاحتلال، عبر «بتسليم».
أمام هذا الواقع، اختار إلعاد التوجّه إلى العالم برسالته القوية على الرغم من معرفته أن منظمته ستدفع الثمن، وستواجه المزيد من التضييق. إذ شرح المحلل السياسي برهوم جرايسي ان خطاب حجاي «غير مسبوق على مستوى العقلية الإسرائيلية، لا سيما أن صاحبه ناشطٌ يهوديّ يمثّل منظمةً كبيرة من مستوى بتسيلم».
ورأى أن ما فعله العاد يدلّ على جرأة كبيرة منه، لسببين: «علمه أنه سيكون مستهدفاً من قبل اليمين الإسرائيلي الحاكم، ومعرفته الجيّدة بالشارع الإسرائيلي، إذ إن حياته باتت معرضة للخطر في أي لحظة».
على المستوى القانوني، تفاعل اليمين مع الخطاب عبر شنّ هجمة على صاحبه. فقد أعلن رئيس «الائتلاف الحكوميّ» النائب عن «حزب الليكود» دافيد بيطون، عزمه تقديم مشروع قانون يمنع بموجبه كلّ من يحمل المواطَنة الإسرائيلية من الدعوة لفرض عقوبات على إسرائيل، في الهيئات والمؤسسات الدولية. ويستهدف مشروع القانون أساسا إلعاد، كما يستهدف ناشطي BDS والمواطنين العرب في الأراضي المحتلة سنة 1948 والقدس ممن يدعون لمقاطعة إسرائيل دوليًا.
خطابٌ استثنائيّ
تحدّث إلعاد باللغة الإنكليزية، وبكلماتٍ واثقةٍ وبهدوء، حمّل المجتمع الدولي مسؤولية التعامل مع الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين، إذ يبدو أنه بات على يقين من أن الاحتلال لن يوقف الاستيطان إلا بقرارٍ دوليّ رادع: «أصبح النظام المسمّى الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين جزءاً من النظام الدولي. أيّ فعلٍ لا يرقى إلى مستوى خطوة دولية حاسمة لن يكون سوى استهلال للنصف الثاني من القرن الأول للاحتلال».
ركز مدير «بتسيلم» في عرضه على أن الفلسطينيين يتنشقون احتلالاً: «أنتم ترون فقط لمحة من جوانب الاحتلال عندما تندلع أعمال عنف. لكن، ماذا عن الـ 17898 يوماً الأخرى؟». وضرب مثلاً نظام التصاريح غير المنتهي الذي يحكم حياة الفلسطينيين في العمل والحركة وتكوين الأسرة، الخ.
وأوضح أن الدولة، في المقابل، تمنح المستوطنين امتيازات للعيش على أراضي الفلسطينيين وفوق دمار بيوتهم بشكلٍ غير شرعيّ. وهنا، علّق إلعاد بالقول: «المستوطنون هم مواطنون إسرائيليون يعيشون، ظاهريًا، في ظلّ ديموقراطية «العالم الأوّل»، وهو عالم موجود بشكلٍ ما فقط من أجلهم، خارج حدود بلادهم».
حاول إلعاد أن يشرح للعالم معنى الاستيطان وخطورته عله يتحرك: «المستوطنات تعني نقاط تفتيش للفلسطينيين، وطرقا التفافية للمستوطنين. هي تعني الجدار الفاصل. تعني تفتيت فلسطين إلى مئات المجمعات المعزولة، العائمة، وربما علي أن أقول، الآخذة في الغرق ببطء في حبر من الهيمنة الإسرائيلية». وتابع: «رغم الاتفاق الدوليّ الواسع النطاق حول عدم قانونيّة المستوطنات، بما في ذلك قرارات صدرت عن مجلس الأمن، فإنّ التغيير الملموس الوحيد في هذا المجال هو الارتفاع في عدد المستوطنات والمستوطنين، كما في عدد الفلسطينيين الذين يواجهون عمليات الهدم والطّرد».
كما توقّف مدير «بتسيلم» عند حقيقة أن إسرائيل تهمّش القانون وتتحايل عليه لضمان الإفلات من العقاب في ما يخص كل جرائمها بحق الفلسطينيين: «ما ان يتم الحقوقيون العسكريون والنيابة العامة ومحكمة العدل العليا تدبيج الآراء القانونية البارعة، لا يبقى سوى الظلم الفجّ».
وعن احترافيتها في الهروب من المحاسبة وتحويل نظر العالم عن حقيقة الاحتلال، استدعى إلعاد واقع المحاكم الصورية: «لا تنجح الإجراءات العسكرية دائما بنسبة 100 في المئة، وإلا لأصبحت الأمور مكشوفة جداً. لهذا، مرة كل فترة طويلة، قد يحاكم جندي برتبة متدنية محاكمة صورية». لذا، طالب مدير «بتسيلم» العالم بأن ينعتوا الاحتلال بوصفه الحقيقي: «غطاءٌ قانونيّ لعنف الدولة المنظّم».
مؤشرات نجاح الخطاب
فور انتهاء خطاب إلعاد، حاولت إسرائيل تسخيره لمصلحتها عبر تشديد الضوء على «سماحها» للجمعيات الحقوقية برفع الخطاب التي تريده، ما يثبت ديموقراطية الدولة العبرية، لافتةً إلى أن ما تمنع نشره هو فقط «الأكاذيب». غير أن مدير البحث الميداني في «بتسيلم» كريم جبران رأى أن الخطاب حقّق غرضه، رغم محاولات الدولة تسخيره في مصلحتها. ويقيس جبران النجاح عبر التأييد الدولي الذي حصلته «بتسيلم» التي تتمتع بثقة العالم، كما بيان الخارجية الأميركية الذي استنكر الحملة الإسرائيلية ضد إلعاد.
وأضاف جبران: «في الأيام الاولى بعد حديث العاد في مجلس الأمن، ارتفعت فجأة التبرعات الفردية لمركز «بتسيلم» وتضاعفت بنسبة عشرة أضعاف»، مفسراً ذلك بوجود تأييد داخل المجتمع الإسرائيلي لخطاب مدير «بتسيلم». وقال إن النتائج كانت مثمرة ومشجعة جداً، وسيستمر المركز في عمله رغم التضييق الجاري عليه: «كلما زادت الحملة ضدنا، كلما ارتفع صوتنا».
انتهى خطاب إلعاد غير المسبوق، وفيه تمّ تذكير العالم بالاحتلال الواقع على فلسطين منذ أكثر من نصف قرن. وكذلك، وضّح آليات احتيال إسرائيل على القانون الدولي للافلات من العقاب، ومدى جهوزية هذا المجتمع للتفاعل إيجاباً مع هذا الاحتلال. لذا، «من الواضح أن الاحتلال قابل للاستمرار، من وجهة النظر الدولية».