| 

ردّ الكاتب سليمان أبو ارشيد في موقع «عرب 48» على مقالة رائف زريق المنشور في صفحة فلسطين في «السفير» حول الطبيعة والتطبيع. ينشر زريق تعقيبه على الردّ. نصّ التعقيب يتيح للمعنيين بالشأن الفلسطينيّ، وتحديداً الداخل المحتلّ منذ 1948، أن يطّلعوا على نقاش التطبيع من داخل الأرض المحتلة، وبالعلاقة مع دولة إسرائيل كواقعٍ حاكم.
في مقالته على موقع «عرب 48»، ادّعى أبو أرشيد ثلاثة ادعاءات رئيسيّة: الأول أنه ليس صحيحاً أن دولة المواطنين التي طرحها «التجمّع الوطنيّ الديموقراطيّ» ما هي إلا تطوير لمشروع المواطنة والمساواة الذي طرحه «الحزب الشيوعي». الادعاء الثاني أفاد بأن مشروع دولة المواطنين هو مشروع اعتراضيّ. والثالث اعتبر أن «التجمّع» سعى للتواصل مع العالم العربيّ، خاصةً الدول المعادية لإسرائيل، كجزءٍ من حركة التحرّر العربية.
معرفتي بأبو أرشيد قديمة جداً وتعود إلى أيام الدراسة الجامعية في الجامعة العبريّة في القدس، حين كان نشيطاً في «حركة أبناء البلد» بينما كنت نشيطاً في «جبهة الطلاب العرب» المقربة جداً من الحزب الشيوعيّ. تعلّمت الكثير من نقاشاتي مع «أبناء البلد» في تلك الفترة، وما كنت أعتقد أن أصل إلى حيث وصلت اليوم من قناعاتٍ فكرية من دون تأثير «حركة أبناء البلد» على فهمي للصراع وعمقه.
«أبناء البلد» و «التجمّع» في ظلّ أوسلو
للذين لا يعرفون، فإن «حركة أبناء البلد» نمت في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات. وباستمرارية مع «حركة الأرض» قبلها، تميّزت بفهمها الصراعات السياسيّة عامةً، والصراع الفلسطيني مع الصهيونية خاصةً، بصفتها غير قابلة للاختزال بصراع مواقف ومبادئ: يسارية مقابل يمينية، تقدمية مقابل رجعية. الصراع هو كذلك، لكنه ليس فقط ذلك. هناك مواقع في الصراع، وليس فقط مواقف. والفلسطينيّ، قبل أن يكون له أيّ موقفٍ اختياريّ، لديه موقعٌ لم يتمّ اختياره من قبله: موقع مَنْ وَقَعَ تحت وطأة مشروعٍ استيطانيّ استهدف أرضه ووطنه. المواقف هامة، لكنها لا تلغي المواقع. وعلى الفلسطيني في الداخل أن يصوغ مشروعاً ينطلق من هذا الموقع ومن هذه الحقيقة. وقبل أن نكون جزءاً من أيّ يسارٍ إسرائيليّ يساند الحق الفلسطينيّ، نحن جزءٌ من كلّ فلسطينية شاملة تجمع الشعب الفلسطيني برمّته. هذا منطقٌ سياسيّ يضع الهوية في المركز، وينطلق من فهمٍ عميقٍ لجوهر الصراع باعتباره صراعاً مع مشروعٍ جوهره الاستيطان (عقودٌ عديدة قبل عودة التوجه نحو منظومة الفكر الاستيطاني لتحتل مركز الصدارة في الأبحاث التي تعتني بالصراع). نشأ «التجمّع الوطنيّ الديموقراطيّ» في منتصف التسعينيات، وتشكّل من مجموعة «ميثاق المساواة» التي كانت بغالبيتها ناشطين في «الحزب الشيوعيّ»، «أبناء البلد»، و «الحركة التقدميّة». من المتعذر فهم نشوء «التجمّع» من دون فهم أهمية الدور الذي أدّته «أبناء البلد» بين ناشطي «الحزب الشيوعي» في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
إلا أن هذه تبقى نصف الحقيقة. فالتأثير كان متبادلاً، والبرنامج السياسيّ الذي انبثق عن هذا التأثير المتبادل عَكَسَه أيضاً. الفكر السياسيّ المدنيّ وأهمية المواطنة في الصراع من الداخل، كانا جزءاً من الأفكار التي تأثّرت بها «حركة أبناء البلد». إلا أن ما هو أهم من التأثير الفكريّ هو الواقع السياسيّ الماديّ الذي خلقه «اتفاق أوسلو» والسلطة الفلسطينية. بمعنى معيّن، هزم «أوسلو» منطق «أبناء البلد»، وجزّأ الشعب الفلسطينيّ من حيث المشروع المستقبليّ.
لقد انطلق برنامج «التجمّع» من حقيقة «أوسلو» ومن اعتباره واقعاً. عارض «التجمّع» طروحات «أوسلو» لكنه قام في إطار «أوسلو». عارضه من داخل المشروع، لا من خارجه. ومن المتعذّر تصوّر قيام «التجمّع» من دون إطار «أوسلو» وفرضياته الأساسية.
إن مشروع دولة المواطنين الذي يأخذ المواطنة على محمل الجدّ، يطالب دولة إسرائيل بأن تلتزم بمشروع المواطنة، وقائده يرشّح نفسه لرئاسة الحكومة لا يمكن أن يكون مشروعًا اعتراضيًّا فقط. لم يكن هذا المشروع ممكناً، بهذه الجدية وبهذا الزخم، لولا وجود «أوسلو» الذي يفترض وجود حدود بين إسرائيل ودولة فلسطين العتيدة، وأن مصير الفلسطينيين السياسيّ في الداخل غير مرتبط حتى النهاية بمصير «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومشروع الدولة الفلسطينيّة. «أوسلو» ترك فلسطينيي الداخل ليتدبروا أمرهم وحدهم. إنّ مشروع «التجمّع»، ومشروع دولة المواطنين و «الأوتونوميا» الثّقافيّة، تنطلق من فرضية وجود الحدود، ويقترح مشروعاً للنضال قائمًا على فرضية وجود حلّ الدولتين، ويرى أن الفضاء الإسرائيلي هو ساحة الصراع.
صحيح تماماً أن طرح «التجمّع» تحدّى جوهر الدولة بشكلٍ يختلف عن مقاربة «الحزب الشيوعيّ» لمشروع المواطنة، وقد تحدّى طابعها اليهوديّ. لقد عارض «الحزب الشيوعي» الصهيونية، لكنه ركز في معارضته على الطابع الإمبرياليّ للصهيونية ودورها الكونيّ المعادي للمشروع الاشتراكي وموالاتها للإمبريالية الأميركية. لكنه لم يركز على طابعها الاستيطاني والذي يشكّل جوهرها عندما يدور الحديث عن الصراع مع الشعب الفلسطينيّ. هذا كله صحيح. لكنه لا يعني أن مشروع «التجمّع» ليس تطويراً لمشروع «الحزب الشيوعي» واستمراراً له في آن. راهن الحزب الشّيوعي على مشروع المواطنة والنضال من داخل الدولة، وتوسيع هذا الحيز. «التجمّع» أيضاً راهن على ذلك، وإن بتحدٍّ سقفه أعلى يتحدى جوهر الدولة. إلا أنه في نهاية الأمر يرتكز أيضاً على المواطنة، بعدما أعاد تعريفها وشحنها بمضامين راديكالية. لم يكن من الممكن لمشروع دولة المواطنين أن يولد ويكون كمشروعٍ اعتراضيّ فقط كما وصفه أبو ارشيد. إن دولة المواطنين هي الأساس أيضاً لمطلب الحكم الذاتيّ الثقافيّ، والثقة بمشروع المواطنة كانت الإطار الذي مكّن رفع الشعار باعتباره ليس شعاراً انفصالياً وإنما يندرج ضمن المواطنة الإسرائيليّة. كان دور مشروع الأوتونوميا الثّقافيّة أن يحميَ الهويّة الفلسطينيّة في الدّاخل من أسرلة مشوّهة.
لقد بادر «التجمّع» في التسعينيات إلى مشاريع قوانين تضمن التمثيل اللائق للمواطنين الفلسطينيين، والتفضيل الإيجابي في مؤسسات الدولة. لا يستوي ذلك مع الحديث عن مشروع دولة المواطنين كمشروع اعتراضيّ. وفكرة المشروع الاعتراضي فكرة خطيرة جداً في السياسة، لأنها تعني أن من طرحها غير راغب في تحقّقها. في كل مرة تنجح الفكرة، يعتبر ذلك فشلاً للفكرة. وفي كلّ مرة تفشل، يعتبر ذلك نجاحاً لها. هذه حالة نجاحها مضمون، وكذلك فشلها. وهي تعذيبٌ للنفس وضربٌ من العصاب الجمعيّ الذي يشكّل فيه التقدّم سبباً للغمّ، والفشل سبباً للانتشاء. فهل من الممكن قيادة شعبٍ كامل بناءً على مشروع اعتراضي؟
العلاقة مع العالم العربيّ
باعتقادي، عندما قرّر أبو ارشيد أن يقرأ في مواقف «التجمّع»، تراه قرأ فيها مواقف «أبناء البلد»، والحال ليس واحدة. أبو ارشيد يريد أن يقنعنا بأن «التجمّع» هو استمرارٌ لفكر «أبناء البلد» وممارساتها. لكن الحقيقة هي غير ذلك. رغبة أبو ارشيد بأن يكون متناسقاً مع تاريخه السياسيّ مفهومة، لكن الوقائع لا تدعم ذلك للأسف. والمقاربة المغلوطة ذاتها انسحبت في منطق أبو أرشيد على موضوع التواصل مع العالم العربي، وقد بدأ منذ منتصف التسعينيّات واستمر حوالي 10 سنوات. تاريخياً، جاءت الزيارات الشعبية إلى سوريا أساسا في فترة انفراجٍ نسبيّ في المنطقة، وضمن محاولة بدت حينها جادّة للتوصّل إلى اتفاقٍ مع سوريا. وجميعنا يعلم أن المحادثات خطت خطواتٍ في هذا الاتجاه. صحيح طبعاً أن زيارات الأقارب في سوريا حملت دلالاتٍ عاطفيّة ووجدانيّة وقوميّة. لكنها أتت في سياق السعي للتوصل إلى اتفاق. لم ترغب سوريا الرسمية بالحديث مباشرةً مع إسرائيل، فكنا السطر الأول في المحادثة. أسرد هذه التفاصيل ليس كاتهامٍ لأحد بل من باب التواضع في رؤية الدور الممكن لنا أداؤه. هذا هو الدور، وما كان من الممكن القيام بدورٍ يتجاوزه (وإن كنت حينها وكذلك الآن متحفظاً جداً حتى على هذا الدور).
إن محاولة رسم «التجمّع» - كما فعل أبو ارشيد - كحزبٍ لا ينوي التطبيع مع إسرائيل من الداخل (لجهة القول بأن دولة المواطنين كانت مجرد مشروع اعتراضيّ، نرجو عدم أخذه محمل الجدّ)، وتصوير مشروعه كمشروع يطبّع مع الدول العربية المعادية لإسرائيل، ويعادي الدول التي تطبّع مع إسرائيل، هو توصيفٌ خاطئ كتوصيف تاريخيّ وكموقف سياسيّ.
لقد تواصل الفلسطينيون مع فضائهم الفلسطينيّ والعربيّ قبل أن يزوروا أيّ قطرٍ عربيّ: تشارك المشروع والهمّ والهدف لا يعني بالضرورة العمل المشترك. حفر النفق قد يحتاج فريقين من العمّال يحفران في اللحظة ذاتها في اتجاهاتٍ متعاكسة، فيتراكم جهدهما. أجد أن أفضل أيام تواصلنا حلّ لمّا أحيينا «يوم الأرض» ولمّا لم نمشِ في جنازة بيريز. هذا كان مشروع «التجمع» عند تأسيسه، وكان قد افترض حينها أن الحلّ وشيكٌ. الحلّ ليس وشيكاً، والحكمة السياسيّة تفترض تطوير مشروع جديد.