| 

تشير دراسة جديدة إلى أنّ معدل إنفاق الأسرة الفلسطينية على السجائر يصل إلى نحو 44 دولاراً شهرياً، ما يعادل نسبة 5 في المئة من إجمالي الدخل، وهي نسبةٌ تفوق الإنفاق على التعليم، الرعاية الشخصية، أو النشاطات الترفيهية. وأشارت الدراسة إلى أنّ إيرادات الحكومة الفلسطينية من التدخين تقارب 1.5 مليار شيكل سنوياً.
خلال السنوات الأخيرة، سُجّلت زيادة ملحوظة في زراعة الدخان في محافظة جنين. وكانت زراعة التبغ قد أصبحت من الزراعات الرائدة في جنين، بسبب طبيعة الأرض وقلة المصادر المائية وضعف القدرة التنافسية للخضار التي تزرع في أراضيها مقارنة بتلك الوافدة من أسواق الاحتلال.
يذكر أن نسبة المدخنين في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة) تبلغ 43.2 في المئة من مجموع السكان.
توسّع مساحات التبغ ينهك الأرض
وصلت مساحة الأراضي المزروعة بالتبغ في جنين عام 2012 إلى 7000 دونم، بينما وصلت في عام 2013 الى 19000 دونم. وتشير إحصاءات مديرية زراعة جنين إلى أن هناك 4800 دونم زرعت هذا العام تبغاً، ومن المتوقع أن ينتج الدونم الواحد 85 كيلوغراماً من التبغ الجافّ. يشرح رئيس الدائرة الفنية في مديرية زراعة جنين المهندس مصطفى عمارنة أن مساحة الأراضي المزروعة بالتبغ تأتي على حساب محاصيل البستنة وتلك الحقلية، ما ألقى بظلاله على كامل القطاع الزراعي في المنطقة، علماً أن باقي المحافظات سجّلت هي الأخرى ارتفاعاً في المساحات المزروعة بالتبغ. ودعا عمارنة إلى سنّ القوانين التي تنظّم عمل زراعة التبغ، ومعالجة الأرض التي باتت ضحية لزراعته، إذ فقدت عناصر أساسية مهمة مثل المنغنيز والمغنزيوم والنحاس والحديد. وتكون المحافظة عليها عبر إعادة إضافة تلك العناصر للتربة من خلال أسمدة محددة، ثم إعادة زرع الأرض من جديد بمحاصيل أخرى مثل البستنة والحبوب.
سيجارة مربحة.. وتحارب البطالة!
تعتبر بلدة يعبد في جنين المنطقة الأكثر اهتماماً بزراعة التبغ، ويعمل عدد كبير من المزارعين مع عائلاتهم في مزارعهم منذ عقد تقريباً، ما يحقّق لهم عائداً مادّياً جيداً. فينتشر التبغ الأخضر في سهول البلدة وجبالها، وحتى في حدائق بيوتها، لكونها زراعة تدر الملايين سنوياً على سكان البلدة والعاملين فيها.
ويلفت رئيس بلدية يعبد ياسر أبو بكر لـ «السفير» إلى أن المساحات المزروعة بالتبغ شهدت زيادة مطّردة في الأعوام العشرة الأخيرة بسبب الطلب الكبير من المستهلكين المحليين على هذه المادّة التي باتت بديلاً للسجائر المصنعة، نظراً للظروف الاقتصادية المتدهورة وتآكل الأجور وقيمتها الشرائية وارتفاع معدلات البطالة ونسب الفقر.
وأكد أبو بكر أن توفير الفلتر وماكينات التعبئة جعل بعض الأسر تعمل في تعبئة السجائر وبيعها في الأسواق المحلية بأسعارٍ زهيدة لا تتعدى النصف دولار: «إن ارتفاع جدوى زراعة هذا المحصول بالمقارنة مع المحاصيل الحقلية الأخرى، أدى إلى انعدام البطالة في البلدة التي تشتهر أيضاً بإنتاج الفحم».
يعمل في يعبد والقرى المجاورة الأب والأم وأبناؤهما طلبة الجامعات والمدارس في زراعة التبغ وعمليات تجفيفه وتعبئته وتسويقه، وهي زراعة تدر ملايين الدولارات عليهم سنوياً، بل إن المشاريع الكبيرة في مدن شمال الضفة الغربية تعود لرجال أعمال معظمهم كوّن ثروته من زراعة وتجارة الدخان.
أبدى عشرات المزارعين الذين التقتهم «السفير» انزعاجهم من محاولات الحكومة التضييق عليهم، وذلك لسببين رئيسن: زراعتهم أثّرت على مبيعات التبغ المستورد، كما اضطرت شركة التبغ المحلية الرسمية «شركة سجائر القدس» إلى تقليص إنتاجها بنسبة تقارب 60 في المئة، والاستغناء عن عشرات العاملين لديها بسبب الطلب المتزايد على التبغ المصنع في جنين. فقد استطاع هذا الأخير اقتحام أسواق الأراضي المحتلة في عام 1948 أيضاً.
يتم تسويق التبغ المحلي بعيداً من عيون جباة الضرائب والضابطة الجمركية الفلسطينية، ما يفقد الحكومة بحسب مصادر في وزارة المالية نحو 97 مليون دولار سنوياً. وتعدّ أسعار السجائر المستوردة في فلسطين مرتفعة مقارنة مع دول الطوق (لبنان، سوريا، الأردن، ومصر) حيث يبلغ متوسط سعر العلبة نحو 5.6 دولارات، بنسبة ضريبة تتجاوز 700 في المئة على سعرها الأصلي، بينما يبلغ سعر التبغ المصنع في جنين نصف دولار.
ويبقى الاقتصاد الزراعيّ الفلسطينيّ بانتظار القوانين والأنظمة وتحديثها. ففي ظل سيطرة الاحتلال على مواردنا الاقتصادية والعشوائية في استغلال الأرض، يغيب القانون الرقابي القادر على تنظيم كيفية استغلالها والاستفادة منها بما يناسب جميع أطراف المجتمع الفلسطينيّ.