| 

من أهـــم التحديات التي فرضتها شبكة الإنترنت على إسرائيل، هو طوفان المعلومات الداخلية غير الرسمية، التي تصل لملايين المتصفحين عبر مدونات ومواقع إلكترونية مستقلة. فينشر بعضها قصصاً كبرى تفضح أسراراً تُحرج المؤسسة، بعدما كانت تدفنها بسهولةٍ وصمتٍ بهمّة «الرقابة العسكرية» التي تعمل بتناغم مع «لجنة المحررين» في وسائل الإعلام الإسرائيلية، بهدف «الحفاظ على الأسرار المقدسة».
ما هي وحدة «الرقابة العسكرية»؟
في مطلع العام الجاري، توجّهت «الرقابة العسكريّة» إلى عشرات الإسرائيليين الذين يديرون حسابات كبرى على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» وإلى كتّاب المدونات ذات الشعبيّة، طالبةً إليهم أن يبعثوا لها مسبقاً، وقبل النشر، أيّ خبرٍ أو معلومة متعلقة بالجيش أو الأمن. كما طالبت الرقابة العسكرية بأن تتم إضافتها بصفة مراقبٍ على مجموعات «واتس أب» التابعة لمؤسسات مثل الشرطة أو خدمة الإسعاف، لحفظ المعلومات. وبذلك، تكون الرقابة قد فرضت نفسها على مصادر المعلومات قبل أن يتم إرسالها للصحافيين حتى.
إسرائيل هي الدولة الوحيدة من بين «الدول الديموقراطيّة» التي تزعم أنها واحدة منها، التي تعمل داخلياً وفقاً لقانون رقابةٍ عسكريّةٍ تسبق النشر على الموادّ المطبوعة والمرئية.
«الرقابة العسكرية» هي وحدةٌ تابعةٌ لشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، التي تفرض رقابة مسبقة على القضايا المتعلقة بأمن إسرائيل. وهي لا تزال تعمل طبقاً لقانون الطوارئ الذي فرضه الانتداب البريطانيّ على فلسطين سنة 1945، ثم تبنته إسرائيل بعد إنشائها. وتقع ضمن صلاحيات الوحدة مراقبة كلّ مادّةٍ مخطوطة أو مطبوعة توزع على الجمهور أو يجري تداولها بالأيدي، وتتضمن معلوماتٍ قد تلحق ضرراً بـ «أمن الدولة» أو «سلامة الجمهور». فتخضع «الرقابة» الموادّ التلفزيونية والإذاعية والصحف والكتب للفحص قبل النشر، وتحذف بنفسها ما تعتبر نشره يشكّل خطراً.
تنفرد إسرائيل بشذوذها هذا بين «الدول الديموقراطية» لا فقط لجهة وجود «رقابة عسكرية على الإعلام»، بل أيضاً لتواطؤ «لجنة المحررين» معها. تلك اللجنة التي تضم ممثلين عن وسائل الصحافة والإعلام العبرية، تلتقي بوتيرةٍ دائمةٍ برئيس الحكومة والوزراء والضبّاط رفيعي الرتبة في الجيش والأجهزة الاستخبارية، الذين ينقلون للجنة معلوماتٍ مقابل تعهّد وسائل الإعلام بعدم نشرها، حتى لو حصلوا عليها من مصادر أخرى.
«لجنة المحررين» تسبق قيام إسرائيل
تأسست «لجنة المحررين» هذه في عام 1942، بمبادرة من محرّري الصحف الصهيونية الذين طالبوا القيادة الصهيونية في فلسطين، الواقعة آنذاك تحت الانتداب، بالحصول على توجيهاتٍ بشأن نشر المعلومات الحسّاسة. بعد إنشاء إسرائيل في عام 1948، تمّ الاتفاق بين لجنة محرّري الصحف والسلطات والجيش على منع تسرّب أيّ معلوماتٍ أمنية قد تلحق الأذى بـ «أمن الدولة».
لم يطرأ أي تغيير على اللجنة حتى عام 1992، لما انسحب ممثلو صحف «هآرتس» و «يديعوت احرنوت» منها، احتجاجاً على منعهم من نشر نبأ مقتل عدّة جنود من وحدةٍ خاصّة في أثناء التحضير لعملية اغتيال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. في شهر أيار/ مايو 1996، تمّ التوقيع على اتفاق جديد، قلّص من صلاحيات «الرقابة» عبر السماح لوسائل الإعلام والصحافيين بالتوجه إلى محكمة العدل العليا لبتّ قضايا الخلاف بين الطرفين، لجهة قياس مدى الخطر على الدولة والشعب في نشر أو حجب معلومات معينة.
لكن، «الرقابة العسكرية تدرك أن قدرتنا كوسائل إعلام على التوجه للمحكمة العليا والوقوف ضدها تقريباً غير موجودة، إذ أولاً: هذا يستغرق سنوات. ثانياً: ليست لدينا ميزانيات لتمويل محامين إلا في حالات نادرة جداً. ويتم تفسير النشر الخلافي على أنه انعدام في الشعور الوطني من جانبنا»، يشرح د. رونين بريغمان، المراسل العسكريّ والأمنيّ لصحيفة «يديعوت احرنوت». ثم يضيف: «ثمة احتمال ضعيف جداً أن تقف محكمة العدل إلى جانبنا في مثل هذه المواضيع، بعد أن تُطرح أمامها تقييمات متعددة يعدّها ضباط كبار من الجيش أو الموساد أو الشاباك، خصوصاً عندما يخاطبون القاضي بالقول: سيدي القاضي، ليكن معلوماً منك، إذا سمحت بنشر هذه المعلومات، فإن دولة إسرائيل ستتدمر».
الرقابة: وتيرتها، أهدافها، و «أبطالها»
معطيات رسمية حصل عليها موقع «العين السابعة» المتخصص بنقد الإعلام الإسرائيلي أظهرت أن معدّل الموادّ التي تدخّلت فيها الرقابة العسكرية خلال العقد المنصرم بالحذف أو التعديل أو المنع من النشر بشكل كامل، يبلغ ضعفي التدخلات التي وقعت خلال الأعوام القليلة الماضية.
في عام 2000، سجّلت تدخلات على معدّل 42 في المئة من الموادّ. وفي عام 2001، سجّلت نسبة 40 في المئة. وفي تلك الفترة، اندلعت الانتــــفاضة الثانية التي نفّذت فيها قوات الاحتلال واستخباراته خلالها عمليات كثيرة. ومــــنذ عام 2002 وحتى عام 2011، ظل معدل تدخل الرقابة مستــــقراً، وتراوح بين 17 في المئة و20 في المئة. لكن، في السنوات التي شهدت حروب إسرائيل، ارتفــــعت هذه النسبة. مثلاً، خلال عام 2006 وبسبب العدوان على لبـــنان، طرأ ارتفاع بتدخل الرقابة العسكرية بنسبة 33 في المئة.
على مستوى المضمون، يمكن لتدخّل «الرقابة» في الموادّ التي ستنشرها وسائل الإعلام أن يصل حد اختلاق معطيات جديدة لتبرير بعض الحوادث، كما حدث في ملف الجندي باراك شرعبي. مع شرعبي، تمّ نشر خبر في وسائل الإعلام العبرية قبل واحدٍ وثلاثين عاماً يفيد بأنه قتل في حادث سير. ولكن، «الرقابة العسكرية» سمحت بعد ثلاثين عاماً بنشر الحقيقة: شرعبي قتل وأصيب سبعة من زملائه بجراحٍ خطيرة خلال عملية استخبارية استراتيجية عسكرية في دولةٍ عربية مجاورة.
في المقابل، يمكن لتدخّل «الرقابة» أن يأتي حجباً لمعلومات جزئية عن ملف، كمنع نشر صورة عمانويل مورنيو، وهو ضابطٌ في وحدة الأركان شارك باختطاف الشيخ مصطفى الديراني من منزله وقتل خلال عملية الانزال على مستشفى بعلبك خلال الحرب الثانية على لبنان.
وعلى أهميتها، فإن هذه المعطيات تقدّم صورةً جزئية فقط عن الحجم الفعليّ للمعلومات التي تحجبها إسرائيل. إذ تتضح الصورة بعد الإشارة إلى أن معظم الصحافيين والكتّاب في المجال العسكريّ هم ضباط احتياط أو ضباط متقاعدون. ما يعني أن رقابتهم الذاتية تسبق تلك العسكرية، فلا يكتبون إلا ما يعتقدونه صالحاً للنشر. والمبرر الآخر للرقابة الذاتية هو تبعية الصحافي أو الكاتب للمؤسسة العسكرية والاستخبارية. فالسلوك المشاكس يخسّر صاحبه إمكانية الحصول على معلومات حصرية في المستقبل.
«الإحراج»، أو حماية الفساد
خلال شهادة بثتها «القناة العاشرة» في التلفزيون الإسرائيلي، قال برغيمان: «غالبية الأمور التي كتبتها والتي منعتها الرقابة العسكرية، لم تحوِ مبرراً أمنياً للمنع. المبرر أتى في الغالب ليلبي بند رفع الإحراج، أيّ إنها أخبارٌ لو تم نشرها لكانت ستحرج دولة إسرائيل». ويستذكر برغيمان: «في التسعينيات، وعلى مدار خمس سنوات، حاولت نشر نبأ يفيد بأن مخازن الطوارئ التابعة للجيش الإسرائيلي هي تقريباً فارغة، بعد إنفاق الأموال على رواتب كبار الضباط. الرقابة منعت نشر الخبر على مدار خمس سنوات، وقالوا لي إنني إذا نشرته فإن السوريين سيعرفون بالأمر. وفي يومٍ من عام 1996، اتصلت بي الرقابة العسكرية، وقالوا لي: انشر خبر مخازن الطوارئ الفارغة. فنشرت النبأ، وبعد أيامٍ أدركت سبب السماح. لقد سمحوا بالنــــشر مباشرةً قبل عقد نـــقاشٍ خــــاصّ حول ميزانية الأمن، فاستخدم الجيش مقالي للقول بأن مخازن الطوارئ فارغة، ما يستوجب زيادة ميزانية الجيش».
ساهمت الباحثة المتخصصة بشؤون الرقابة العسكرية في إسرائيل د. تهيلا التشولر في تحليل هذا الاستخدام غير المبرر لأوامر حظر النشر: «الكلّ يريد الدفاع عن الأسرار الأمنية، لكن المشكلة تكمن بوجود مساحةٍ كبرى من المعلومات التي سيتيح كشفها التعرّف إلى الفساد أو النقص في الفعالية، كما سنعرف إلى أين تذهب أموالنا. مثل هذه الأسرار لا مبرر للدفاع عنها».