| 

بعد تعليق السلطات التركيّة إجراءات الاتفاق الأوروبي ـ التركي بشأن إعادة اللاجئين الواصلين إلى الجزر اليونانيّة بطريقةٍ «غير شرعيّة» إلى تركيا مُقابل استقدام لاجئين آخرين من مُخيّمات اللجوء في تركيا إلى دول الاتحاد الأوروبي، راحت تتصاعد موجة الهجرة من تركيا، عبر بحر إيجه، صوب الجزر اليونانيّة من جديد. كانت قد ركدت لعدّة أشهر، في أعقاب عقد الاتفاق الأوروبي وما تلاه من تشديدات أمنيّة على الحدود.
اللاجئون المُقيمون في تركيا مؤقتاً باتوا يسلكون طريقين رئيسيين للهجرة إلى أوروبا: الأول عن طريق البرّ من مدينة اسطنبول التركيّة، المعروفة باسطنبول الأوروبيّة، والثاني عن طريق البحر، عبر مدينة إزمير في جنوب تركيا، وهي معقل المهربين. من إزمير، يركبون ما يُعرف بـ «البلم» المطاطي عند واحدة من نقاط التهريب القريبة من البحر، ليتوجهوا صوب إحدى الجزر اليونانيّة الشهيرة مثل: متليني، كيوس، كوس، ساموس، ليروس.
رصدت «السفير» رحلة مجموعة من اللاجئين الفلسطينيين الذين خرجوا من القطاع مؤخراً إلى تركيا، بهدف الهجرة إلى أوروبا عن طريق البحر. يصف الشبّان اللحظات التي قضوها في عرض بحر إيجه على قاربٍ مطّاطي بأنها «رحلة الهروب من الموت، إلى الموت»، مُشيرين إلى أنّهم اعتقدوا أن رحلة البحر من تركيا إلى اليونان هي الأخطر في المسار كلّه، إلا أنهم فور وصولهم إلى جزيرة «ساموس» اليونانيّة فوجئوا بالواقع الصعب.
معبر رفح.. البوابة الأولى
العشريني أحمد هو أحد هؤلاء الشبان الذين خاطروا بحياتهم من أجل البحث عن حياة «كريمة» حسبما يقول، ويكمل لـ «السفير»: «خرجنا من قطاع غزّة أواخر مايو (أيار) الماضي، وقد كلّفنا عبور معبر رفح أكثر من ثلاثة آلاف دولار للشخص الواحد، دفعناها لمكاتب التنسيق مع الاستخبارات المصريّة لإدخالنا. بعدها، تم ترحيلنا إلى مطار القاهرة، ومن هناك حجزنا تذاكر سفر إلى تركيا».
يوضح أنّه ومجموعة من رفاقه حاولوا الهرب عبر مدينة اسطنبول التركيّة الغربيّة إلى بلغاريا، عن طريق نهر، من ثم بر، لكن محاولتهم باءت بالفشل وخسروا المبالغ الماليّة التي كانوا قد دفعوها للمهرّب سلفاً. ألقت السلطات التركيّة القبض عليهم، ثم أطلقت سراحهم بعد يوم واحد من الاحتجاز. ما دفعهم للبحث عن طريق آخر، فكان الخيار مدينة إزمير في الجنوب.
يشرح أحمد: «ذهبنا إلى إزمير، تحديداً ساحة بصمانة، وهي معقل التهريب والمهربين. واتفقنا هناك مع مهرّبٍ كي ينقلنا في زورق مطاطي إلى جزيرة ساموس اليونانيّة مقابل 500 دولار أميركي للشخص. أبلغنا المهرّب أن نغلّف أشياءنا المهمّة في أكياس بلاستيك مقاومة للمياه، ونبقى على أهبة الاستعداد للانتقال إلى نقطة التهريب في أيّ لحظة مساءً».
يكمل: «عند نحو الساعة الحادية عشرة مساءً، اتصل المهرّب وأبلغنا أن سائقاً سينقلنا إلى موقع قريب من نقطة التهريب، هو شقّة سكنيّة لأحد المهربين يجمّع فيها اللاجئين استعداداً لساعة الانطلاق صوب الشاطئ في شاحنةٍ مغلقة. عند الثانية فجراً، وصلت الشاحنة وركبنا فيها واحداً تلو الآخر. كدنا نختنق من ضيق الشاحنة وكثرة الركاب».
يستدرك الشاب أحمد: «انطلقت بنا الشاحنة، ثم نزلنا في مزرعة لنجهز سترات نجاتنا، ونهيئ أنفسنا لركوب البلم. كان البلم موجوداً في نهر صغير يؤدي إلى الشاطئ مباشرة، فتم نقلنا إلى هذه النقطة خوفاً من أن يكشفنا خفر السواحل، وخاصة أنه يكثّف دورياته هذه الأيام».
في نحو الثالثة فجراً، انطلق البلم المطاطي من النهر الصغير صوب الشاطئ. وجّه المهرّب التركي سائق البلم إلى المنارة على الجزيرة اليونانيّة، وانطلق السائق الذي لا خبرة له في المراكب صوبها. الناس صاروا يراقبونها، وكلما انحرف السائق عنها، ينبّهونه، خوفاً من التيه في البحر».
«بلم» صغير في عباب إيجه
يصف الشاب عبد الرحمن (28 عاماً ـ رفيق أحمد)، لحظات العبور من بحر إيجه إلى الجزيرة اليونانيّة: «كانت لحظات مرعبة جداً. أخبرنا المهرب أن الركاب سيكونون 30 فرداً فقط، وفوجئنا بأننا 54 لاجئاً، على متن قاربٍ مطاطيّ لا يتجاوز طوله ثمانية أمتار. الكل يقرأ القرآن، يذكرون الله، يسبّحون، يبكون، يندمون. البحر كان أسود مظلماً، مخيفاً، لا نرى سوى منارة يونانيّة بعيدة جداً. فقد انطلقنا من نقطة تركية تبعد عن الجزيرة حوالى 26 كيلومتراً، حتى لا يكتشف الخفر التركي طريقنا، رغم أنّ هناك نقاطاً أقرب بكثير، لكن كلها محروقة، الخفر يراقبها». يضيف لـ «السفير»: «بعد ساعة من الانطلاق في البحر، أضاء الخفر التركي علينا كشافاً ضخماً، وأصبحنا نقطة مضيئة في وسط البحر، قبل أن نصل للمياه الإقليميّة اليونانيّة. قلنا: انتهى أمرنا، وستتم إعادتنا إلى تركيا. لكن الخفر تركنا، ربما علم أننا اقتربنا من المياه الإقليمية، لا ندري. هو القدر والحظ فقط».
يقول عبد الرحمن إنهم، بعد نحو 4 ساعات من الإبحار، بدأوا يرون جزيرة ساموس بشكل واضح. مع شروق الشمس، بات كل شيء واضحاً، فعمّت الفرحة البلم، الكلّ يخرج هاتفه من بين لفافات البلاستيك ويطمئن أهله وأصدقاءه: «بدأ سائق البلم هنا بالبحث عن مكان للنزول فيه، لأن الجزيرة صخريّة، ولا نستطيع النزول في الجرف. فانطلقنا صوب الميناء، وهناك تسلّمنا الخفر اليوناني».
معتقل ساموس العسكري
يكمل صديقهم الشاب أمجد قصّة وصولهم إلى ساموس: «نقلنا الخفر إلى مركز اللجوء الوحيد على الجزيرة، بالقرب من سفح الجبل. هناك، توجد عدّة منظمات حقوقية ودولية، أخبرونا عن حقوقنا، وعن الأوضاع بعد تعليق الاتفاق الأوروبي التركي. أفادوا بأنه يجب علينا إما تقديم طلب اللجوء في اليونان، أو البقاء في المخيم إلى أن يجدّ جديد بشأن إجراءات اللجوء». يوضح أمجد لـ «السفير» أن السلطات اليونانيّة ترفض منح أي لاجئ الورقة التي تُعرف باسم «الخارطيّة»، وهي رقم يُسمح لحامله بالتجوّل داخل اليونان، والانتقال من الجزيرة إلى العاصمة أثينا: «بعد إغلاق الحدود مع مقدونيا، نحن عالقون الآن في الجزيرة. لم نتوقع ذلك، ولم نعرف أننا سنبقى هنا، كنا نظن أننا سنحصل على الخارطية وننتقل إلى أثينا. ومن هناك، نكمل طريقنا. لكن الأوضاع صارت سيئة جداً في الجزر».
تشرح المواطنة العراقيّة الفلسطينيّة الأصل أم رجاء الأوضاع في «ساموس»: «لا يُسمح لنا بمغادرة المخيم والتجول في الجزيرة إلا بعد مرور 25 يوماً على وصولنا. خياراتنا صارت قليلة جداً بعد تعليق الاتفاق. يمكننا أن نُقدّم على لمّ الشمل إن كان أحد أقاربنا بالدرجة الأولى في دولة أوروبيّة. ولا يُسمح لنا بالتقدّم على برنامج إعادة التوطين الذي أعلنته الأمم المتحدة، لأننا جئنا بعد منتصف مارس 2015، وقت توقيع الاتفاق».
وتُشير أم رجاء (45 عاماً) التي هربت من جحيم الصراع الدائر في العراق برفقة ابنتها الوحيدة، إلى أنّ إجراءات التقديم على اللجوء في اليونان تأخذ وقتاً طويلاً، لأن الجهات المعنيّة تُعطي المواطن السوريّ الأولويّة في حقّ اللجوء والمعاملات الرسميّة في الجُزر اليونانيّة. وتلفت إلى أن الكثير من اللاجئين يحاولون الخروج من الجزيرة بطرق غير شرعيّة، لكن يتم الإمساك بغالبيّتهم، وحبسهم في سجن الجزيرة لأيام معدودة. في هذا الصدد، يقول الشاب منتصر، وهو أحد اللاجئين الموجودين في الجزيرة: «الإجراءات القانونيّة هنا تأخذ وقتاً طويلاً يفوق الستّة أشهر. نحن لم نأتِ كي نقدم لجوءاً في اليونان، الكلّ يعرف أن أوضاع اليونان الاقتصاديّة لا تقوى على استقبال المزيد من اللاجئين. واليونان أساساً لا تُقدّم امتيازات للّاجئين إن قرّروا تقديم طلب اللجوء».
ويذكر منتصر لـ «السفير» أنّه حاول الخروج من الجزيرة على متن باخرة تجاريّة أكثر من مرّة، لكن أمسكت به الشرطة، وسجنته ستّة أيام في المرتين: «الكثيرون هنا يحاولون الهروب إما عبر البواخر التجاريّة، عن طريق الاختباء في الشاحنات التي تقلّها الباخرة إلى أثينا، أو عن طريق هويات مزوّرة. لكن كلّ الطرق باتت مكشوفة للشرطة، وأصبح الخروج من هذه الجزيرة صعباً للغاية».
وقد وقع العديد من اللاجئين في الجزر اليونانيّة ضحية عمليّات نصب واحتيال من قبل المهربين الذين يستغلون حاجة اللاجئين إلى الانتقال إلى أثينا ودول أوروبا الغربيّة. فتنشط عصابات التهريب في المناطق التي يعلق فيها اللاجئون، ولا يستطيعون الخروج منها، كالجزر اليونانيّة، ومدينة «سالونيك» اليونانيّة المُحاذية للحدود المقدونيّة، وفق إفادة بعض اللاجئين.
الشاب الفلسطيني عدي أبو عادل، من فلسطينيي سوريا، يقول لـ «السفير» إنه اتفق مع مهرّب قبل عدّة أيام على نقله بباخرة سياحيّة من الجزيرة إلى أثينا، وأخبره المهرّب أنّه نسّق مع رجال الشرطة الذين يقفون أمام الباخرة ويفحصون حجوزات السفر ليتغاضوا عن أمره فيلتحق بالركّاب المسافرين، مقابل ألف يورو يدفعها مقدماً: «دفعت المبلغ المطلوب، وأعطاني المهرب تكت لصعود الباخرة، لكني وجدت الكثير من رجال الشرطة هناك بلباسٍ مدني، أعطيتهم الحجز الذي أعطاني إياه المهرب، فطلبوا جواز سفري للتأكّد من مطابقة الاسم. حين أخبرتهم بأني لا أملك جواز سفر، أخذوني لمركز الشرطة، وتم حبسي خمسة أيام».
ويُشير أبو عادل، الذي وقع ضحية لمهربي البشر، أنه خسر كامل المبلغ الذي دفعه للمهرب الذي اختفى من الجزيرة بعد النصب عليه وعدداً من اللاجئين الآخرين، ذاكراً أنّ «اللاجئين يخشون إخبار الشرطة أنهم تعاملوا مع مهربين، حتى لا يسوء الوضع أكثر، ويحاكموا بتهمة التهريب».
ويذكر اللاجئون العالقون في جزيرة «ساموس» اليونانيّة، في أحاديث منفصلة لـ «السفير»، أنّ هناك أحاديث وشائعات متفرقة يسمعونها مؤخراً تتعلّق بنيّة السلطات اليونانيّة منحهم حق الإقامة القانونيّة في اليونان لمدة عام، وذلك يسري على كل من تقدّم بطلب لجوء في اليونان، إلا أن تلك الأنباء لم يتم تأكيدها من قبل دوائر اللجوء في الجزيرة.
يتوزع اللاجئون في اليونان على قسمين رئيسين، الأوّل: اللاجئون الموجودون في الجُزر اليونانيّة المُحاذية للساحل التركي الغربي، أما القسم الثاني فمكوّن من اللاجئين في البرّ اليونانيّ، الذين حصلوا من قبل على «خارطيّة» يونانيّة، ولكنهم علقوا في المدن اليونانيّة القريبة من الحدود المقدونيّة بفعل إغلاق الحدود. تمّت إقامة مُخيّمات مؤقتة لهم لحين حلّ مشكلتهم، وإعادة توزيعهم على دول الاتحاد الأوروبي.