| 

جهود حثيثة تُبذل في الضفّة الغربية لمنع التعامل التجاري مع منتجات إسرائيل والمستوطنات. وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققته المقاطعة (بي دي أس) خارجياً، لا تزال قضية شراء تلك المنتجات محلياً تواجه معضلة كبيرة، إذ لا يكتفي البعض باستخدامها، بل يذهبون إلى إطلاق الأحكام بحق منتجاتنا بطريقة تؤدي إلى زعزعة الثقة على نحو مستدام شامل بهذه المنتجات في فلسطين.
ويرى مشترو منتجات العدو، على الرغم من عدم معرفتهم بكيفية تصنيعها وآلية الرقابة عليها، أنها ذات جودة أفضل وتنافس السلع المصنعة محلياً. فهل هذا صحيح؟
منتجات إسرائيل ليست محل ثقة
يوضح الحديث مع خبراء وعاملين سابقين في إسرائيل أن العديد من المنتجات الإسرائيلية التي تصل أسواقنا تحتاج إلى رقابةٍ شديدةٍ تسبق بيعها: «الكثير من المصانع الإسرائيلية لديها أكثر من خطّ إنتاج، يكون واحد منها موجّهاً لإسرائيل وآخر للضفة الغربية وقطاع غزة. عندما كنت أعمل في مصنع للمرتديلا، اشتغلت على خطَّي الإنتاج، ولم يكن الفارق بينهما في الكميات بل في نوعية الموادّ التي تعلّب. كانوا يضعون لنا أسوأ المواد»، حسبما يشرح العامل م. ن. لـ «السفير».
وبناءً على فحوصات أجراها «اتحاد الصناعات الغذائية الفلسطينية» وجهات رقابية حكومية، وعلى ما رواه رجال أعمال فلسطينيون، أكّد رئيس الاتحاد نصر عطياني صحّة أقوال العامل، وضرورة أخذها على محمل الجد.
ومن بعض الشواهد التي تثير الريبة برأيه: «اختلاف غطاء السلعة نفسها بين السوقين، واستخدام المواد الحافظة بكثرة في منتجات الألبان التي تدخل أسواقنا، على الرغم من أن إسرائيل تمنع استخدامها في أسواقها. كذلك، فإن إسرائيل تدخل منتجات الألبان إلينا من دون تاريخ إنتاج، بل فقط مع تاريخ إنتهاء الصلاحية، ما يخالف متطلبات المواصفات والمقاييس الفلسطينية».
تدعم تلك الإشارات أقوال المدير العام لـ «مؤسسة المواصفات والمقاييس»، حيدر حجة: «المنتجات الإسرائيلية تحقق أحياناً مطالب المواصفات والمقاييس الفلسطينية وأحياناً لا تحققها. وفي مرات، يحقق المنتج ذاته المطالب وأحيانا لا!». وعلى الرغم من أخذ الجهات الرقابية عيناتٍ بشكلٍ دوريّ من المنتجات الإسرائيلية، فإن عدم سيطرة السلطة على المناطق المصنفة «ج» يؤدي إلى تهريب تلك المنتجات التي لا تحقّق المواصفات إلى أسواقنا، حسبما يشرح حجة.
وقد حذّر حجة المواطنين من الانفتاح على تلك سلع، «لأن هناك اختلافات بين متطلبات أسواقنا والسوق الإسرائيلي. أحياناً، نتشدد في بعض القضايا منها المواد الحافظة، فنمنع مثلاً استخدام المواد الحافظة في الطحينية خشية تضرّر المواطنين نتيجة استخدامهم الكبير لهذه المادة».
بدوره، قال القائم بأعمال «حماية المستهلك» في وزارة الاقتصاد إبراهيم القاضي، إن «هناك العديد من الشركات الإسرائيلية التي مُنع إدخال منتجاتها إلى أسواقنا لوجود تلوث بها»، وشرح أن هناك منتجات حتى اللحظة يمنع إدخالها. ولفت إلى أن هناك منتجات تخالف شروط المواصفات والمقاييس الفلسطينية، لكنها تدخل الأسواق لأنها لا تمثّل خطراً على صحّة المستهلك، بل تكون هناك مشاكل في بطاقة البيان.
لماذا لا نستهلك منتجاتنا؟
المنتَج الفلسطيني غير منزّه عن الخطأ، ونسمع أحياناً عن منتجات ملوثة. لكن، لم يسجّل حتى اللحظة تهاونٌ رقابيّ مع تلك المنتجات. في المقابل، لا يمكن نكران حاجة أصحاب الشركات الفلسطينية إلى المزيد من التوعية إلى آلية بناء الثقة بينهم وبين المستهلك، إذ «فشلوا» في استغلال الفرصة لإثبات جودة منتجاتهم للمواطنين عندما منعت الحكومة استيراد خمسة منتجات لشركات إسرائيلية ردّاً على قرار إسرائيلي يقضي بالمثل. لكن، رغم ضعف إمكانيات منتجاتنا مقارنة بالإسرائيلية، استطاع بعضها الوصول إلى أكثر الأسواق تعقيداً، كالأوروبية والأميركية، ناهيك عن العربية وحتى إسرائيل. ما يدلّ على قدرتها على المنافسة وقوة صناعتها.
وهنا، أكّد حجة أن سبب وصول العديد من منتجاتنا إلى العالم هو «المواصفة الفلسطينية التي تحاول أن تكون مرجعيتها المواصفات الدولية ومتوائمة مع متطلبات السوق الفلسطيني والأسواق التي تستهدفها أسواقنا».
وأضاف: «نحن والجهات المختصة نراقب لا فقط المنتج النهائي بل أيضاً كافة المراحل العملية الإنتاجية، داعياً المواطنين إلى الثقة بمنتجاتنا.
وعن تميّز طعم المنتجات الإسرائيلية مقارنة بمنتجاتنا، أكد حجة أن تل أبيب تستطيع أن تأتي بالمنكّهات من الخارج نظراً لانفتاح سوقهم، «بينما نحن مرتبطون بهم لسيطرتهم على المعابر والحدود. ونظراً لذلك ولاستهلاكنا منذ القدم منتجاتهم، نجحت الشركات الإسرائيلية في أن تعلّقنا بها من خلال الأطعمة غير المتوفرة لدينا».
التنمية أيضاً تحتاج إلى تضحية
بفضل التطور في مستوى صناعتها، وبالتزامن مع قرار الحكومة تجريم التعامل مع منتجات المستوطنات، ونظراً للجهود الوطنية وجهود حركة «بي دي اس» العالمية، نجحت الصناعات الغذائية الفلسطينية بزيادة حصّتها من سلة غذائنا في أسواقنا من 20 في المئة إلى نحو 45 في المئة، مقارنةً مع السنوات الخمس الماضية، بحسب رئيس «اتحاد الصناعات الغذائية الفلسطينية» نصر عطياني. ولرفع هذه النسبة، «نحتاج من المستهلك إلى أن يعي أهمية زيادة الانتماء على المنتج المحلي، كما نحتاج إلى تنسيق الجهود بين القطاعين الخاص والحكومي»، يضيف عطياني.
وعن إمكانية الاستغناء عن المنتجات الإسرائيلية على اعتبار أنها تغطي النقص الحالي في أسواقنا، أكد عطياني أنه «إذا أصدرت الحكومة قراراً بوقف استيراد المنتجات الإسرائيلية، تتم فوراً تغطية النقص لأن المستهلك سيشتري فقط المنتجات المحلية، وبالتالي تزيد أرباح الشركات والاستثمارات، ما سيؤدي إلى تقليل البطالة وتحقيق الاكتفاء الذاتي».
وأضاف أن الشركات والمؤسسات تصنّع حوالى ألفي صنف من المنتجات الغذائية، «وهي تشكل نسبة 80 في المئة من إجمالي سلة المستهلك الفلسطيني». وبعد التركيز عليها، «يصبح ممكناً استيراد المنتجات الأخرى من دول أوروبية أو عربية أو صناعتها محلياً إن أمكن».