| 

عند السادسة والنصف من مساء السبت الأول من تشرين الأول 2015، تفجّرت الهبة الشعبيّة بعملية طعنٍ نوعيّة نفّذها الشاب مهنّد الحلبي في البلدة القديمة في القدس المحتلة. أسفرت العملية عن استشهاده، ومقتل مستوطنين اثنين وإصابة آخرين.
اليوم، باتت الهبّة التي أحدث مجرّد حصولها مفاجأةً كبرى «مفصلاً» هاماً في تاريخ الفلسطينيين وقضيتهم. فما بين اندلاعها وهدوء وتيرتها، تجمّعت عوامل عدّة ستؤثر على مسار القضية إن تم التعمق بها. فالهبة اندلعت لأسباب عديدة، منها: انتهاكات الاحتلال التي وصلت إلى حدّ تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً، وازدياد اعتداءات المستوطنين بشكلٍ ملحوظ على المواطنين التي بلغت ذروتها مع إحراق عائلة الدوابشة.. وأيضاً، تفجّرت الهبّة في وجه السلطة الوطنية، جرّاء سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن انسداد الأفق السياسيّ الذي أدّى إلى انعدام الأمل بالانتقال لمستقبل أفضل.
نقاط ضعف الهبّة
شهد زخم الهبة تراجعاً ملحوظاً بعد حوالي سبعة أشهرٍ من انطلاقتها. واليوم، قلّما نسمع عن عمليات طعنٍ، إذ تحوّلت الهبّة بشكلٍ عام إلى مواجهاتٍ يوميّة بين الشبّان وقوات الاحتلال. فيشرح الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت، إن الهبة لم يتم استثمارها سياسياً بالشكل المطلوب لإيجاد حلٍّ سياسيّ للقضية الفلسطينيّة، موضحاً أن «السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى غياب الفصائل والقوى السياسية عن الساحة خلال الهبة التي لم تستطع احتضان الشباب الذين قادوا الهبة». وأيضاً، لم يلحظ مشاركة شعبية كبيرة في الهبة في الضفة وغزة والداخل المحتل: «إن ضعف التحرّك الشعبي كانت نقطة ضعفٍ في الهبة، خاصة في الداخل الفلسطيني، لربما بسبب سياسة إسرائيل في اعتقال وتشديد الإجراءات على المتضامنين».
ويتفق مع شلحت المحلل السياسيّ جهاد حرب، الذي اعتبر أن الشباب الذين قادوا الهبة لم يستطيعوا الاستمرار في زخم المواجهة الصعبة مع الاحتلال «بسبب عدم احتضانهم من قبل القوى السياسية». ورأى حرب أن الفصائل «شاخت» وما عادت قادرة على جلب الشباب إليها. واستند في أقواله إلى المسح الأخير لجهاز الإحصاء الفلسطيني الذي أفاد بأن نسبة الشباب المنتمين لأحزاب وحركات سياسية لا تتعدى 1,5 في المئة من أصل الشباب الفاعلين في المجتمع الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، أي ما نسبته 13 في المئة من الشباب.
وعن عدم إعداد الفصائل برامج تهدف إلى ضمّ الشباب إليها بحيث تتعلّم قياداتها من أخطاء الهبة، رأى حرب أن الفصائل «على ما يبدو، خائفة من الاحتلال، تخاف الاعتقال بتهم التحريض، وربما خائفة من خسارة الامتيازات التي حصلت عليها خلال السنوات الماضية».
من جانبه، أكّد مدير دائرة البحث العلمي والدراسات في «مركز رؤية» منصور أبو كريم، أن الفصائل «حاولت تجنيد الهبة لخدمة أهدافها السياسية، بعيداً عن المصلحة العامة المتمثلة بخدمة القضية الفلسطينية». وتوقّف المنسّق العام للقوى والفصائل الفلسطينيّة واصل أبو يوسف، عند «فاعليات نظّمتها القوى والفصائل في مناطق التماس، لكنها لم تأخذ شعبية كبيرة لأن الهبة أخذت الطابع الفردي».
إسرائيل تداوي الحاضر بالحاضر
حكومة الاحتلال تفاجأت بالأحداث، بل أصابها العجز في غالبية الأوقات بسبب اعتماد الهبة على الأفراد وليس التنظيمات. ما اضطرها على التعامل مع الأحداث بمقولة المثل الشعبي: «منداوي الحاضر بالحاضر»، من خلال العمليات اليومية التي تمثلت حينها بالاقتحامات والاعتقالات وإطلاق النار على المواطنين.
لكن، لم تطالب إسرائيل بإحداث اختراقٍ في العملية السلمية عبر المفاوضات، بل تعاملت مع الهبّة عبر تظهيرها كانفجارٍ أسبابه المشاكل الاقتصادية الداخلية فحسب. لماذا؟ يجيب شلحت: «إنها السياسية الإسرائيلية المعتادة والمتمثلة بالهروب من الحقائق إلى الأمام»، موضحاً أن «ما ساعدها في ذلك هو الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف، والوضع الفلسطيني الهشّ الذي لا يشكّل عامل ضغط عليها، والواقع العربي الحالي وانشغاله في قضاياه، وأيضاً، محاولة «الرباعية العربية» الالتفاف على القيادة الشرعية، بالإضافة إلى الوضع العالميّ الذي لديه أمور تشغله أهم من القضية الفلسطينية».
نتائج الهبة
يؤكد الباحث شلحت أن الهبة نجحت في إعادة القضية الفلسطينية على الساحة الدولية، «وبرز ذلك في المبادرة الفرنسية التي جاءت رغم المعارضة الأميركية والإسرائيلية. وأيضاً، من أبرز ما حققته الهبة أنها زلزلت الاعتقاد أنه بإمكان الوضع القائم في أراضي 1967 أن يبقى على حاله. كما غيّرت الهبّة من وجهة نظر الحكومة اليمينية حول أنها تستطيع أن تتمادى بانتهاكاتها في ظل انشغال العالم عن القضية الفلسطينية. وأمر هام آخر حققته، تفنيدها مزاعم ساسة إسرائيل أمام زعماء العالم بأن الوضع في فلسطين لا يحتاج التغيير، وهو قائم منذ اتفاقية أوسلو على هذا الشكل». ورأى شلحت أن الهبة أعادت التأكيد على أن مشكلة إسرائيل الأساسية مع الفلسطينيين، ويجب حلها، وليست كما تدّعي سلطات الاحتلال بأن المشكلة مع إيران أو دول أخرى. ورأى الكاتب أن «آخر نتائج الهبة ظهر في بيان الرباعية الدولية الذي أكّد أنه يعارض الاستيطان لأنه يقوّض حلّ الدولتين.. لولا الأحداث الأخيرة لما خرجت الرباعية ببيان كهذا».
خلال الهبّة، خرجت أصواتٌ تنادي بالتوقّف عن عمليات الطعن لأسباب عدّة منها: اقتصار الهبة على الأفراد وغياب فئات المجتمع الأخرى بسبب حالة الإحباط السائدة سابقاً وانشغال الناس بإيجاد لقمة العيش، خاصة في ظل غياب الفصائل.
وهنا، يطرح سؤال نفسه: ماذا لو نجحت الفصائل في إيجاد برنامجٍ سياسيّ يحتضن الشباب؟ يجيب حرب: «لزاد تأطير العمل الشعبيّ في القرى والمخيمات والمدن، ووجدت أساليب أخرى للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال، من دون أن تقتصر على عمليات الطعن أو حرق الإطارات».