| 

منذ أن أعلن مجلس الوزراء الفلسطينيّ عن موعد عقد الانتخابات البلديّة في منتصف حزيران الماضي هذا العام، لم يساورني أدنى شكّ في أننا لن نصل إلى يوم الانتخابات هذا بينما كلّ شيءٍ على ما يرام، أو أن الانتخابات ستجرى وفق ما خطّط لها سياسيّاً وفنيّاً.
عندما بتنا ندنو أكثر من الموعد، انشغلتُ بسؤالٍ بديهيّ وتلقائيّ: ما دام النظام السياسيّ الفلسطينيّ (بشقيّه) يمتلك الإرادة السياسيّة والرغبة في تنظيم انتخابات المجالس المحليّة والبلديّة، وما دامت اللجان الفنيّة والتنظيميّة - في طليعتها لجنة الانتخابات المركزية، قد أعلنت أنها قادرة على تنظيمها في أكثر من مناسبة، وما دام معظم الجمهور الفلسطينيّ يمتلك الرغبة الجامحة والمتأججة للاحتكام إلى صندوق الاقتراع، فلماذا لا تنظّم الانتخابات العامّة الرئاسيّة والتشريعيّة التي مضى على انتهاء صلاحيتها أكثر من ست سنوات، وفق القانون الأساسيّ الفلسطينيّ؟
هي لا تزيد تعقيداً عن إجراءات الانتخاب المحليّة المتداخلة والمتشعبة بين العائليّ والحزبيّ والطائفيّ. ولربما يكون التوافق على تنظيم إجراء انتخابات عامّة رئاسية وبرلمانية مخرجاً مشرفاً لإنهاء الانقسام السياسيّ بين سلطتي قطاع غزّة والضفّة الغربيّة، إذا حضرت رغبةٌ جادّة لدى الطرفين في إنهاء الانقسام. فعقد الانتخابات يرتبط أساساً بميثاقٍ بين الأطراف الفلسطينيّة كافة، يقضي باحترام نتائج الانتخابات بغض النظر عن هوية الفائزين والخاسرين فيها. هذا هو جوهر العملية الديموقراطيّة، أو إحدى ممارساتها على الأقل.
بكلّ تأكيدٍ، هناك من يرى في الانتخابات تناقضاً مع مصالحه الشخصيّة أو مع مصالح فئوية ضيقة لهذا الحزب أو ذاك، لهذه الجماعة أو تلك. وهناك من يرى ببساطة أن الفوز لن يكون حليفه بالانتخابات. أما الأسباب التي ساقتها المحكمة الفلسطينيّة العليا لوقف إجراء الانتخابات المحليّة فحكت عن منع «حماس» لبعض قوائم «فتح» من الترشّح في قطاع غزّة، وعدم سماح إسرائيل بإجراء الانتخابات في القدس. وهي مبرراتٌ لقرارٍ سياسيّ كامنٍ يقضي بتأجيل الانتخابات أو إلغائها. فمن الواضح أن إسرائيل ستمنع الانتخابات في شرق القدس. ومن الجليّ أن موافقة «حماس» على المشاركة في الانتخابات يتطلّب اعترافاً من «فتح» بأجهزة «حماس» التي ستشرف على الانتخابات في غزّة، وتحديداً الاعتراف بجهازها الأمنيّ الذي سوف يحمي صندوق الاقتراع. والعكس يصحّ تماماً، لجهة اعتراف سلطة «حماس» بسلطة «فتح» في الضفة الغربيّة. لا يتجاهل هذا التقديم تعقيدات الظروف المحيطة، أكانت عربيّة، إقليميّة، أو دوليّة. كما يستحيل تجاهل إسرائيل كلاعبٍ رئيسيّ في معادلة الإنتخابات الفلسطينية. إذ تستطيع إسرائيل تعطيل هذه الانتخابات، فهي تمنعها في مناطق وتسمح بإجرائها في أخرى، تعتقل مرشحي القوائم، ولا تتردّد أمام الوسائل المتاحة والمتخيّلة لعرقلتها. بكلّ تأكيد، ستعطّل إسرائيل الانتخابات العامة الفلسطينيّة، ما لم تشكّل هذه الانتخابات مصلحة أمنيّة وسياسيّة لها بالمعنى الإستراتيجيّ.
إسرائيل تدير الظهر تماما للجانب الفلسطينيّ، كأنه غير موجود. تمعن في الاستيطان وتوسيعه، القتل والاعتقال والترويع والحصار، تطال فلسطينيي الضفة وغزة، وتنسحب على الأحزاب العربية في الداخل الفلسطينيّ. فما الهجمة على «حزب التجمّع الديموقراطيّ» إلا مقدمة لهجمة على مختلف الأحزاب السياسيّة، وعلى «القائمة المشتركة» المنتخبة، وعلى المجتمع المدنيّ ومؤسّساته، وبالتالي على كامل المجتمع الفلسطينيّ في الداخل. يأتي ذلك ضمن أطرٍ خطابيّة عنصريّة، تنتج مفاهيم وأدوات تشرّعها المؤسسة البرلمانيّة في إسرائيل، وتنفذها الحكومة بأجهزتها الأمنيّة. يأتي ذلك في ظلّ تراجع تراتبية القضية من الفلسطينية في اهتمام العالم، نظراً للحروب الدموية الجارية في محيطنا.
إن إدارة الظهر الإسرائيلية للفلسطينيين وإمعانها في الانزياح نحو اليمين العنصريّ، يضغط على الكلّ الفلسطينيّ، وكان ليجد ربما ترجمةً له في صندوق الاقتراع، يعيد تشكيل قاعدة إجماعٍ وطنيّ على فعلٍ مقاوم. وهذا خطرٌ تراه إسرائيل ممكناً، تستدل عليه من الدعم الذي تلقاه نضالات الأسرى والعابر لفلسطين التاريخيّة، كما في حركات التضامن الدوليّ، وفي مقدمتها حركة BDS (مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وإنزال العقوبات عليها). من البديهيّ جداً خلق حالةٍ من الإجماع تتصدّى للاحتلال، لا تكون مؤقتة ومنفعلة كتلك التي تنشأ خلال الحروب التي تشنها إسرائيل على غزّة، وفي الأيام القليلة التالية لكلّ حرب. فالشارع الفلسطينيّ في الضفّة خصوصاً، كان ينفعل ويشكّل لجانا وحملات لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية تضامناً مع غزّة، فيظهر جلياً خلو الأسواق الفلسطينيّة من المنتج الإسرائيلي الذي ما يلبث أن يتسلل عائداً إلى هذه الأسواق، بسبب غياب إستراتيجيةٍ وطنيةٍ واضحة، واقتصار المقاطعة على ردّ الفعل العاطفيّ. لذلك، لا يدور الحديث هنا عن انتخاباتٍ، بغض النظر عمّا إذا كانت بلديّة أو عامّة طبيعية، كحالها في دولةٍ طبيعية. هنا، يدور الحديث عن انتخاباتٍ لشعبٍ تحت احتلالٍ منذ نحو سبعين عاماً، وسلطته منقسمة. فالانتخابات، عدا خدمتها المسار الديموقراطيّ للشعب الفلسطينيّ، يجب أن تخدم بصورةٍ قاطعة الأهداف التحرّرية للشعب الفلسطينيّ. فهذه الأهداف وحدها تتيح الوصول إلى حالةٍ طبيعيّة تكون فيها الانتخابات جزءاً من الممارسة السياسيّة.
إن الانقسام الفلسطيني وتعدّد الأجندات والرؤى وتعطّل النظام السياسيّ بمؤسساته المختلفة، سواء مؤسسات السلطة أو مؤسسات «منظمة التحرير» وهيئاتها، أسهمت بصورةٍ كبيرة في تعطيل الانتخابات المحلية، ومنع بصورةٍ قاطعة إجراء الانتخابات العامّة.
بكل تأكيد، إسرائيل ستمنع الانتخابات الفلسطينيّة، أو ستعطلها، وربما تنغصّ عليها فقط. لكن إجماعاً فلسطينياً على ضرورة تنظيمها يستند إلى ميثاق شرفٍ يقضي باحترام نتائجها. الفائز، لا يحق له الاستفراد بالقرارات المصيرية. والخاسر، يؤدي دور المعارضة الملتزمة. ميثاقٌ كهذا يقرّب الأطراف المنقسمة من إيجاد حلولٍ وآلياتٍ لإنهاء الانقسام، حتى لو لم تجرِ الانتخابات نفسها. فالانتخابات تبقى الأداة التي يوظّفها أيّ مجتمعٍ لتحسين حياته اليومية وتقرير مصيره، ولم تكن يوماً الغاية بحدّ ذاتها.