| 

عشر سنواتٍ عجاف لم تشهد فلسطين خلالها إجراء أيّ انتخاباتٍ على المستوى الوطنيّ. فعانى الشباب خلالها من تحكّم أعضاء الأحزاب السياسية البالغين من العمر دهراً في جميع نواحي الحياة، من دون إشراكهم في صنع القرار. ولذلك، لمّا تم الإعلان عن إجراء انتخابات الهيئات المحليّة (البلديّات) في قرار مجلس وزراء حكومة التوافق الفلسطينية في 3 أيار/ مايو الماضي، وتقرّر عقدها في 8 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، ارتأى الشباب الترشح بقوائم مستقلة علّها تمكّنهم من التغيير. ولكن، على عكس ما تشتهي سفنهم، أصدرت محكمة العدل العليا في 8 أيلول/ سبتمبر، قراراً بإرجاء الانتخابات مؤقتاً، فخابت آمالهم. ومع ذلك، تراهم اليوم يترقبون القرار النهائيّ بشأن قانونية إجراء الانتخابات (من المقرر أن يصدر في 21 الحالي). وإذ تشكّل شبابٌ مستقلون في قوائم وأنتجوا معايير للإدارة، فمن المفيد مقاربتهم للتعرّف إليهم وإلى أسبابهم أولاً، وقراءة ضغوط الواقع عبر ما يتخيّلونه من طموحات تغييرية تالياً.
وفقاً لإحصائيات اللجنة المركزية للانتخابات، بلغ عدد القوائم المستقلة 458 قائمة من أصل 860 قائمة، وبلغت نسبة مشاركة المرشحين من الفئة العمرية (25-35 عاماً) 31 في المئة، بينما وصلت نسبة مشاركة المرشحين (36-45 عاماً) إلى 29 في المئة. أما مرشحو الفئة العمرية (46-55 عاماً) فجاءت بنسبتهم 25 في المئة، والمرشحون فوق 55 عاماً بلغت نسبتهم 15 في المئة. تصدّرت محافظة سلفيت النسبة الأعلى في مشاركة المرشحين الشباب (25-35) إذ بلغت حوالي 24 في المئة، وأدناها سجّلت في محافظة القدس بنسبة 21 في المئة.
ويرى الناطق الإعلامي باسم لجنة الانتخابات فريد طعم الله، أن نسبة مشاركة الشباب «ممتازة، وتعبّر عن رغبة الشباب الحقيقة في التغيير وصنع القرار»، مؤكداً أن قرار عقدها وإلغائها لا يقع على عاتقهم. ولكن، أبدى طعم الله استياءه من نسبة مشاركة المرأة في القوائم بشكل عام. إذ إن القوائم التزمت فقط بالحد الأدنى لمشاركتهن وفق القانون الذي يشترط وجود المرأة بنسبة 20 في المئة من القائمة. فبلغت نسبة النساء المرشحات 26 في المئة.
الجسم المساند
ينظر الناشط الشاب والداعي الأبرز لمشاركة الشباب في الانتخابات محمد حسنة بإيجابيةٍ إلى هذا الواقع، علماً أنه شكّل برفقة عددٍ من الشباب جسماً مسانداً للقوائم الشبابية المستقلة، يدعمونها بالخبرات والمعلومات وأساليب الدعاية المؤثرة على الصعيدين العاطفي والعقلي.
وحول أسباب دعمه، يؤكد حسنة أنه والشباب «نحاول منذ العام 2010 اختراق دائرة صناعة القرار السياسيّ الفلسطينيّ، ووجدنا في العملية الانتخابية فرصة لبدء تمكين الشباب من صنع القرار عبر دعوة الفصائل إلى تمثيلهم بشكل جيد في قوائمها، إلى جانب تشكيل الشباب قوائم مستقلة تكون فرصة تأهيلية أولى لما قد تتمخض عنه انتخاباتٌ تشريعية لاحقة».
يجد أن «نظام التمثيل النسبي يمنع الاكتساح، ولكنه في الوقت نفسه يعتمد على ترتيب المرشحين في القائمة. وللأسف، أغلب القوائم الحزبية وضعت أكبرهم سناً في أعلى القائمة، وأخشى أن يفوز بتشكيل مجالس البلدية جيلٌ ما قبل النكبة»، على لسان حسنة.
ويخشى حسنة أن يتبع قرار التأجيل قرارٌ بالإلغاء يمنع الشباب من تحقيق حلمٍ بالمشاركة في الانتخابات، وتقلّد مناصب ما زالت حكراً على كبار السن.
ويرجّح حسنة تهميش دور الشباب في المجتمع إلى «الحزبية التي تحكم زمام الوطن، وعدم إيمان بعض الشــباب بقدراتهم، والتنافس المذموم بينهم، إذ يسعى كل منهم إلى النجاح وإقصاء الآخرين».
«شباب البلد»
قائمة «شباب البلد» هي واحدة من القوائم الشبابية التي أعلنت ترشّحها في بلدية غزّة، وهي أكبر بلديات قطاع غزّة لجهة المساحة وعدد السكان. تشكّلت القائمة من 8 أعضاء، وضمّت سيدتين جاء ترتيبهما في المرتبتين الخامسة والسادسة.
برنامجهم الانتخابي يندرج في أربعة محاور، وهي: تطوير خدمات بلدية غزة عبر وضع خططٍ واقعية قابلة للتطبيق، بحيث تسهّل على الجمهور التعامل معها، التنمية البيئية، التطوير العمراني عبر تنسيق الشكل المعماريّ لأبنية المدينة، وأخيراً التنمية الاقتصادية.
يشرح نائب رئيس قائمة «شباب البلد» محمد دلول لـ«السفير» أن «قرارنا خوض الانتخابات كان خطوةً أولى لتشكيل لوبي ضاغط لتغيير الوضع القائم. إن تأجيل الانتخابات أو إلغائها لن يثني عزيمتنا ومحاولاتنا الدائمة لأن ننضم إلى ساحة القرار الفلسطيني». وعبّر دلول عن خيبة أمله من قرار المحكمة، آملاً أن يكون قرارها النهائيّ هو عقد الانتخابات وليس إلغاءها: «في حال إلغاء الانتخابات، سنطرح أفكارنا وبرنامجنا الانتخابي على المجلس البلدي الحالي، لكون مشاركتنا بالأساس هدفها التغيير».
وأكّد دلول أنهم تقدموا بطلبٍ إلى محكمة العدل العليا لأن تعتبرهم طرفاً في طلب قدّمته ثلاث قوائم منسوبة لحركة «فتح»، يطعن في شرعية الوضع الإداري والقانوني في قطاع غزة، قررت المحكمة إثره تأجيل الانتخابات، إلى جانب أسباب أخرى. وبيّن أنه في حال قبلت المحكمة طلبهم هذا، سيدلون بدلائل وبينات تثبت خلاف تلك التي تقدمت بها القوائم الثلاث: «الأحزاب السياسية تلعب بالمشهد الفلسطيني وفق مصالحها، وهي التي تمتلك موازين القوى»، يقول دلول.
وعن أسباب مشاركتهم في الترشح للانتخابات، يرجع دلول السبب إلى «تهميش دور الشباب ومحاولة تأطيره من قبل الأحزاب السياسية، لكي يخدم مصالح الحزب».
عمل «شباب البلد» على تشكيل قائمتهم الانتخابية بعدما أعلنت الحكومة عقد الانتخابات في موعدها، فتبنّوا «معايير عدة تمكنّا من المنافسة ومواجهة القوائم الحزبية». المعايير المذكورة تدلّ على الإحباط السائد، إذ تشترط مثلاً، وفق دلول، أن يتراوح عمر المرشح ما بين (25 و35 عاماً)، وألا يكون منتمياً لأيّ حزبٍ سياسيّ، ويمتلك قصة نجاح إلى جانب درايته بالجانبين الإداري والخـدمي للبلدية.
«شبابنا للتنمية»
قدّمت قائمة «شبابنا للتنمية» طلب ترشّح في بلــــدية بيت حانون في شمال قطاع غزّة. تشكّلت من 13 عضواً، وضمت ثلاث سيدات جــــاء ترتيبهن في المراتب الخامسة والسابعة والعاشرة.
ويشرح مدير الحملة الانتخابية للقائمة فادي الشيخ يوسف لـ «السفير» أن سبب ترشّحهم هو التشرذم السياسيّ وعدم إشراكهم من قبل صنّاع القرار حتى في الأفكار التنموية والريادية، «ونحن أولى الناس بها». كما أنهم يؤمنون كشباب مستقلين بقدرتهم على التغيير وتقلّد المناصب بكفاءة عالية.
ويؤكد الشيخ يوسف أن قائمتهم تسعى لتطوير البلدية بشكلٍ جماعي وتعاوني، من دون إقصاء أي فئة من فئات المجتمع.
ويوضح أنهم اختاروا أعضاء قائمتهم بناء على مروحة محددة من العمر (25-35 سنة أيضاً)، لافتاً إلى أن سبب اختيارهم بلدية بيت حانون للمنافسة أتى لكونها منطقة نائية تسهل السيطرة عليها.
وحول برنامجهم الانتخابي، يشرح الشيخ يوسف: «برنامجنا يراعي الــــذوق العام، ويرتـــكز على إشراك الشباب في معالجة المشاكل وتقديم الاقتراحات، بالإضافة إلى استخدام الجانب التكنولوجي في الخدمات التي تقدمها البلدية».
ويبين الشيخ يوسف أن تأجيل الانتخابات سيكون قتلاً لفكرة لم تولد بعد، مؤكداً أنهم يترشحون ليحركوا المياه الراكدة ويرتبوا البيت الفلسطيني، وما زالت القائمة تراهن على الاستمرار بانتظار القرار النهائي للمحكمة: «ولكن نشاط الشباب لم ولن يقتصر فقط على الانتخابات. القرار مسيّس، ولم نتوقعه، والمعادلة الانتخابية إن لم تخدم مصالح الاحزاب السياسية فلن تتم، والأسباب التي أدلت بها المحكمة العليا كسبب للتأجيل ليست منطقية».