| 

تختلف العطلة الصيفية لطلاب غزّة تماماً عن العطل الصيفية لنظرائهم في باقي دول العالم. فما أن ينتهي عامهم الدراسي في المدينة المحاصرة، حتى تستوعبهم المخيمات الصيفية التابعة للأحزاب بما فيها من برامج وسياسات، بقصد تنظيمهم في صفوفها وتهيئتهم لأفكارها. فتهتم إدارة كل مخيم بتقديم أفكار تنظيمها عبر استخدام مسابقات ومحاضرات وعروض مرئية وغيرها من الوسائل التي يفترض أن تترك تأثيراً على طلاب المخيم.
ولكن، قد تكون هذه المخيمات - بما فيها من أدلجة الأطفال مبكراً - الخيار الأفضل المتاح في صيف طلاب غزّة. ففي مقابلها، تضطر نسبة غير بسيطة منهم على استغلال العطلة في تعلّم حرفة أو مزاولة مهنة بدنية، في ظل ما تعيشه غزة من أوضاع اقتصادية جعلت الفقر السمة السائدة لسكانها.
مَن «يخيّم» في غزّة؟
تبدأ العطلة الصيفية وتبدأ معها مخيمات الفصائل باختلاف توجّهاتها. فأقامت «حركة حماس» هذا العام عدداً من المخيّمات الصيفية بدأتها بمخيمات «انتفاضة القدس» للمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية. «تخيّم» كلّ مرحلة على حدة، بينما يتولى الإشراف على المخيمات الإطار الطلابيّ في الحركة باسم «الكتلة الإسلامية». وتأتي مخيمات «انتفاضة القدس» بالإضافة إلى مخيماتٍ عسكريةٍ باسم «طلائع التحرير» خاصة بالمرحلتين الإعدادية والثانوية وأعلى، ومخيماتٍ خاصة بالمتفوقين لكلّ المراحل. إلى ذلك، تعقد «حماس» أيضاً مخيمات تحفيظ القرآن الكريم.
خارج «حماس»، اكتفت «حركة الجهاد الاسلامي» هذا العام بإقامة مخيم «القدس قبلتنا» الذي شهد مشاركة 5000 مشارك. ومن جهتها، أقامت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في العام الماضي مخيم «طلائع العودة» على أرض الكتيبة في مدينة غزة، وشارك فيه ما يقارب الألف فتى وعشرات الفتيات. أما «حركة فتح» فلا تمارس مثل هذه النشاطات في قطاع غزة، نظراً لسيطرة «حماس» على القطاع وغياب قيادة «فتح» عنه، ولكنها تأخذ كامل الحريّة في إقامة مخيماتها في الضفّة الغربية.
نهج الحزب هو نهج المخيّم
بطبيعة الحال، تنعكس مبادئ وسياسة الحركة على المخيم الذي تنظمه. فيتلقى الطالب نوعاً من التطبيق المصغّر للحياة داخل الحزب، وما يستلزمه ذلك من انضباط وسمع وطاعة. هنا، تختلف المخيمات الحزبية بعضها عن بعض. فعلى سبيل المثال، تمكن مقارنة جدول نشاطات مخيم حركة «حماس» الموصوف بـ «الترفيهي» لطلاب المرحلة الإعدادية في غزة مع مخيم لحركة «فتح» يستهدف الشريحة ذاتها في الضفة. تبدأ المخيمات التابعة لـ «حماس» يومها بتلاوة قرآن، ثم تتنوّع الفقرات بين دورات في الخطابة، ومحاضرات أمنية عن وسائل تجنيد العملاء للعدو، وطرق التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، وفقرات رياضية، ودروس دينية، وعروض مرئية عن حياة شهداء، ومحاضرات عن استخدام السلاح. أما الحال في مخيم حركة «فتح» فمغاير تماماً، حيث يبدأ المخيم بالسلام الوطني الفلسطيني، ثم تتنوّع الفقرات بين مسابقات ثقافية، ومحاضرة عن تأثير المقاومة الشعبية السلمية، وفقرة دبكة وتراث، وفقرة غناء، وعروض كوميدية، ومسابقات فنية.
تظهر المقارنة بين جدولي المخيمين الوظيفة الأساسية للمخيمات بحسب نهج الحزب الذي ينظمها. فحركة «حماس» ذات الفكر الإسلامي، والتي تتخذ من الكفاح المسلح أساساً لحل القضية الفلسطينية، تترجم أفكارها عبر مخيماتها بتكثيف كلّ ما يخص المقاومة والدين. ويأتي ذلك على خلاف الحال في حركة «فتح»، ذات الفكر الأكثر ميلاً للعلمانية، والتي تتبنّى فكر المقاومة السلمية والشعبية.
يشرح المرشد النفسي محمد الحواجيري أن الأحزاب تستهدف الطلاب في هذا السن، الذي يعتبر مرحلة انتقالية في حياتهم: «وهي المرحلة التي تعد الأكثر تأثيراً بطريقة تفكيرهم وميولهم». ويحدّد في ذلك مشكلة، أثناء حديثه لـ «السفير»: «إن إقبال الطلاب على هذه المخيمات يسبّب إشكالاً تربوياً. إذ تقسم الطلاب منذ صغرهم إلى «فتحاوي» و «حمساوي»، مع ما يترتب على ذلك من سلوكٍ عدائي بينهم. فحتى في تكوين صداقاتهم في السن الصغيرة، أصرّ المعيار الحزبي على أن يكون حاضراً».
تعتبر هذه المخيمات الخطوة الأولى في تنظيم الجيل الناشئ، إذ تتبعها خطوات لتنظيم هؤلاء الطلّاب. فيعمل القائمون على المخيم على ربطهم بالتنظيم، بعد انتهاء المخيم مباشرة. ويحوي كلّ تنظيم «حاضنات» للمنتسبين الجدد، تؤهلهم للدخول فيه. فتعتبر المساجد المراكز الحزبية للحركات الإسلامية كحركتي «حماس» و «الجهاد الإسلامي». إذ يُدمج المنتسبون في أسرٍ تربوية داخل المسجد، قبل دخول التنظيم. أما الحركات اليسارية والوطنية فهي تمتلك مراكز ثقافية وحركية تقوم بأداء مثل هذا الدور.
«طلائع التحرير»: الإغراء العسكريّ للفتيان
يعتبر «طلائع التحرير» المخيم الأكثر شعبية في قطاع غزة، حيث إن مجرّد كون هذا المخيم عسكرياً يجعله كفيلاً بإقبال كبير من الفتيان، على اختلاف ميولهم الحزبية، في مجتمعٍ يحتل فيه السلاح حيزاً كبيراً من الواقع. ويتلقى الملتحقون بهذه المخيمات تدريبات عسكرية، مثل الرماية بالذخيرة الحية، والمهارات الكشفية، ومحاضرات أمنية، بالإضافة إلى دورات في الدفاع المدني والإسعافات الأولية.
زارت «السفير» أحد هذه المخيمات الكائنة في المنطقة الوسطى من قطاع غزّة، حيث أقيم المخيم في أرضٍ خالية أحيطت بسواتر ترابية، علاوة على أنه تم تزويد المخيم بتجهيزات تناسب التدريبات.
يلفت الوافدين ترديد المشاركين في المخيم للشعارات الحماسية في أثناء قيامهم بالتدريبات، التي يشرف عليها عدد من مقاتلي «كتائب القسّام».
التقت «السفير» بعبد الله زيادة (15 عاماً)، أحد الفتية المشاركين في هذا المخيم، وقد بدت عليه علامات الإرهاق، بعدما أنهى أحد تدريبات اللياقة. يصف عبد الله التجربة قائلاً: «نتعلم في هذا المخيم العديد من المهارات العسكرية والفنون القتالية وطرق استخدام السلاح والتعامل معه»، معرباً عن تقديره للمدربين الذين وصفهم بأنهم «أصحاب خبرة كبيرة في هذا المجال».
وعن سبب انضمامه للمخيم، قال عبد الله: «التحقت بهذا المخيم لرغبتي بأن أصبح مقاتلاً مثل مقاتلي «كتائب القسام» الذين يمثلون القدوة لي ولأغلبية الفتية في عمري، ومعظم أصدقائي بالدراسة التحقوا مثلي بهذا المخيم».
من ناحيته، شرح جمال (اسم مستعار) لـ «السفير»، وهو أحد المدربين في المخيم الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، أن المشاركين في المخيم «يتعلمون بعض التدريبات التي تمنحهم خلفية عن بعض المهارات العسكرية، وتتخلل التدريبات دروس وعظية ودورة إسعافات أولية»، مشدّداً على أن المحاضرات الأمنية تفيد الشباب في هذا العمر، لاسيما خلال تعاملهم مع شبكات التواصل الاجتماعيّ.
ونوّه «جمال» بأن الإقبال على الالتحاق بالمخيم أتى غير مسبوق، مشيراً إلى أن عائلات الذين التحقوا بالمخيم تتوزّع على انتماءاتٍ حزبية متباينة.