| 

تجيل أم بهاء زيود نظرها في باحة الدار بإمعان، كأنها تراجع تفاصيل كلّ زاوية منها. جالسة على كرسيها المنخفض تحت الشجرة الكبيرة التي تظلل مدخل البيت الريفي في أطراف قرية «تعنّك» غرب جنين، تقضي أم بهاء ساعات المساء، تراقب حفيدها محمد، ابن الأربع سنوات، يلعب حول البيت. يداها متقاطعتان فوق حضنها، تتنهد طويلاً، وتنادي محمد: «تعال عن الشارع يا ستي». الحرّ والرطوبة في تعنّك يذكّران بقرب البحر المتوسط، وبقرب حيفا، وبوهمية «الخط الأخضر» العابر فوق «شارع حيفا - جنين». الشارع ذاته الذي عاد منه القسّام إلى حيفا شهيداً، محاطاً بحشود من فلاحي مرج بن عامر، قبل ثمانين عاماً. كانت أم بهاء آنذاك طفلة، وكانت جنين مدينة ريفية صغيرة، تختلف كثيراً عن مركز المحافظة التي عمل فيها ابنها بهاء محامياً منذ تخرّجه من كلية الحقوق قبل ثمانية أعوام، إلى أن اعتقله الاحتلال من منزله، وحكمه بالسجن الإداري، الذي لا يزال يقبع فيه منذ عامين، بلا محاكمة، ولا تهمة واضحة، إلى أجل غير معروف.
بهاء زيود، ابن الثلاثين عاماً، هو واحد من 750 فلسطينياً يخوضون تجربة الاعتقال الإداري في سجون الاحتلال، بناء على «ملف سرّي» تقدّمه المخابرات إلى المحكمة الإسرائيلية، التي قد تجدّد اعتقال أي منهم لمدة قد تصل إلى ستة أشهر، عدد ما شاءت من المرات. بهاء يوشك على إنهاء مدة التجديد الرابعة لاعتقاله الإداري. وهي تجربة لا تقتصر على أسوار السجن. فعائلة الأسير تخوض الاعتقال معه ساعة بساعة، حيث انتظار المجهول يولّد صوراً من الكفاح الإنساني التي قلّما تطفو على السطح لتُرى في العلن.
كنت أصدّق، وأجلس أنتظره...
يركض محمد الصغير إلى حضن جدته ويلتحف منديلها بينما هي تروي: كانت ليلة شتاء عام 2014. صحوت من النوم مذعورة على صوت تحطيم باب دار بهاء، المحاذي لمنزل العائلة هذا. لم أعرف ماذا يحصل، حتى عبرت الدار في العتمة وأنا أدعو، ووقفت عند نافذة الصالون. أزحت طرف الستار لأنظر خارجاً، فرأيت الجنود الإسرائيليين بأعداد كبيرة يمشون فوق الطين، أمام الدار مباشرة. وعلى أضواء مصابيحهم شاهدت ابني بهاء مقيداً بيديه إلى الوراء، بلباس نومه، يجرّه جنديان ويجبرانه على الركوع فوق الطين. بعدها بدقائق، وضعوه في الشاحنة العسكرية وغادروا. بعد أيام على اعتقاله، عرفنا أنه في سجن عوفر، وأنه حُكم بالسجن الإداريّ.
أم محمد، زوجة بهاء، أردنية الأصل. ارتبطت به قبل ثلاث سنوات ونيف، وجاءت تسكن في تعنّك مع عائلة زوجها. ابنتها «رحيق» التي كانت على بعد شهر من أن ترى النور ليلة اعتقال والدها، لم تعرفه حتى بلغت شهرها السادس، حين تمكنت أم محمد من زيارة بهاء في السجن، لتدعه يرى رحيق للمرة الأولى. «لم أكن أعرف ما هو الاعتقال الإداري، ولم أعرف عن قرب أيّ تجربة اعتقال قبل زواجي من بهاء»، تشرح أم محمد، وهي تعدّل جلسة الطفلة فوق ركبتها. تمسح شعرها وتلف ذراعها حول جسمها الصغير. «لم أكن أتصور أن قصة الأسرى الفلسطينيين ستصير قصتي الخاصة، بل إنني لم أفهم هذه الحكاية حتى مرّ وقت على بدئها. فحين حطم الجنود الباب وأخذوا بهاء، ركضت إلى بيت أهله مع أطفالي مذعورة، فهدّأوني قائلين إنه سيعود في الصباح. كنت كلّ يوم أقلق وأبكي، فيقولون لي إنه سيعود غداً، أو بعد غد، وكنت أصدّق، وأجلس وأنتظر عودته، حتى فهمت معنى الاعتقال الإداري، وأن بهاء لن يعود بعد يوم أو يومين». تضحك أم بهاء وتسهب: «نحن أيضاً لم نعلم أنه سُجن إدارياً إلا بعد عدة أسابيع، عن طريق محامٍ زميل لبهاء، نقل لنا عن بهاء نفسه أن الضابط الإسرائيلي قال له عند اعتقاله: حكمناك بالإداري أمس، وجئنا نعتقلك اليوم». وتتابع: «عندما وصلني الخبر، شعرت بانهيار لم أحسه لحظة اعتقاله، لأنني أعرف جيداً أن الاعتقال الإداري يعني الدخول في المجهول». ينقلب ضحك أم بهاء شجناً إذ تنفعل: «أخذت أبكي كما لو أن ابني لن يعود أبداً، ورحت أغني وأولول: هاتولي قلم اكتب على جداري... ابني يا عالم انسجن إداري».
لكن لهفة الأم لم تقتصر على والدة بهاء. فمحمد الصغير بدأ يفتقد أباه ويسأل والدته عن غيابه: «في البداية، أريته صورة مكة المعلقة في الصالون، وقلت له إن أباه ذهب إلى مكة ليؤدي العمرة، وخيّل لي أنه صدّق. لكن، بعد أسبوعين، فاجأني بسؤاله: «ليش بابا أخذوه الجيش؟». ولم أعرف ماذا أجيب، لسبب بسيط هو أن لا نحن، ولا بهاء نفسه، نعرف سبب اعتقاله». وتضيف أم محمد: «أسئلة محمد بدأت تكثر مع الوقت، وتتعقد أيضاً. راح يسألني باستمرار: لماذا لا يضرب أبوه الجنود ويخرج من السجن؟ وحين قلت له إنه لا يستطيع لأن الجنود كثيرو العدد، قال بنبرة هادئة، لكن ثقيلة على نفسي: بابا مش قوي».
الأم والأب معاً
محمد يصغي بانتباه، ويفهم أن جدته ووالدته تتحدثان عن والده، فيركض إلى البيت، ثم يعود متحمساً يحمل صورة لبهاء. يبرزها بيديه الصغيرتين أمامه مستعرضاً إياها، ويهتف: «هذا بابا!». تروي أم بهاء أن حفيدها يحمل صورة والده معه وهو يلعب، وأنه يحتضنها عند النوم. وينكسر صوتها بالبكاء فجأة: «لكن عندما يلاعبه عمّه أو يشتري له الحلوى، تراه لا إرادياً يناديه بابا». من جانبها، فهمت أم محمد أهمية أن يلتقي ابنها بوالده كلما كان ذلك ممكناً، فصارت تسجل اسمها عند «الصليب الأحمر» كلما أعلن عن موعد لزيارات مرتقبة. «الزيارة بحد ذاتها تعذيب»، تقول أم محمد. نخرج باكراً بعد الفجر، ونصل السجن عند الظهر، ونتحمل إهانة التفتيش عدة مرات، كي نرى بهاء مدة 45 دقيقة. في إحدى المرات، استعددنا للزيارة قبل الموعد بثلاثة أشهر، وحين وصلنا السجن، منعوني من إدخال الأطفال إلى الزيارة، وكانوا قد أخبروا بهاء أن أطفاله قادمون لزيارته».
عند سؤالها عن أصعب ما في غياب زوجها، تجيب أم محمد بأنه «ضرورة أداء دور الأم والأب معاً. أتمالك نفسي في لحظات الضعف كي لا أبكي أمام الأطفال، وأحاول أن أشعرهم بالأمان ما استطعت. لكن محمد يفهم الأمور كل يوم أكثر من اليوم السابق، وتصرفاته تفاجئني أحياناً وتحرجني. في إحدى المرات، رأيته يمسك لعبة بلاستيكية على شكل إسرنج طبيب، ويتظاهر بأنه يحقن ذراعي. فسألته ماذا يفعل، فقال إنه يريد أن ينفخ عضلاتي كي أكون قوية مثل بابا». محمد يلاعب شقيقته وهو يحمل صورة والده، ثم يركض مبتعداً إلى دراجته. أمه تنظر إليه بصمت، ثم تعدّل جلسة رحيق من جديد فوق ركبتها، فيما تعلن بثبات: «هذه رسالتي، أن أحمل عبء الاعتقال مع زوجي، وألا أفكر بعد بالانتظار. يجب أن أكون أماً وأباً في آن واحد، ما لزم الأمر».
أصغر معتقل إداري
بلال في الثانية عشرة. يدخل إلى صالون البيت ويصافح الضيوف بحرارة، ثم يتخذ مجلسه بخجل إلى جانب والدته، ورود، التي تربت على كتفه مبتسمة وتهمس له بحزم «اقعد منيح». الصالون يمتلئ بدروع التقدير والأوسمة على شرف كلّ من حمزة، الأخ الأكبر لبلال وابن السادسة عشرة وأصغر معتقل إداري فلسطيني، ووالده، مؤيد شكري حماد، المحكوم بثلاثة مؤبدات في سجون الاحتلال منذ العام 2003. مؤيد كان مقاوماً خلال الانتفاضة الثانية، وأُسر بعد عملية عسكرية قُتل فيها ثلاثة جنود إسرائيليين. حمزة، ابنه الأكبر، كان رضيعاً آنذاك. وعندما بلغ الخامسة عشرة، صار بدوره معتقلاً، تحت حكم السجن الإداري.
«ليلة اعتقاله، كسر الجنود الباب، ودخلوا يصرخون»، تروي ورود: «فصلوا الأولاد، حبسوا بلال في الحمام، وحققوا معي ومع حمزة، ثم أخذوا حمزة. لم أكن مذعورة، لكن كنت قلقة. ودعته بهدوء وبابتسامة كي أرفع من معنوياته، ثم غادروا به». تقول ورود إن الاحتلال اعتاد اعتقال الأطفال في البلدة بسبب رمي الحجارة، لكنهم يفرجون عنهم بعد أيام، أو أسابيع. غير أن الصعقة الكبرى كانت حين أخبرها المحامي أن حمزة حُكم عليه بالسجن الإداري: «لم أتصور أن يحكموا طفلاً بعمره إدارياً. كانت تلك الضربة التي أوجعتني أكثر من الاعتقال نفسه، لكن تمالكت نفسي ولم أبيّن قلقي».
حمزة هو الابن الأوسط لورود ومؤيد. شقيقته تكبره بسنة، وبلال، الذي يصغره بأربع سنوات، كان رفيقه الأقرب: «كنا شركاء في كل شيء، أنا وأخي»، يروي حمزة: «كنا نذهب إلى المدرسة معاً، ونقضي الوقت معاً، وفي الشجارات نكون معاً. أفتقد اللعب معه في البيت، وحديثي معه وأسرارنا المتبادلة». يتشنج صوت بلال إذ ينفعل، ويتوقف عن الحديث، فتعقبه والدته: «حمزة كان قد بدأ يتحمل مسؤولية أكبر من سنة، وكان يساعدني في إدارة البيت. كان شريكي في أمور المنزل، ولم يهمل دراسته يوماً، ولا شغفه بتربية الحيوانات».
«اعتدت أن أمنع نفسي
عن التفكير في المستقبل»
تقول ورود إنها تعلمت كيف تملأ فراغ غياب فردٍ أساسيّ من الأسرة، وضبابية المستقبل الذي يفرضه الاعتقال، في آن واحد: «اعتدت أن أمنع نفسي عن التفكير في المستقبل. ببساطة أعيش مسؤوليتي في اللحظة الحالية، ثم أعيشها في اللحظة التالية، ثم التي تليها، لأن الأهم هو الاستمرار، والثبات». لكنها لا تخفي قلقها حين يتعلق الأمر بمستقبل حمزة: «أفكر في دراسته. كان مجتهداً جداً، وعلاماته عالية. لكنه تأخر سنة كاملة في الاعتقال الإداري، ولا ندري إن كانوا سيجددون اعتقاله من جديد».
غياب مؤيد، والد حمزة، فرض على ورود أن تكون أماً وحيدة لسنوات. تقول ورود إنها تعلمت خلالها ألا تنتظر مؤازرة أحد: «حياتنا في فلسطين تفرض علينا أن نكون أقوياء، ونعتمد على أنفسنا. هكذا ربيت حمزة وإخوته، ولهذا لا أقلق عليه». وتؤكد: «الاستمرار بالحياة هي أقوى وأهم رسالة نؤديها. نتكيف مع الواقع، نواجه صعوباته، ونمضي قدماً، لأن هذا بالذات هو ما يريد الاحتلال منعنا منه. يريد منعنا من أن نعيش».
الإصرار على الحياة، هو عنوان تحد يومي للاحتلال بالنسبة إلى ورود. تروي مثلاً أنه «عندما اعتقلوا حمزة، قال لي الضابط وهم يغادرون: احذري، فسينتهي الأمر بابنك هذا كأمر أبيه. فأجبته: أنا أعرف أن حمزة سيعود، وأن والده سيعود، وكل الأسرى سيعودون. فلا تعتقد أنك تخيفني».
التحدّي الوحيد بالإضراب
تجربة الاعتقال التي تجعل المستقبل مبهماً أمام الأسير وعائلته، وتثقل انتظار حرية غير معروفة الموعد، لا تكتمل صورتها إلا بانتهاء الاعتقال، وعودة الحياة إلى دورتها الطبيعية. فادي حمد، كان أحد الذين تحدوا الاعتقال الإداري بالإضراب المفتوح عن الطعام، وأحد الذين خرجوا إلى الحرية.
في شقته الصغيرة في بيرزيت، يتكئ فادي على كنبة جديدة، ملقياً ذراعه على طول الكنبة، ضاماً زوجته وابنتهما الرضيعة، ابنة التسعة أشهر. مشهد عائلة ملتئمة، انتظره فادي وزوجته طويلاً، حتى بان أنه لن يتحقق. فقد تأخر زفافهما أربع مرات بسبب التجديد المتكرر لاعتقاله الإداري، الذي بدأ في أيار عام 2010، وكان موعد الزفاف في تشرين الأول.
«تعارفنا في جامعة بيرزيت»، يقول فادي: «كنا معاً في عدة أعمال تطوعية، والتقينا فكرياً، ثم نشأت بيننا صداقة، ثم تقدمت رسمياً لخطبتها». وتروي زوجة فادي: «عندما عرفت فادي كنت أعرف أن له تجارب سابقة مع الاعتقال، وكنت أعرف أنني قد أشاركه تجربة أخرى اذا ارتبطت به، ولذا لم أتفاجأ حين اتصل بي الساعة الثالثة فجراً، ليخبرني أن الجيش الإسرائيلي في شقته لاعتقاله». وتضيف: «تعاملت مع الأمر بهدوء، ودعوت له بالفرج القريب، ثم ودعته. بعدها فكرت في تحضيراتنا للزواج، بالأثاث الذي اشتريناه معاً، بالبيت الذي كنا نعمل على تجهيزه، وفكرت كيف سأقضي مدة الانتظار».
كان فادي قد مر بزنازين السلطة الفلسطينية، ومن ثم بسجون الاحتلال عدة مرات، وحُكم سابقاً بتهمة العمل النقابي داخل الجامعة، والانتماء للكتلة الإسلامية فيها، وكان معتاداً على التحقيق، كما يقول. لكن عند اعتقاله الإداري لم يواجه أي تحقيق: «قال لي ضابط المخابرات إنني أنتمي لحماس، فأنكرت، فرد على الفور، حسناً، بسيطة، اذاً ستذهب إلى السجن الإداري، وأعادوني إلى الزنزانة».
«الحزن.. والرومانطيقية الغريبة»
«عرفت بعد أيام أنهم حكموا فادي بالسجن الإداري، ودخلت في دوامة المجهول»، توضح زوجته، «لكنني قررت عيش فترة خطوبتي كأي فتاة، كأن فادي لم يكن أسيراً أصلاً». وتؤكد: «في الواقع، زادني اعتقاله فخراً بارتباطي به، وتمسكاً بعلاقتنا». ويضيف فادي ضاحكاً: «الغياب قرّبنا أكثر بعضنا من بعض. لو عرف الإسرائيليون هذا الأثر للاعتقال الإداري لراجعوا أنفسهم فيه». زوجة فادي تهدهد طفلتها وتهز رأسها مبتسمة، موافقة على فكرة الدعابة، وتعقب عليها: « شعرت بانكسار ما عند أول تجديد للاعتقال. عند الثاني كان الأمر صعباً، لكنني عودت نفسي على فكرة أن الزفاف سيتم عندما يشاء الله له أن يتم، واستمررت بحياتي العادية».
غير أن فادي لم يعتد بالطريقة ذاتها على اعتقاله، بل رفضه، كما يقول، منذ لحظة إعلانه الضابط له: «لم أقم بأي نشاط حين اعتقلوني، فلم أعرف على ماذا ألقي لوم اعتقالي. رأيته أكثر من مجرد إجحاف. رأيته نزعاً لإنسانيتي. لا يمكن أن تمسك إنساناً وترميه في زنزانة من دون سبب إلى أجل مجهول. فقررت منذ اليوم الأول أن علي أن أقوم بشيء ما للاحتجاج. لكن القرار لم يكن فردياً، بل كان هناك نقاش جماعي داخل الحركة الأسيرة، دام عاماً كاملاً، حتى تم الاتفاق بين الجميع على الإضراب، وبدأنا التحضير له».
ويوضح فادي أن الإضراب عن الطعام تسبقه فترة توعوية وتحضيرية، يستعد فيها الأسرى لاحتمالات إضرابهم: «كنت أعرف منذ البداية أن خوض الإضراب المفتوح يعني تعريض حياتي للخطر، وكان لا بد من الاستعداد لآخر العواقب. في الأيام السابقة لبدء الإضراب، بدأنا نتناول السوائل فقط، لنعد أجسامنا للتحمل طويلاً، ثم بدأ الإضراب الفعلي بإرجاع وجبات الطعام، جماعياً».
دام إضراب الأسرى عام 2014 أكثر من 64 يوماً، تقول زوجة فادي إنها كانت «أصعب 64 يوماً علي في كل فترة اعتقاله. فقد كنت أتجاهل عمداً احتمال استشهاده، لكن الفكرة كانت تعود باستمرار». ويوضح فادي «أصعب ما في الإضراب هو الإرهاق، والأرق، والآلام، والدوار. لم أكن قادراً على الوقوف، وكنت أفكر باستمرار أن لحظتي الأخيرة قد تأتي في أي وقت». يعدّل فادي جلسته وتذبل ابتسامته تدريجياً حين يتحدث عن الإضراب، ويقول: «كان الشوق إلى الأهل في بداية الإضراب أكبر من العادة، خاصة عند التفكير أنني قد لا أعود لأراهم. لكن بشكل ما كنت أحوّل ذلك الشوق إلى دافع وقوة للإضراب. فكان واضحاً أن الإضراب هو الطريق الوحيد إلى الحرية والعودة إليهم».
حقق إضراب عام 2014 للأسرى الإداريين بعض المطالب الجزئية، وتوالت الأحداث بعده حتى تفجرت حرب غزة. أما فادي فقد عاد إلى الحرية بعد عام، وأتم زواجه، وصار رب أسرة. يقول فادي إن «أي اعتقال جديد الآن سيكون أصعب من الماضي، لأن الاعتقال أصعب على رب الأسرة والأب». يحكي فادي عن مشاهدته تجارب الأسرى الآباء حين شاركهم الزنزانة: «عرفت أسرى رأوا ابناً أو بنتاً للمرة الأولى في الزيارة. كانوا يعودون بعد الزيارة في حالة من الحزن والرومانطيقية الغريبة. كان أحدهم يستلقي ساعات وهو ينظر إلى صورة ابنه أو ابنته، ولا يقول شيئاً، بل يقبل الصورة من حين لآخر، وكان المشهد يفطر قلبي. لا أريد أن أمر بالتجربة ذاتها»، ثم يستدرك: «لكنه احتمالٌ واردٌ دائماً، وأنا مستعد له إن لزم». فتردف زوجته: «نحن مستعدون. هذا جزءٌ من حياتنا في فلسطين».