| 

للوهلة الأولى، تبدو وكأنها خليّة نحل، إذ لا صوت يصدر عنها سوى دوي آلات الخياطة التي تعلو على أصوات النساء. فكلّ امرأةٍ منهن تشدّ نحو إنجاز مهمتها، لتتمكن من تسليمها في الوقت المناسب، وتباشر بعدها بتنفيذ طلبيةٍ جديدة. وفي مواسم الأعياد، تنشط طلبات الزبائن الذين يفضلون تفصيل ملابسهم، بدلاً من شراء الملابس الجاهزة. خلية نحلٍ تنشط في مشغل الخياطة التعاوني.
يذكر أن نشأة التعاونيات في فلسطين تعود إلى بدايات القرن الماضي، إذ تم إصدار قانون الجمعيات التعاونية في العام 1933، خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين. وتسعى السيدات إلى إقامة تعاونيات خاصة بهن لتحسين أوضاعهن الاقتصادية وتفعيل دورهن في المجتمع.
3 أنماطٍ تعاونيّة
مقاطعة إحداهن عن عملها للاستخبار منها عن عملها تبدو وكأنها مهمة صعبة، إذ يبدين أنهن في سباقٍ حميمٍ حول من ستنتهي من تفصيل الأثواب التي بين يديها أولاً.
بعد انتظارٍ دام دقائق عدّة، سمحت أم محمد (45 عاماً) التي تعيل عائلتها المكوّنة من تسعة أفراد، بحديثٍ قصير مع "السفير": "بدأت العمل في التعاونيات النسويّة منذ أكثر من ثمانية أعوام مع جمعياتٍ مختلفة. ولي الآن ما يقارب خمس سنوات عمل في تعاونية ترعاها "جمعية المرأة العاملة" التي وفّرت لنا مشغل الخياطة".
حول عملها في التعاونية، توضح أم محمد أنها تعمل في مجال تفصيل الملابس وخياطتها للأعمار كافة، مبيّنة أن الطلب يزداد في مواسم المناسبات والأعياد، إذ يلجأ الكثير من المواطنين إلى تعاونيات الخياطة لكونها الأوفر سعراً، كما أن جودتها عالية وتنافس الملابس الجاهزة في السوق.
على الصعيد الشخصي، استطاعت أم محمد تنمية وضعها الاقتصادي وإعالة أفراد أسرتها وتوفير دخلٍ دائم لعائلتها، بعدما ضاقت بهم الحال لعدم مقدرة زوجها المقعد على العمل. كما استفادت من البرامج القانونية التي تلقتها، وأدركت من خلالها أهمية عمل المرأة في المجتمع: "نحن هنا في التعاونية كالأخوات، لا فرق بيننا، ونعيش جوّاً أسرياً بامتياز، نتقاسم العمل والأرباح، وهذا هو سبب نجاح أيّ تعاونية"، تقول أم محمد.
والتعاونية النسوية بمفهومها البسيط تعني مجموعةً من السيدات لهنّ هدف وغاية مشتركة وهي النهوض بشؤونهن الاقتصادية والاجتماعية، وفقاً لمبادئ التعاون والتشارك بينهن.
وعن التعاونيات النسوية في قطاع غزة، يقول منسق مشروع التمكين الاقتصادي للنساء في الإغاثة الزراعية، علي وافي لـ "السفير": "التعاونيات النسوية تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الأولى وهي المتعارف عليها دولياً وهي الجمعية التعاونية، وهي جمعية مرخصة من وزارة العمل وتخضع لقانون جمعيات التعاون في فلسطين. الثانية هي النوادي النسوية، وتحصل على ترخيص من وزارة الداخلية. أما الثالثة فهي التعاونيات النسوية الفردية".
وعن الفروق بين الأنواع الثلاثة، شرح وافي لـ "السفير" أن الجمعية هي عبارة عن تجمّعٍ قائم على أساس فكرة العمل التعاوني بين عضوات الجمعية، وهن يُساهمن أيضاً في تلبية احتياجات جمعيتهن. أما النادي فهو تجمّعٌ تذهب النساء إليه ليتدرّبن أو يتعلّمن في مجال محدّد، وفق اختصاص النادي، ولا تكون هناك مساهمة منهن، ولكنه يعود عليهن بالنفع المادي. أما النوع الثالث الفردي من التعاونيات فهو يقوم على مجموعةٍ من النساء، شكّلن بأنفسهنّ تعاونية، وهي أشبه بالمشاريع الصغيرة.
بدأ العمل في مشروع التعاونية الحالي في بداية شهر فبراير/ شباط الماضي، وسيستمر حتى نهاية أغسطس/ آب، بدعمٍ من "الوكالة الألمانية للتنمية" (GIZ).
وقد استهدف المشروع 72 سيدة يعملن في 3 جمعيات نسوية تعاونية في مجال التصنيع الغذائي في قطاع غزة، من خلال دعمهنّ بالأجهزة والمعدات ومستلزمات الإنتاج لضمان استمرار عملهن. كما حصلن على تدريبات متنوّعة في مجال التنمية والتسويق وتطوير خطوط الإنتاج، إذ قامت "الإغاثة" بتسوية أوضاعهن القانونية من خلال إكمال إجراءات تراخيص البلدية وتسجيل منتجاتهن في وزارة الاقتصاد الوطني.
كف تنمو؟
عدد التعاونيات المسجلة في مجال التصنيع الغذائي في وزارة العمل يبلغ خمس تعاونيات فقط. وقد اختارت هذه التعاونية مجال التصنيع الغذائي، لكونه لا يتطلّب تخصصاً طارئاً، كما أن دراسة السوق أكّدت جدواه اقتصادياً للنساء، إذ إن الإقبال عليه أكثر من المجالات الأخرى.
وتوضح استشارية التعاونيات النسوية في قطاع غزة ليلى أبو ندى أنه قد تمّ إنشاء خمس تعاونيات في محافظات قطاع غزة بواقع 10-13 سيدة في كلّ تعاونية، وتنوّعت مجالات هذه التعاونيات كتربية الأغنام، والصناعات الغذائية، والتطريز ومشاغل الخياطة اليدوية. تشير إلى أن اختيار السيدات خضع لمعايير محددة: "المعايير تمثلت في اختيار الفئات المهمّشة من السيدات المقيمات في المناطق الحدودية، اللواتي ليس لهن أيّ معيل، ويزيد عدد أفراد أسرهن عن سبعة أفراد، إلى جانب مراعاة إيمانهن بفكرة التعاون".
وتؤكد أبو ندى أن النساء تلقين دورات في التسويق والإدارة، بالإضافة إلى توعيتهن قانونياً قبل البدء بالمشروع، لافتة إلى أنه قد تمّ التعاقد مع محال وجمعيات عدّة لترويج منتجاتهن، كما المشاركة في المعارض التجارية.
وتقول أبو ندى: "نجدد بشكلٍ سنويّ الأجهزة والمعدات اللازمة لتوسعة إنتاجهن ونتابع عملهن أسبوعياً، لكننا لا نتدخل بالعائد المادي". ووفق ما تفيد، فإن التعاونيات النسوية تواجه معيقات تتعلق بتسويق منتجاتها إلى جانب نقص التمويل وتوفير مواد الخام.
ويلفت هنا المحلل الاقتصادي إبراهيم أبو عيشة "السفير" إلى أن التحديات التي تواجه التعاونيات النسوية تتمثّل في ضعف ثقافة التعاون في أوساط المجتمع، وتدنّي الوعي حول فوائدها والإلمام بآليات تطبيقها، إلى جانب ضعف البيئة القانونية المساندة للعمل التعاوني، ونقص توفير الدعم والتدريب لتنظيم الأمور المالية والمحاسبية والإدارية، ناهيك عن عدم نشر قصص النجاحات التي حققتها بعض هذه التعاونيات لتكون حافزاً وإلهاماً لسواها.
وحول تحسين وضع التعاونيات بشكلٍ عام، ينصح أبو عيشة بالاستفادة من تجارب الدول الأخرى، خاصة من ناحية القوانين التي تنظّم العمل التعاونيّ، والاستثمار بشكلٍ أكبر في المجال التعاونيّ، علاوة على تطبيق نماذج من الحركة التعاونية العالمية والاستفادة من تجاربها، والبحث عن أنشطة وقطاعات جديدة يمكن تأسيس التعاونيات فيها كالتأمين والمصارف والمهن والحرف اليدوية.