| 

ينشغل إسرائيليون في وضع اللمسات الأخيرة على نحو 20 شقة استيطانية إسرائيلية جديدة في قلب حيّ الشيخ الجرح في القدس الشرقية. ومن خلف سياجٍ حديديّ يحيط بالمكان، يظهر مبنى قديمٌ تمّ تحطيم أحد جوانبه.
المبنى القديم كان في أحد الأيام منزل مفتي القدس الأسبق الحاج أمين الحسيني. أما الأرض التي أقيمت عليها الوحدات الاستيطانية فكانت حديقة المنزل. ومع استكمال عملية البناء، فإن بلدية القدس الغربية تخطط الآن لتوسيع الشارع المقابل للأرض.
في الشارع المقابل، يقع ما يعرفه المقدسيون باسم «كرم المفتي»، وهي أرض مزروعة بالأشجار، خاصة الزيتون، يدّعي المستوطنون امتلاكهم لها. ولكن رجل الأعمال الفلسطيني المقدسي سامي أبو ديه ينفي هذه المزاعم ويدافع عن ملكيته للأرض في المحاكم الإسرائيلية.
يذكر أنه قد تم إطلاق اسم «المفتي» على الكرم نسبةً إلى الحاج الحسيني، رغم أنه لم يمتلكه.
انتقام من منزله الذي لم يسكن فيه
طبقاً لقرار بلدية القدس الغربية، سيتم اقتطاع أجزاء من «كرم المفتي» بعمق 10 أمتار من أجل توسيع الشارع لصالح المستوطنين المتوقع انتقالهم إلى البؤرة الاستيطانية الجديدة.
وشرح وزير شؤون القدس ومحافظ المدينة عدنان الحسيني لـ «السفير» أن «الحاج أمين توفي، ولكن له عائلة. وهذا منزله الذي لم يسكن فيه أصلاً، فقد كان ملاحقاً من قبل الإنكليز واليهود، وكان يجول العالم من أجل تجنيد الدعم للقضية الفلسطينية».
وأضاف: «القرار بالبناء الاستيطاني على الأرض هو قرار سياسي بامتياز من أجل الانتقام من شخص أحبّ بلده، وما كان ينبغي العبث بمنزل الحاج أمين بهذه الطريقة».
يذكر أن منزل الحاج أمين الحسيني يلاصق مقرّ القنصلية البريطانية العامة في القدس.
وتستحضر حركة «السلام الآن» الإسرائيلية اليسارية المختصة بمتابعة الاستيطان السياق بالعودة إلى «سنوات الثمانينيات، لما كان العقار تحت مسؤولية حارس أملاك الغائبين، وتمّ بيع الأرض لشركة يملكها المليونير الأميركي ايرفينغ موسكوفيتش الذي قام على مدى سنوات بتمويل نشاطات المستوطنين اليمينين الإسرائيليين في القدس الشرقية، مع التركيز على البلدة القديمة ومحيطها».
وفي هذا الصدد، مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية حدّد خليل التفكجي لـ «السفير» أنه في العام 1967، كان منزل الحاج أمين «يعتبر مبنى تاريخياً، ولكن إسرائيل أعلنت عنه كأملاك غائبين، رغم وجود ورثة له. إسرائيل أرادت بذلك أن تنتقم من الحاج أمين، ومن كلّ ما يتعلق بتاريخه».
وأضاف التفكجي: «حتى ما يطلق عليه اسم «كرم المفتي»، وهي أرض قريبة من المنزل، تم الإعلان خلال شهر حزيران الماضي عن اقتطاع أجزاء منها لتوسيع الشارع لصالح المستوطنين الجدد. وبالمناسبة، هي ليست ملكاً للمفتي ولكن لكونها تحمل هذا الإسم، تم تسريبها لجماعات المستوطنين بطريقة غير مشروعة، حيث تتنازع هذه الجماعات الملكية مع صاحب الأرض في المحاكم».
يوضح «الائتلاف الأهلي للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في القدس» أن منزل الحاج الحسيني أقيم في الثلاثينيات، وقد وقع مع فندق «شبرد» في العام 1967 تحت السيطرة الإسرائيلية: «في العام 1985، تم تسريبه إلى جماعة استيطانية. في تموز 2009، صادقت اللجنة المحلية للتخطيط في بلدية القدس الغربية على هدم الفندق».
وفي العام 2010، تم إعطاء الضوء الأخضر للمشروع الاستيطاني. وفي العام 2011، استكملت الجرافات الثقيلة هدم فندق «شبرد» الواقع على الأرض، وتمّ الشروع ببناء الوحدات الاستيطانية.
وقال التفكجي: «القرار آنذاك كان بإقامة 32 وحدة استيطانية على الأرض، وتم استكمال بناء أكثر من 20 وحدة منها. وتستعد جماعات استيطانية للانتقال إلى هذه الشقق».
بدوره، قال الحسيني: «تم التلاعب من أجل تسريب الأرض للمستوطنين، والآن، تم بناء مجموعة من الشقق الاستيطانية. أما بيت الحاج أمين نفسه فقد بقي، ويقولون إنهم سيحوّلونه إلى متحفٍ من غير الواضح ما هي أهدافه».
ويشير التفكجي إلى أنه «حتى الآن، لم يتم الإعلان رسمياً عن ماهية استخدام منزل الحاج أمين. فهو مبنى تاريخي يمنع هدمه، ولكنه الآن سيلاصق البؤرة الجديدة التي تمت إقامتها في المكان».
الحسيني، نتنياهو، وموسكوفتش
ولد الحاج أمين الحسيني في القدس في العام 1895، وتلقى تعليمه في المدينة. درس الدعوة والإرشاد في القاهرة، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية في اسطنبول.
لاحقه البريطانيون الذين كانوا يفرضون الانتداب على فلسطين، فتنقّل في العالم بين الأردن ولبنان والعراق وتركيا وألمانيا وسوريا، حتى توفي في العاصمة اللبنانية بيروت في العام 1974، ودفن في مقابر الشهداء فيها.
خلال فترات وجوده المتقطعة في فلسطين، تولّى منصب المفتي العام للقدس في العام 1921، وأنشأ «المجلس الإسلامي الأعلى لفلسطين» في العام 1922، وترأس «الهيئة العربية العليا لفلسطين» في العام 1946. ولاحقاً، ترأس المؤتمر الوطني الفلسطيني الذي تأسس في العام 1948 وأعلن حكومة عموم فلسطين.
وكان الحسيني قد أدّى فريضة الحج مع والدته، وهو في عمر 15 عاماً، فاكتسب لقب الحاج.
مؤخراً، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحاج أمين الحسيني بتحريض الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر على قتل اليهود حرقاً. ووصف نتنياهو في المؤتمر السنوي 37 للصهيونية في القدس الغربية في أواخر العام 2015، حواراً يلامس الخيال ما بين الحسيني وهتلر، يبدأ من أن الحاج أمين الحسيني «سافر جواً إلى برلين. فهتلر لم يكن يريد إبادة اليهود في ذلك الوقت، لقــــد أراد طردهم، والحاج أمين الحسيني توجّه إلى هتــــلر بالقــــول: إذا أبعـــــدتهم، فإنهم ســـــيأتون إلى هنا (أي فلسطين). فسأله هتلر: إذاً، مــــاذا ينبغي عليّ أن أفعل بهم؟ فردّ المفتي: احرقهم».
آنذاك، قال أمين سر اللجنة التنفيذية لـ «منظمة التحرير الفلسطينية» د.صائب عريقات إن أحقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على الشعب الفلسطيني وصلت لدرجة إعطاء شهادة براءة لأدولف هتلر ومحاولات إلقاء تهمة الهولوكوست على الشعب الفلسطيني. وقال: «إن أنصاف الحقائق والتلاعب بالحقائق التاريخية والاعتماد على اختراع الماضي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من سياسات نتنياهو وممارساته. ولكن إنكار الحقائق لا ينفي وجودها، مهما كان عمق التلاعب والأكاذيب وأنصاف الحقائق».
تجدر الإشارة ختاماً إلى أن المليونير اليهودي ـ الأميركي وعرّاب الاستيطان في القدس الشرقية إيرفينغ موسكوفتش لم يتمكن من رؤية البؤرة الاستيطانية التي مولها مسكونة بالمستوطنين. ففي السادس عشر من حزيران /يونيو 2016 توفي في الولايات المتحدة الأميركية، وتمّ دفنه في مقبرة اليهود جبل الزيتون في القدس الشرقية.
ورأى عندنان الحسيني بأن السلطات الإسرائيلية تتعمّد العبث في ممتلكات الحاج الحسيني وقال «إذ كان من الممكن أن يحول لصالح مشروع أبناء المدينة الفلسطينيين وليس للمستوطنين ولكنهم لا يستمعون إلى لغة العقل وإنما يتصرفون بلغة القوة والبلطجة. وهذا لا يؤدي إلى سلام ولكنه ينم عن نيات سيئة نحو الفلسطينيين، إلا أن الفلسطينيين في نهاية الأمر هم أصحاب أرض وسيحافظون على وجودهم ووطنهم مهما فعل الإسرائيليون».