| 

كان يحمل مظلّته طيلة أيام السنة. مرةً، يبدو وكأنه يحمي نفسه من المطر، ومرةً يخفي فروة رأسه من شمس الظهيرة، لكنه، في واقع الحال، كان يخشى الاقتراب من ظلّه!
في المرات القليلة التي ينسى فيها مظلته، تراه يهرول من ظلّ شرفةٍ إلى أخرى، ومن زقاقٍ إلى زقاق، وكأن معركةً حقيقيةً قد اندلعت للتوّ، وعليه أن يحتمي فوراً. يلاحقه ظلّه من دون أن يقدر على الإفلات منه، وتكاد الابتسامة لا تزور وجهه إلا بعدما يشتدّ الظلام.
ليلة وصولنا إليه
حكاية أسعد مع الظلّ تلك تنسحب على رواياتٍ تعود من زمن الاشتباك البعيد. يجلس إلى كرسيّه الخشبي، بوجهه الممتلئ احمراراً وعصاه التي لا تفارقه. يعود خطوات بذاكرته إلى الوراء...
كان أسعد فدائياً أصيلاً، خانه الحظ أو حالفه لا يهمّ، المهم أنه اختير مع قبضةٍ من رفاقه للتسلّل إلى تلّ الزعتر، وكان عليهم أن يزحفوا لليالٍ طويلة بين الهضاب المجاورة للمخيم وعبر الحقول.
يرفع رجليه فوق صندوقٍ حديديّ أسود في مهجعه الصغير، ويضع كفّاً على كفّ فوق عصاه الدائريّة، ويروي: «كنا نحمل ذخائرنا والقليل من الأغذية ونحاول التسلّل. لمّا اقتربنا من الوصول بعد ساعاتٍ طويلةٍ من الزحف، كانت الميليشيات تقصف المخيم والأراضي المجاورة له».
بعدما اشتدّ القصف وبدأت القذائف تنهمر من كلّ جنبٍ، أصابت إحداها مكاننا فاستشهد ثلاثةٌ من رفاقنا. اضطررنا على ترك جثثهم واستكمال الطريق الذي بدأناه». يتنهّد: «كانت ليلةً مجنونة لا أقدر على نسيانها، تفاصيلها تلاحقني إلى اليوم».
مع الفجر، وصلوا إلى تلّ الزعتر، «وصرنا محاصرين كأهله». شيئاً فشيئاً، بدأت الشمس تجلي غبار الليل، «فبدا المخيم أشبه بغرفة عمليات جراحية: رائحة الدم تفوح من كلّ ناحية، أطفالٌ يصرخون جوعاً، نساءٌ يبحثن بين الركام عن أولادهن، فيما لم يسهم وجودنا وبقاؤنا في المخيم إلا بزيادة عدد الأفواه التي تحتاج إلى الغذاء».
ويكمل: «علمنا في ما بعد أن الميليشيات كانت قد قصفت المخيم في تلك الليلة الملعونة بقذائف «سوبر شيرمان» تسلّمتها من إسرائيل. ولكن، اتضح لنا لاحقاً أن ذلك اليوم، في العموم، كان أهدأ من سواه عسكرياً». بعد ليل طويل من القصف، بدا وكأن البنادق قد أُنهكت فخرست. إحصاء ضحايا الليل أوضح أن عددهم فاق 250 شهيداً، بالإضافة إلى مئات الجرحى من المدنيين الذين لم يتمكّنوا من الخروج للعلاج إلا بعد 10 أيام من المفاوضات.
في عيون أسعد وأم حسن
بينما يحكي أسعد القصة ويستدعي تفاصيلها من الذاكرة، تمرّ الحاجة أم حسن بنا حاملةً أكياس الخضار والدجاج المثلّج. أرادت أن تتركها في مهجع أسعد ريثما تنتهي من رحلة تسوّقها اليومية، قبل أن تسمع اسم تلّ الزعتر، فتجلس وتُنصت إلى ما يقوله.
«كان أصعب ما رأيته في تلّ الزعتر هو مشهد شابٍ أرسلته أمه ليأتي إخوته الصغار بالماء من البئر الوحيدة الملوّثة في المخيم، وكنت أنا في مكانٍ قريب منهما، فسمعت صوت القذيفة التي سقطت، وشاهدت الظلّ الذي هوى مضرجاً بدمائه، ثم تسنّى لي أن أسمع بكاء إخوته على أمه أيضاً.. كان ثمن كأس الماء في تلّ الزعتر كأساً من الدم».
تفلت الدموع من عيني أسعد، فتعاونه أم حسن، وكأن دموعه قد رمت بها إلى ذاكرةٍ من الحزن هي الأخرى. ما بالها لم تعُد قادرة على الثرثرة والضحك كعادتها؟
يرد أسعد: «أم حسن ترمّلت أو ربما لم تترمّل. بعد حصار تل الزعتر بستة أسابيع، أخبرها زوجها قبل أن يغادر منزله في إحدى الليالي البعيدة أنه عائدٌ ورفاقه الفدائيين بعد أن يستعيد المخيم عافيته».
ترك لها حسن وفاطمة وأمين، وهموماً كثيرة. أفلحت في النجاة بأولادها من المخيم المحاصر، لكن أخبار زوجها ظلّت منقطعة إلى يومنا هذا. لم يعرف له مكان احتجازٍ ولا مدفن.
تشدّ حيلها وتقف على عكازها الأحمر، لا الزوج عاد ولا المخيم بقي على حاله، لكن ثمة أمل أضحكها في تلك اللحظة. فقد زارتها بسمةٌ عابرة، قالت بعدها: «المخيم هو وطننا لحدّ ما نرجع ع بلادنا»..