| 

تُشكّل الرسوم الجامعيّة لما يقارب 50 ألف طالب وطالبة في الجامعات الفلسطينيّة في قطاع غزّة كابوساً يُؤرّق مسيرتهم التعليميّة، التي يعتبرونها أساساً وسيلةً مؤثرة في الصمود أمام الظروف السياسيّة والإجتماعيّة التي يُكابدها قطاع غزّة منذ سنوات. فاضطر بعض الطلبة إلى العمل بدواماتٍ كاملة لتأمين مصاريف الدراسة، بينما ترك آخرون دراستهم تحت وطأة غلاء الرسوم.
الرسوم الجامعيّة في قطاع غزّة تتراوح ما بين 15 و35 ديناراً أردنياً (بين21 و42 دولاراً تقريباً) للساعة الجامعيّة الواحدة في معظم التخصصات، باستثناء كليّة الطب والصيدلة. وهو بالنسبة إلى الطالب أحمد سعيد مبلغٌ كبيرٌ جداً، كونه يحتاج إلى تسجيل 18 ساعة في كلّ فصلٍ دراسيّ. ما دفعه إلى تأجيل فصله الدراسيّ الحاليّ للمرة الرابعة، على أمل تحصيل المبلغ المطلوب للرسوم.
قصص الناس
سعيد طالب في "جامعة الأقصى"، ويُشير في حديثه إلى "السفير" إلى أنه تبقّى على تخرجه من قسم المحاسبة ثلاثة فصولٍ دراسيّة، لكن: "والدي لا يعمل منذ اندلاع الإنتفاضة الثانية، وهو من عمّال الداخل المحتلّ. صار الآن رجلاً كبيراً في السن، ولا يقوى على مشقّة عمله السابق كبنّاء. فاضطررت الى تأجيل الدراسة، وأبحث عن عملٍ لتوفير بعض المال ودفع الرسوم الدراسيّة".
الطالب أحمد التلاوي ("جامعة الأزهر") يقول، هو الآخر، إن ارتفاع رسوم الجامعات، بالإضافة إلى تكاليف الدراسة والمواصلات مُجتمعةً، تشكّل عبئاً كبيراً على الطلاب، "وبدلاً من أن تقوم الجامعات بتخفيض الرسوم، تراها تعمل على رفعها من حينٍ إلى آخر، مبرّرةً ذلك بالأزمات التي تمرّ بها الجامعات الفلسطينيّة"، وفق قوله.
يضيف التلاوي لـ "السفير": "والدي رجلٌ مستور الحال، وبالكاد يستطيع توفير رسومي الجامعيّة، وهو يحاول أن يفعل أي شيء من أجل إكمال دراستي الجامعيّة"، لافتاً إلى أنّ المشكلة لا تكمن في الرسوم الجامعيّة الثابتة فحسب، بل في ارتفاع سعرها من فترة لأخرى، وعدم تقديم الجامعات أي مساعدات للطلبة.
لعلّ الحال أسوأ بكثير في بيت الحاج فهمي أبو سرور، المقيم في مخيّم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين، غرب قطاع غزّة. إذ أنهى ابنه مرحلة الثانويّة العامة هذا العام بمعدّلٍ مرتفعٍ جداً وبدرجة "امتياز"، ولكن، يعتبر أبو سرور أن إكماله للدراسة الجامعيّة أمراً مستحيلاً في ظل الظروف الاقتصاديّة المدقعة التي تعاني منها عائلته.
يقول أبو سرور لـ "السفير": "أنا في العادة لا أجد قوت عائلتي، لذلك لا أقوى على تحمّل مصاريف الجامعة، ومتطلباتها. وإن لم يحصل ابني على منحة دراسيّة كاملة، فلن يستطيع إكمال دراسته الجامعيّة، وسيكون خياره الثاني العمل والمساعدة في مصاريف عائلتنا المكونة من 13 فرداً".
وقد أتت الحرب الأخيرة لتضاعف أعداد ذوي الأحوال الصعبة في غزة. فيُشير الشاب لؤي سماعنة، الذي أنهى الثانويّة العامة قبل أسابيع، أنّ الأمل في إكمال دراسته الجامعيّة قد تبدد منذ استشهاد والده إبان العدوان الأخير صيف العام 2014، ويضيف لـ "السفير": "استشهاد والدي فاقم وضعنا الإقتصادي كثيراً، فهو معيل العائلة، وأخوتي جميعهم صغار. لن أستطيع الالتحاق بالجامعة الآن، علي أن أعمل مكان والدي، وأصرف على أمي وأخوتي".
نسب تترجمها الجامعات أزمةً
كشف تقرير صادر عن "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" في أيار / مايو الماضي، أن 21,1 في المئة من المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة يعانون من فقر مدقع بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ تسع سنوات، منوهاً بأن هذا الحصار أدّى أيضاً إلى ارتفاع نسبة الفقر في القطاع إلى 38,8 في المئة من بينهم 21,1 في المئة يعانون من فقر مدقع، بينما ارتفعت نسبة البطالة في الآونة الأخيرة إلى 44 في المئة.
وفي أحاديث منفصلة لـ "السفير"، ناشد طلبة جامعات من قطاع غزّة الجهات المسؤولة بالعمل الجاد من أجل تخفيض الرسوم الجامعيّة من جهة، وتقديم مساعدات حقيقيّة ونزيهة للطلاب الجامعيين من جهة أخرى، للحيلولة دون ترك الشباب مقاعدهم الجماعيّة، لافتين إلى أن الجامعات لا تُقدّم أي مساعدات تمكّن الطلبة من إكمال دراستهم.
ويوضح الطلبة أنّ الجامعات تتبع عدّة طرق مؤخراً للضغط على الطلبة من أجل دفع ما عليهم من رسوم متراكمة، كان آخرها حرمانهم من دخول قاعات الامتحانات النهائيّة إلا بعد تسديد الرسوم، والحرمان من الشهادة الجامعيّة إذا تخرّج الطالب وعليه رسوم، بالإضافة إلى إغلاق الجامعات مداخل الطلبة الجامعيّة إلى الانترنت لحين تسديد الرسوم.
ورداً على النقد، تؤكد الجامعات أنها تمر بأزماتٍ مالية خانقة نتيجة عدة عوامل أهمها تعرض ثماني جامعات وقت الحرب إلى الاستهداف الإسرائيلي، ما أدى الى تدمير عدد من مبانيها ومختبراتها العلمية وتسبب في تكبدها خسائر مالية كبيرة.
يوجد في القطاع 18 مؤسسة تعليم عالٍ، موزعة كالتالي: 5 جامعات تقليدية (واحدة حكومية واثنتان عامتان واثنتان خاصتان)، 6 كليات جامعية (أربع حكومية وواحدة خاصة، وواحدة عامة)، 7 كليات مجتمع متوسطة (ثلاث عامة، وواحدة حكومية، واثنتان خاصتان، وواحدة تحت إشراف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين- الأونروا).
وشرح عميد شؤون الطلبة في "جامعة الأزهر" الدكتور علي النجار أن نسبة تزيد عن 60 في المئة من الطلبة تعاني من عدم مقدرتها على سداد ما تبقى عليها من رسوم دراسية. ونوّه النجار بأن المساعدات التي تُقدم للجامعة لا تكفي احتياجات الطلبة منها.
وأوضح القائم بأعمال رئيس "جامعة الأقصى" الحكومية، الدكتور سلام الآغا، أن تفاقم الأزمة المالية والحصار انعكسا بشكل مباشر على البحث العلمي وتطوير التعليم في الجامعة، لافتاً إلى أن "الظروف التي تمر بها الجامعة وقطاع غزة حرمت الأكاديميين من حضور مؤتمرات علمية في الخارج والتواصل مع الجامعات الأخرى، وتطوير أبحاثهم العلمية، وعدم القدرة على فتح تخصصات جديدة".