| 

إنها العاشرة وسبع وثلاثون دقيقة صباحاً، والصمت في شوارع رام الله يجعل الوقت يبدو معلقاً، كما في لقطةٍ سينمائيّة حبيسة الأنفاس. التوتّر على أوجه، يكاد يُلمس بين الجالسين أمام المحال والمارة على الرصيف، كأنه طبقة رمادٍ بركانيّ هبطت على المدينة ومن فيها. أجواءٌ أقرب إلى لحظة تأملٍ جماعية لا تنتهي، يكسرها صوت أولى الألعاب النارية، واصل من بعيد، يليه وابلٌ متتال من الفرقعات الاحتفالية يستولي على سماء رام الله. على الأرض، تزحف أصوات أبواق السيارات من شارعٍ إلى آخر، ومعها صرخات الفرحة وأنغام: «وحياة قلبي وأفراحه» تهزّ سماعات المسجلات الكبيرة أمام المتاجر. فتيةٌ وفتياتٌ دون العشرين يعتلون نوافذ السيارات ويلوحون ويهتفون، ويجوبون المدينة سيارةً تلو الأخرى مثل جيشٍ عائدٍ من النصر. فتاةٌ تصيح بلا تتوقف: «اثنان وتسعون!»، وآخر يخاطب المارة بعينيه وهو يهتف: «نجحت! والله ما توقعت أنجح! بس نجحت!».
طقوس يوم إعلان نتائج الثانوية العامة في فلسطين تتكرر كل عام كأنها المرة الأولى، خاصة في الساعات التالية للحظة الإعلان الرسمي المتلفز الصادر عن وزارة التربية والتعليم. وسائل الإعلام لا يشغلها سوى التسابق على نشر النتائج والتبريكات، التي تفيض بها أيضاً مواقع التواصل الاجتماعي. عرسٌ على شرف النجاح الأكاديمي، ينخرط فيه المجتمع بأكمله، من أصغر عائلة إلى أكبر وسيلة إعلامية، يعطي مؤشراً على المكانة المركزية التي يحتلها النجاح الأكاديمي في الوعي الجمعي لشعبٍ اتخذ من العلم سلاحاً منذ تمّ تجريده من أسس وجوده وتطوره الطبيعي.
هؤلاء الفتية المحتفلون هم بعضٌ من الثمانين ألف طالب الذين تقدموا لامتحان الثانوية العامة في العام الجاري. بدقة أكبر، هم جزء من نسبة 64 في المئة التي اجتازت الامتحان بنجاح، وسيتقدم معظمها للتسجيل في التخصصات الجامعية. غير أن العدد الهائل من المتخرّجين سنوياً قلما ينعكس على الواقع التنموي والاقتصادي، ناهيك عن السياسي، في فلسطين. مفارقةٌ تبرز في نسبة العاطلين من العمل بين حاملي الشهادات العليا. إذ بحسب تقرير «جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني»، فإن البطالة طالت عام 2015 نسبة أكثر من 54 في المئة من متخرّجي الجامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة.
«لا نستعد للمشاكل»
الفجوة بين عدد المتخرّجين وحجم الكفاءات العلمية العاملة قد يشير إلى خلل في خطة استيعاب الكفاءات المتخرجة. وبالنسبة إلى بعض النقاد، فإن الرؤية الوطنية لتوجيه الطاقات العلمية «ليست موجودة أصلاً»، بحسب سميح حمودة، الأستاذ في دائرة العلوم السياسية في «جامعة بيرزيت»، الذي يشدد على أنه «بدون رؤية شاملة لربط الكفاءات العلمية بحاجة المجتمع، لا يستطيع الطالب أن يوائم بين بحثه عن فرصة العمل وأداء دوره الوطني والاجتماعي، فتصير الوظيفة هدفاً لذاتها».
عرين فؤاد (19 عاماً) هي طالبة حقوق في السنة الثالثة في «جامعة بيرزيت»، تروي لـ «السفير» لقاءها الأول مع هذه الإشكالية: «حين دخلت تخصّص الحقوق، وفي أولى محاضراتي، سأل المدرس طلبة الشعبة عن دافعهم لاختيار هذا التخصص، فأجاب أكثر من نصفهم بأن دافعهم هو حصراً «المكانة الاجتماعية لمهنة المحاماة»، بينما توقف النصف الآخر عند الجانب المالي. قلة أجابت بالرغبة بتطوير المجال القانوني والقضائي في فلسطين». لكنها تستدرك: «كلنا نحمل انتماءً وطنياً، لكن الأغلب يرى أن أداء دوره الوطنيّ يتم خارج المسار الأكاديمي وخارج المهنة المستقبلية. فلا أحد يثق بهذه المؤسسات». وتركّز عرين على أن «ما نتعلمه في الجامعة لا يتناول مشاكل مجالنا في فلسطين، كالفساد وقلة المهنية وغيرها. نحن لا نستعد للتصدي لهذه المشاكل».
لكن التعليم لا يستطيع أن يتجاوز الدور الذي يؤديه من تلقاء نفسه، حسبما يشير خالد عودة الله، مدير «دائرة سليمان الحلبي للدراسات الاستعمارية والتحرر المعرفي»، وهي مجموعة دراسية ملتزمة تعمل خارج إطار النظام الأكاديمي. يرى أن «دور التعليم محدّد بسقف سياسي. الخطاب الرسمي هو أن المشروع الفلسطيني حالياً هو مشروع بناء دولة، لكن الواقع السياسي يفيد بأن السلطة الفلسطينية لا تملك، ولا تستطيع أن تملك مشروعا كهذا. من الطبيعي إذاً ألا يسهم التعليم في دعم مشروعٍ ليس موجوداً». ويوافق خالد عودة الله على أن غياب نظام وطني لاستيعاب وتوجيه الطاقات لا ينفي وجود أي نظام بالمطلق: «نعم، هناك نظام آخر، هو نظام السوق والمؤسسة الرأسمالية. لكن حتى هذه المؤسسة في فلسطين لا تملك مشروعاً ذاتياً يمكن أن يقال فيه إنه مشروع رأسمالي فلسطيني أصيل. فحتى رأس المال الفلسطيني ليس سوى وسيط لتسيير الاستهلاك، لا يمكنه بناء اقتصاد محلي مستقل حتى تسهم فيه الكفاءات العلمية».
«بوصلة» السوق
علاقة المنهج التعليمي بواقع الحياة هو طرف الخيط في دراسة المشكلة، كما يراه منير فاشة، الناقد الصلب لنظام التعليم منذ أن ترك سلك التدريس قبل 45 عاماً: «التعليم، أو ما نسميه تعليماً في فلسطين، ليس سوى نقل مشوّه لنظام أوروبي قديم»، ويكمل واضعاً الإشكالية في سياق تاريخيّ يرتبط أساسا بواقع استعماري: «عندما جاء الانتداب البريطاني، فرض نظامه التعليمي على فلسطين، لإنتاج نخب تساعد في تكريس مشروعه الاستعماري. ما نفعله اليوم هو الاستمرار بذلك الاستعمار المعرفي بعد عقود وبأيدينا». تحليل له صدى داخل النظام التعليمي نفسه. سميح حمودة يذهب به إلى مستوىً أبعد: «التوجيه الذي يعطيه التعليم الجامعي في فلسطين اليوم مرتبط إلى حد كبير بمتطلبات التمويل الخارجي، والذي يسعى لتكريس حاجات بعيدة عن الحاجات الوطنية الفلسطينية». سميح حمودة يدرّس مادة «القضية الفلسطينية» بين مساقات أخرى، حيث يسعى مع غيره، بجهودهم الذاتية، إلى «توعية الطلبة بالمسؤولية الوطنية التي يتحملونها كمتعلمين. فالنظام التعليمي لا يتصدى لهذه المهمة. الندوات الأكاديمية التي يغطيها التمويل الخارجي تركز على مواضيع يراها الممول أولوية، كالجندرية، والسلم الأهلي، والتي رغم أهميتها، تطرح للبحث من دون أن يؤخذ فيها السياق الفلسطيني، الذي يفرض أولوية التحرر السياسي بعين الاعتبار. أضف إلى ذلك التركيز على مواضيع الحوار مع الآخر، التي تكون أحياناً مقدمة لتقبل التطبيع نظرياً. فيبقى الطالب من دون توجيه وطني يقوده بعد التخرج». ويضيف أن «غياب أي نظام أو خطة وطنية لاستيعاب الطاقات الخارجة إلى الحياة العملية في بناء مشروع سياسي، يترك الطالب ببوصلة واحدة توجهه، هي بوصلة السوق، وطلب الرزق».
الحدود السياسية لدور التعليم يؤكدها بصري صالح، وكيل وزارة التربية والتعليم الفلسطينية: «الأمر لا يتعلق بالتعليم وحده، بل بواقعٍ اقتصاديّ وسياسيّ يفرضه الاحتلال». ويضيف أن «وزارة التربية والتعليم تقوم بالدور المنوط بها ضمن حدود إمكانياتها». من جملة ما يشير إليه، يحضر مشروع نظام جديد للثانوية العامة الذي «يهدف إلى التخلص من الجمود في النظام الحالي والضغط النفسي الذي يجره معه». النظام المقترح يسمح للطلبة بالتقدم للامتحان الواحد على دورتين، مع إمكانية التقدم لمرة ثانية في أيّ مادةٍ ينوي الطالب أن يحسّن علامته فيها، كما يجعل 4 من أصل 8 مباحث غير «إجبارية»، إذ يحتسب فقط أعلى علامتين منها، بالإضافة إلى استحداث «ملف الإنجاز»، الذي يحتوي على تقييم لشخصية الطالب وميوله. غير أنه يؤكد أن التغيير المطلوب تدريجي وسيشمل الجامعات وسياساتها في القبول والتدريس، والتي لا تستطيع الوزارة التدخل فيها.
لعلّ المدخل إلى التعاطي مع إشكالية التعليم يكمن في البحث عن نظامٍ نابعٍ من الواقع الفلسطيني. هذا ما يقترحه منير فاشة، وله أسباب تاريخية في ذلك أيضاً: «عام 1909 أسس خليل السكاكيني مدرسة في القدس، تعتمد على اكتشاف واستخراج قدرات الطلبة على اختلافها، وتطويرها، من دون علامات ولا امتحانات. اعتمد السكاكيني على حكمة الإمام علي بأن «قيمة كل امرئ ما يحسنه»، وهذا ما يحتاجه مجتمع يعيش واقعاً لا يتناسب مع سباق السوق، ويحتاج إلى كلّ طاقاته في جميع المجالات».
طاقات كطاقات متخرّجي الثانوية العامة.. هؤلاء الذين يختفون من شوارع رام الله في أولى ساعات الفجر، بعد نهارٍ طويل من الاحتفالات، ليبدأوا في اليوم التالي شق طريق طويلة لتشكيل أنفسهم. يبحثون لأنفسهم عن سياقات تمكنهم من تحقيق ذاتهم، في بلاد لا غد فيها، سوى الذي يبنيه كلّ جيل بنفسه، من الصفر.