| 

عامٌ مرّ على ذكرى محرقة عائلة سعد الدوابشة في دوما، جنوب نابلس، في فجر 31 تموز 2015. يومها، صعقنا من هول الحادثة وأصابتنا حالة من الإحباط. كانوا وحدهم يصارعون الموت بأجسادهم المحروقة التي لم تحتمل شدة الأوجاع، ليعلن بدايةً عن استشهاد الرضيع علي (18 شهراً) ثم بعده بأيام والده سعد، ثم لحقتهم الأم المعلمة رهام، تاركين خلفهم الطفل أحمد (5 أعوام)، يصارع الموت وحده. حتى الآن، لم ننسَ قنينة الحليب تائهة في ذلك المنزل الأسود وكأنها تنتظر أهل البيت، وصور العائلة المحروقة منثورة على الأرض ودموع طالبات المعلمة رهام. ولكن، منذ ذلك اليوم طرأت تغيرات ترويها المفارقات. فالندوب راسخةٌ على وجه الطفل أحمد وجسده، فيما المجرمون يفرون واحداً تلو الآخر من «القضاء» الإسرائيلي.
أحمد، يحكي
اليوم، صار الطفل يعرف أن المستوطنين أحرقوا عائلته، لكنه ما زال يسأل عنهم متمنياً لقاءهم في الجنة، حسبما يروي عمّ الطفل نصر دوابشة. ورغم مرور عامٍ على الجريمة، أحمد لم ينسَ خوف والديه عليه في تلك الليلة السوداء: «سمعت والديّ يتحدثون عن هجوم المستوطنين على منزلنا».
ويكمل دوابشة، نقلاً عن لسان أحمد: «أتذكر المستوطنين حين كسروا الشباك، وحين حملني أبوي وهو مشتعل وأنا اشتعلت معه، وكان أبوي يحاول أن يطفي يدي وأنا أساعده في ذلك، لكن لم نستطع حتى جاء شبان وأخرجونا من البيت».
ومع أن الصغير أدرك الحقيقة وتحسّن وضعه النفسيّ قليلاً، لكن عائلته بقيت في كامل ذكرياته: «يتردّد إلى المنزل ليرى مقتنياته وبيت عائلته. وهو دائماً ينادي: أبوي أحسن وأقوى واحد. كما أنه يصلّي للقاء عائلته في الجنة».
اليوم، عاد الطفل من مشفى «تل هشومير» الإسرائيلي إلى منزله، بعدما أنهى المرحلة الثانية من العلاج التي تمثّلت بإجراء عمليات عدّة لقشط الجلد الذي تمّ زرعه، فيما يستعد خلال الأشهر المقبلة للبدء بالمرحلة الثالثة، وهي محاولة تجميل ما فعله الحريق به. بحسب توقعات الأطباء، ستستمر هذه المرحلة 10 سنوات.
لكن الصغير لا يتابع مجريات التحقيق، ولا يعلم أن القضاء الإسرائيلي قد أطلق سراح غالبية المتهمين بالقضية، ومن ضمنهم أشخاصٌ قيل في البداية إنهم متورطون بشكلٍ أساسيّ في الحادثة، مثل المستوطن مائير اتنجر، في حين أبقى على إثنين، على الأقل واحد منهما سيبرأ أو يأخذ حكماً مخففاً، فيما لم يتضح بعد وضع الثاني. وهو لا يعلم أيضاً أن حياته وحياة سكان القرية ما زالت مهددة.
القضاء يبرئ
حظيت جريمة عائلة الدوابشة بانتقادتٍ واسعة في إسرائيل، لا سيما وأن جهاز المخابرات الإسرائيلي «الشاباك» والشرطة تأخرا في اعتقال منفذي العملية بعكس القضايا الأخرى. وبعد أشهر من الحادثة، أُعلن عن اعتقال الكثير من المتهمين الناشطين في مجموعات «تدفيع الثمن» الإرهابية، ذوي الصلة بالحادثة. لكن تمت تبرئتهم واحداً تلو الآخر، وعلى رأسهم المتورط الرئيسيّ في القضية المستوطن اتنجر، حسبما يشرح المحامي محمد الدحلة. ويضيف: «توجد لوائح اتهام بحق اثنين، أحدهم يدعى «عميرام بن اوليئيل» وقد قدمت لوائح اتهام ضده بالقتل العمد، وهي أصعب تهمة في القانون الجنائيّ الإسرائيليّ، وتهمة انتمائه لمنظمة إرهابية، بينما المتهم الثاني لم يكشف عن اسمه لأنه قاصر، - بحسب القانون الإسرائيلي -، وقدمت ضده لائحة اتهام تفيد بأنه خطط لحرق العائلة».
ورغم اعتراف الاثنين بفعلتهما بعدما استعملت ضدهما وسائل استثنائية في التحقيق وهي «الضغط الجسدي المعقول» كمنعهم من النوم ولقاء المحامي لفترة ثلاثة أسابيع، تبقى كلّ الخيارات مفتوحة، خاصة أنهما غيّرا اعترافاتهما بمجرد لقائهما المحامي، مدّعين أن اعترافاتهما جاءت «تحت الضغط الهائل».
من الغريب أن القضاء الإسرائيلي قرّر تبرئة المتهمين، وأبقى على اثنين. فهل يستطيعان وحدهما تنفيذ الهجوم على القرية؟ أجاب المحامي: «من الصعب أن يتم تنفيذ عملية بشخصين فقط، وأحدهما قاصر. لكن، ما نعلمه هو أنه قد تم اعتقال مجموعة من نشطاء اليمين المتطرف، وتم إصدار اوامر اعتقال اداري بحقهم على رأسهم «مئير اتنجر»، لكن أفرج عنهم لاحقاً، كما تم إصدار عشرات أوامر الإبعاد لمستوطنين من الضفة الغربية».
العقوبات الممكنة
وفقاً للقانون الإسرائيلي، قتل المتهم «اوليال» قتل ثلاثة أشخاص، ومن المفترض أن يعاقب بثلاثة مؤبدات، بينما الآخر المتهم بالتخطيط للعملية الإرهابية وليس تنفيذها سيلقى تهمة مخففة، وهو قاصر. وفي حال تمّت إدانته، سيقبع بضع سنوات في السجن.
لكن، حتى ولو تم إصدار أحكامٍ طويلة بحقهما، تبقى العقوبة المخففة مرجّحة: «في كثير من الأحيان، بعد فرض أقصى العقوبات، يحصل أن يتم تخفيف أحكام المدانين وإطلاق سراحهم. وعادة ما يحصل ذلك في صفقات تبادل أسرى، إذ يتصاعد أصوات اليمين والوسط الإسرائيلي لتخفيف عقوبة الإرهابيين المدانين بعمليات ضد فلسطينيين».
بحسب التجارب الماضية، فإن الحكم إذا صدر بالإدانة ـ ربما لأثر القضية على الرأي العام العالمي والمحلي ـ سيكون مخففاً. ونذكر هنا مثلاً، العملية الإرهابية يوم 22 نيسان 1985 التي نفذها داني ايزنمان وغيل فوكس وميخال هليل في القدس الشرقية: أوقفوا سيارة أجرة فلسطينية، وقتلوا سائقها. حكم عليهم بالسجن المؤبد، لكن تم إطلاق سراحهم بعد 5-11 عاماً. وأيضاً، في 20 ايار 1990، قتل المجرم عامي بوبر سبعة عمال فلسطينيين في عيون قارة (ريشون لتسيون) اثناء انتظارهم على محطةٍ لنقل العمال، وفرض عليه السجن المؤبد سبع مرات، لكن تم تقليص عقوبته لمدة 40 سنة.
هل أحمد في مأمن؟
تخشى العائلة اعتداءً على أحمد في هذه الأيام وفي المستقبل، وتطالب بتوفير الحماية له. يقول نصر دوابشة: «قبل أربعة أيام، تعرّض منزلٌ يبعد عنا 50 متراً لهجوم كاد يتسبب بكارثة جديدة، كما أننا رصدنا على مواقع التواصل تهديدات من قبل مستوطنين بقتل أحمد».
يرى وجوب تشكيل لجان لحماية القرية، موضحاً أنه قد قيل سابقاً بتأمين دعم لتلك اللجان، «لكن لم يصل الكلام إلى شيء». ما أكده مصدر مسؤول رفض الكشف عن اسمه: «إمكانياتنا ليست كبيرة، والمستوطنون يستهدفون الشهود ويعملون كوحدات كوماندوز. لا يوجد دعم كافٍ من السلطة لنا».
بدوره، أكد الخبير في الشؤون الاسرائيلية أنس أبو عرقوب، أن هناك خوفاً على أهل القرية والدوابشة من عمليات إرهابية لاحقة. ويرى أن «ما يشجع المستوطنين في ذلك نجاح العملية الأولى، وعدم ملاحقتهم قانونياً. كما أن موقع القرية قريب من البؤر الاستيطانية يتيح لهم العودة بسرعة لقواعدهم، والقرية لا تُعَدّ مكتظة بالسكان».
في ظل نقص الدعم، رأى أن الحل يكمن في الإجراءات الأمنية، عبر تنظيم الناس في لجان الحماية، ووضع كلاب للحراسة، وكاميرات مراقبة وإضاءة.
إذاً، بعد عام من اليوم المؤلم، تحيي دوما عبر مهرجان ذكرى الحادثة في الظروف ذاتها. الاعتداءات لم تتوقف، والدعم المحلي للقرية لا يكفي، فيما المستوطنون أمنوا شرّ العدالة، ليس فقط في إسرائيل وإنما أيضاً خارجها. فبحسب القانون الدولي، لا تجوز محاكمة شخص مرتين بالتهمة ذاتها.