| 

من دون قيودٍ أو شروطٍ، يتنقل الصحافيّون الإسرائيليّون في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينيّة، فتارةً تجدهم في جنازة شهيد، وطوراً في مقابلة مع عائلة أسير، أو لقاءٍ حصريّ مع مسؤولٍ فلسطينيّ، على الرغم من أن نظراءهم الفلسطينيّين ممنوعون من التنقّل بحريّة، ويقبع عشرون منهم في سجون الإحتلال حالياً.
وكانت سلطات الإحتلال قد أغلقت مؤخراً عدداً من الإذاعات الفلسطينية وأوقفت فضائية «فلسطين اليوم» عن العمل، كما تمّ اعتقال عدد من الصحافيين على خلفية العمل الصحافيّ. كذلك، اعتقل عضو الأمانة العامة لنقابة الصحافة عمر نزال خلال توجهه للمشاركة في مؤتمر الصحافيين الأوروبيين في البوسنة.
«حالة الانسلاخ الكبيرة»
الصحافيّة الفلسطينيّة نائلة خليل ترى أن الحريّة التي يتمتع بها الصحافيّون الإسرائيليّون هي انعكاسٌ لما وصفتها بـ «حالة الإنسلاخ الكبيرة بين المستوى الرسمي الفلسطيني والقاعدة المؤلفة من الإعلاميين العاملين في الميدان»، مشدّدةً على أنها تعارض عمل الصحافيّين الإسرائيليّين في المناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينيّة من دون أن يتمتع نظراؤهم /نّ الفلسطينيّون بتلك الحريّة التي يحرمه الإحتلال منها.
سبق أن أطلق الصحافيّون الفلسطينيّون حملة للتعامل بالمثل مع الإعلام الإسرائيليّ، كما أن بعض الصحافيّين الفلسطينيّين يتحرّكون ميدانيّاً ضد تواجد الصحافيّين الإسرائيليّين في المناطق الفلسطينيّة. وفي أكثر من مرة، أجبر صحافيّون فلسطينيّون طواقم إسرائيلية على مغادرة المنطقة التي كانوا يتواجدون فيها في المناطق التابعة لسيطرة السلطة الفلسطينية.
وفيما يرفض الصحافيون الفلسطينيون بشكل عام العمل الإسرائيليّ غير المشروط في المناطق الفلسطينيّة، وتتساءل خليل في هذا السياق: «ماذا يمكن للصحافي الفلسطيني أن يفعل؟ هو ليس الجهة التي تصدر التصريح للصحافي الإسرائيلي، وليس ضيف المقابلات مع الصحافيين الإسرائيليين. هناك مسؤولون فلسطينيون يتهافتون للحديث مع الصحافة العبرية في الوقت الذي يرفضون فيه الحديث للصحافة العربية والفلسطينية».
وزارة الإعلام الفلسطينية هي الجهة الرسمية المخولة إصدار تصاريح السماح بالعمل للصحافيين ووسائل الإعلام المختلفة، سواء المحلية أو الأجنبية. فيقول وكيل الوزارة محمود خليفة: «الصحافيون الإسرائيليون الذين يعملون في المناطق الفلسطينية لا يدخلون عبر النافذة الرسمية وهي وزارة الإعلام، بل يتسللون ويمارسون ما يريدون ويعودون من دون إبلاغ أيّ جهة رسميّة، وعددٌ كبيرٌ منهم يرافق جيش الإحتلال في اقتحاماته».
ويلفت خليفة إلى أن الإحتلال الإسرائيلي يسيطر على كافة المعابر، سواءً تلك المقامة على الحدود مع الأردن أو المعابر الموجودة بمحاذاة الأراضي المحتلة عام 1948، ما يسهّل دخول الصحافيين الإسرائيليين إلى المناطق الفلسطينية، مشدداً على أن المبدأ المتبع من قبل الوزارة هو المعاملة بالمثل. ويضيف خليفة: «حريّة الصحافي الفلسطيني وحركته هما على التوازي مع حرية وحركة أيّ صحافي آخر، ونحن نتحدث عن المعاملة بالمثل وهو مبدأ متعارف عليه دولياً. وبالتالي، فإنه يطبق أيضاً على نطاق السيادة والصلاحيات الفلسطينية في المناطق التي احتلت في الرابع من حزيران العام 1967».
الموقف النقابيّ لا يلزم «السلطة»
الصحافيّون في الميدان لهم رأيٌ أخر. هم يقفون ضد العمل الصحافيّ الإسرائيليّ غير المشروط في المناطق الفلسطينيّة، ولا يرون تطبيقاً على أرض الواقع لمبدأ المعاملة بالمثل. إذ يظهر مراسلو وسائل الإعلام الإسرائيلية بشكلٍ جلي داخل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، تقول خليل بأنه لا يجوز السماح لأي صحافي إسرائيلي بالتواجد في المناطق الفلسطينية طالما لا يسمح لنظرائهم /ن الفلسطينيين بالدخول إلى القدس والمناطق المحتلة في العام 1948، «علماً أنه يتوجّب على كلّ صحافي إسرائيلي يعمل في المناطق الفلسطينية أن يحمل تصريحاً من وزارة الإعلام، حتى لا يكون تحت طائلة مساءلة جيش الاحتلال».
تحظى الصحافة العبرية بشكل شبه يومي بمواد صحافية حصرية تخصّ الشأن الفلسطيني. ويرى صحافيّون فلسطينيّون أن فئة كبيرة من المسؤولين الفلسطينيين يخصّون الصحافيين الإسرائيليين بالتصريحات الهامة. وحول ذلك، تقول خليل التي ترى بأن ذلك جزء من المشكلة: «يتهافتون لإجراء المقابلات مع الإعلام الإسرائيلي في الوقت الذي يرفضون فيه الحديث مع الصحافة العربية والفلسطينية، والأمثلة على ذلك كثيرة آخرها خبر تراجع السلطة عن تقديم مشروعها ضد الإستيطان في مجلس الأمن».
نقابة الصحافة هي الجسم الممثل للصحافيين الفلسطينيين. وقد طالبت أكثر من مرة بعدم التعامل مع الصحافيين الإسرائيليين إلا وفقاً للمثل، حسبما قال عضو أمانتها العامة موسى الشاعر. وأعلنت النقابة في أكثر من مناسبة عدم ترحيبها بأيّ صحافيّ إسرائيلي ما لم يعلن موقفه المناهض لسياسة الإحتلال تجاه حرية الصحافة، والتي تضيّق على الصحافيين الفلسطينيين في المناطق كافة سواء الأراضي التي تخضع للسيطرة الفلسطينية أو التي ما زالت تحت الإحتلال.
وفعلياً، يقول الشاعر أن «النقابة أجرت إتصالات مباشرة ووثيقة مع وزارة الإعلام حول هذا الموضوع، وتم التوافق على عدم إصدار بطاقات للصحافيين الإسرائيليين إنطلاقاً من مبدأ المعاملة بالمثل لأن الصحافيين الفلسطينيين ممنوعون من التنقّل بحريّة، ويتم الاعتداء عليهم وانتهاك حقوقهم يومياً». وحول وجود صحافيين إسرائيليين يعملون في المناطق الفلسطينيّة، يقول الشاعر إن غالبيتهم تعمل في المناطق المصنفة «ب» و «ج» وفقاً لإتفاق أوسلو، وهي مناطق غير خاضعة للسيطرة الأمنية الفلسطينية.