| 

صفاء خالد أبو رعد، ابنةُ الثامنة والعشرين ربيعًا، تعيش مع متلازمة «داون». والمرأة ذكيةٌ، وصريحةٌ، نقديّةٌ، تُحِب، تُجامِل، وتُعجَب بمَن يُحسن معاملتها، وتنفر ممّن يقسو عليها. تدخُل كلماتها القلبَ بلا استئذان، لوضوحها. وهي كثيراً ما تردّد كلمة «شكرًا»، ثم: «الله يخليليك ولادك». أضحك، لأنني غيرُ متزوجة. فإذاً، «شكراً لأنك جئتِ لزيارتي»، قالتها أكثر من مرّة. أما والدتها حياة أبو رعد محاجنة فهي سيِّدة من مدينة أم الفحم، التي تتبع اليوم لمنطقة حيفا، بينما كانت قبل النكبة تتبع لمنطقة جنين (الضفة الغربية).
وتُعرف أم الفحم بأنها مدينة مُحافِظة، يتزايد راهناً فيها الاهتمام بالتعليم الأكاديميّ. فيها، يصدر عدد من المجلات والصحف الأسبوعية، ما ساهم ربما بتقبُل المدينة لحفل زواج صفاء. فقد أصرّت على والديها أن يقيما حفل زفافها في بيتها في مدينة أم الفحم، وبلا عريس. الفيديو القصير المصور عن حفل زواجها صنع حالةً على الإنترنت، واستقبلته مئات الصفحات على وسائل التواصل بشديد الحماسة والحب والإحتفاء. ارتدت فستاناً جميلاً يليقُ بها. اختارته باللون الأزرق ليُشبه لون عينيها الزرقاويْن. وقف والداها وأعمامها وأشقاؤها وسائر أفراد العائلة إلى جانبها، وأقاموا لها سهرة عروسٍ تخللها النقش بالحناء. تلقّت النقوط، ولبست الذهب كسواها من العرائس.
ظروف ولادة صفاء ونشأتها
تروي الأم عن ابنتها قائلة: «أشكر الله على أجمل هدية وأجمل ابنة في العالم. سبب ولادة ابنتي صفاء مع متلازمة داون، هو أني كنتُ في بداية زواجي أقل من 20 عامًا. حملتُ بصفاء، وأجريت جميع الفحوص المطلوبة، باستثناء المياه الحميدة، وهي فحصٌ يجب إجراؤه في عيادة الطفل والأم. ويبدو أنّ الممرضات لم يتوقفن عند الحاجة إلى إجراء هذا الفحص. فأنجبتُ طفلةً في عملية صعبة».
في يوم ولادة صفاء، «وضعوا المولودة في حضني وقالوا لي مبروك، لقد انجبتِ طفلة. وعلى الفور، ميَّزتُ وضعها. وقلتُ للممرضة: ابنتي ليست طبيعية. أجابتني: «ماذا تقصدين بأنها غير طبيعية؟». أنا تذكرت أنّ لدى جارتي بنتا تشبهها، فأصريت، واستدعت الأطباء، وبعد الفحوصات، تبيّن أنّ لديها متلازمة داون. في البداية، تضايقت لكن بعد بضع ساعات، تقبلتُ ابنتي كإبنة طبيعية مئة في المئة، هذه طبيعتها. لاحقًا، أرسلوني لإجراء تمارين لها، وكان الأمرُ متعبًا، إذ كان عليّ أن أساعدها في تمارين للحركة. وعند ولادتها، كانت صفاء تفتقر للمناعة. كرّستُ حياتي لها، وعرفت أنّ تعبي لن يذهب هباءً. في سن الثالثة، أدخلتها إلى روضةٍ عادية. وحين كبرت أكثر، أدخلتها إلى الحضانات الأخرى، ومن ثم مدرسة عادية، «مدرسة الأمل». كنتُ أتابعها خطوةً خطوة، وحتى اليوم، هي لا تفارقني يومًا. قد أستغني عن شقيقاتها اللواتي يذهبن إلى الجامعة أو الكلية، أما هي فلا أطيق أن تغيب عني».
تضيف الوالدة: «صفاء لمن لا يعرفها أفضل مَن تقوم ببناء العلاقات والتعارُف مع الآخرين. لا تملُ من وجودها معي، رغم اجتماعياتها وصداقاتها ومشاركتها في الفعاليات والدورات والبرامج. هكذا كانت حتى وصلت سن 18 عامًا، ثم انتقلت إلى مدرسة للتعليم المهني، وزادت صداقاتها أكثر. وهي ترافقني دائمًا في السهرات وجلسات العشاء والسفر للخارج، لم أهملها يومًا. وهي حنونة، تشارك الجميع فرحهم وهمهم. ومن شبه المستحيل أن تنسى الشخص ولو التقته لمرّة واحدة».
حالة صفاء، حسبما قال الأطباء والمختصون لوالدتها، «هي حالةٌ نادرة، تحدث مرة في المليون». وهي تنتج عن زيادة كروموزم 13، وهو عبارة عن طفرة، «أيّ خلل وراثي، بسبب القرابة بين الوالدين».
«بحب البشبهوني»
كيف تقضي صفاء يومها؟ «صفاء لها برنامج خاص، يومي. بعد عودتها من «مدرسة الأمل»، تأخذ حمامًا، تتغدى، وتقوم بمساعدتي. بعدها، تخصّص وقتًا للرقص في غرفتها، ثم تتابع المسلسل الذي يهمها. بعد ذلك، تقوم بالرسم بالألوان لمدة تتراوح بين ساعة وساعة ونصف، ثم تذهب إلى النوم. وأحيانًا، تنتظر برامج مهمة مثل «ستار أكاديمي».
الأم التصقت بابنتها، «وهي تترك فراغًا وشوقاً فينا جميعاً إذا غابت عنا أو سافرت من دوننا في دورات التأهيل التي يتم توفيرها لها».
أصرت صفاء على الزواج في حفل يليقُ بها. كانت تحلم بأن يكون لها بيتٌ ويزورها أهلها فيه: «آه حابة. ليش؟ لإني حابة افتح بيت، بحب الولاد، ولد وبنت، أسيل إسم بنتي، أنا بناتي ربيتهن. أنا بحب الولاد، البيت، أهلي، أمي، بوي، أخوتي، نابلس، ألف ليلة وليلة، بحب الصغار، بحب البشبهوني». لكنها بمجرد أن تزوجت، تراها عدلت عن الزواج مرّة أخرى. تقول: «لأ، بكفّي! بديش أتزوج مرّة ثانية، الزواج مرّة واحدة». وبينما كانت دائمة السؤال عن دورها في الزواج، لم تعد لديها إجابة عن هذا السؤال اليوم، ولم يعد يهمها الأمر بعدما عاشت حفلتها.
عن تعامل الوالدة مع ابنتها، تقول: «لا أجبرها على ما لا تستطيع فعله، وأحاسبها على الأخطاء، وأشرح لها الخطأ والصواب، ولديها ذاكرة قوية، لا أسمح لها بالخروج من دون علمي».
حين قررت العائلة تلبية رغبة إبنتها بالزواج، «كنت أتوقع الانتقادات من الناس. لكن ما همّني أكثر هو فرحة ابنتي. في كل مناسبة، في كل عرسٍ، هناك انتقادات للعروس. لكنّ فرحة ابنتي أهم بكثير من شعور الناس».
صفاء لا تريد عريسًا، هي تريد فستانًا ملونًا كالعروس. «ولا أستطيع أن أغرس في رأسها فكرة الزواج، صحيح أنها فتاة عادية، لكن لا أريد أن أدخل في رأسها رغبات وأحلام هي لا تستطيع أن تعيها، ولا تقوى على تحقيقها اليوم».
صفاء تتعلم قراءة الأحرف، ويبقى من الصعب عليها الاعتماد على نفسها، «لكننا جميعًا إلى جانبها». سمعت العائلة بعض الانتقادات، «لكن الغالبية العظمى تقبلت فرحة ابنتي وسعادة العائلة بفرح صفاء وبهجتها وأمنيتها في الحياة». لقد أمسكت بالشموع وتجلّت، وفرحت بالحناء على أصابعها الرفيعة، وغنّت فرحًا، ورقصت كما لم ترقُص من قبل.
] لمشاهدة صفاء في عرسها، تمكن زيارة الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=1lyVNyjuOAc