| 

في آخر أيار /مايو الماضي، انتهك القضاء حرمة القانون، وأعلن تمرّده على الدستور الفلسطيني، عبر تنفيذ أحكام إعدام بحق ثلاثة مدانين بالقتل العمد، من دون مصادقة الرئيس الفلسطيني محمود عباس عليها. إذ يمتنع الأخير عن المصادقة على أحكام الإعدام منذ تولّيه منصبه في العام 2005 لاعتبارات حقوقية وإنسانية بحتة، أيّ أن الأمر لا يرجع للخلافات السياسية القائمة بين «فتح» و «حماس». وأصرت الحكومة في غزة على مخالفة نصّ القانون، ونفّذت أحكام الإعدام التي أصدرتها محاكمها، متوعدةً في الوقت نفسه بالمزيد منها. إذ ادعت أنها وجدت مخرجاً قانونياً لتطبيقها، ولا يحق لأحد محاسبتها أو الاعتراض على فعلها، بينما لسان حال الغزيين يردّد: «أشكيك لمين وأبوك القاضي».
الرئيس لا يجيب
أعلنت حكومة غزة في 26 أيار /مايو أنها ستعدم 13 شخصاً أدينوا بتهمة القتل وحكم عليهم بالإعدام، مؤكدة عزمها إعدام 3 أشخاص قبل شهر رمضان، و10 آخرين بعد عطلة عيد الفطر.
وعقب هذا الإعلان، أصدرت النيابة العامة في غزة في 31 أيار /مايو بياناً أوضحت فيه أن السلطات المختصة بتنفيذ الأحكام الجزائية الباتّة استنفدت درجات التقاضي كافة أمام المحاكم، «وعليه، تم تنفيذ أحكام الإعدام بحق ثلاثة من المدانين بجرائم قتل مروّعة»، منوّهة بأن تنفيذ الأحكام الجنائية «واجب قانوني لحماية النسيج المجتمعي، وتحقيق الردع العام لمن تسوّل له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم».
من جهتها، تبين وزارة العدل في غزة أن لا مبرر لتأخير تنفيذ الإعدام لحين مصادقة الرئيس عليه، لأن ولايته القانونية منتهية منذ سنوات عدة، معتبرة أن «المجلس التشريعي هو الجهة الشرعية والقانونية لذلك. فلجأوا إلى «كتلة التغيير والإصلاح» (ممثلة حركة «حماس» في المجلس) للمصادقة على الأحكام.
أما النائب العام في غزة إسماعيل جبر فأكد عبر صفحته على «فايسبوك» أنه بعث رسالةً إلى وزير العدل السابق سليم السقا لمخاطبة الرئيس محمود عباس من أجل التصديق على حكم الإعدام، ولكنه لم يتلقَ رداً، معتبراً تجاهله دليلاً على عدم رغبته بالتواصل معهم.
ولفت جبر إلى أن «المجلس التشريعي هو السلطة الشرعية الوحيد» أمامهم، مشدداً على «أهمية تنفيذ أحكام الإعدام خاصة في ما يتعلق بجرائم الرأي العام».
بالعودة عامين إلى الوراء، نجد أن لغزة سوابق في تطبيق أحكام الإعدام خارج إطار القانون. إذ أعدمت فصائل المقاومة الفلسطينية أكثر من 23 مواطناً في صيف 2014 بتهمة العمالة، بعدما ادعت إجراء محاكم عسكرية لهم. كما أعدم «القسّام» أحد أكبر قادته في بداية شهر شباط /فبراير الماضي، وصدر بيانٌ مقتضب عن «الكتائب» يزعم أن المقتول ارتكب مخالفات أخلاقية وسلوكية أقرّ بها واستدعت إعدامه، وسط استنكار المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية.
القانون متشدّدٌ ضد الإعدام!
أصدر الناطق باسم حكومة التوافق الوطني يوسف المحمود بياناً أدان فيه تنفيذ حكومة غزة لحكم الإعدام، مؤكداً وجود ظروف شديدة لعقوبة الإعدام في القوانين الفلسطينية، إذ يتعامل المشرع الفلسطيني بجدية مع قضايا حقوق الإنسان.
وبيّن أن تشريع عقوبة الإعدام جاء لغاية ردع المجرمين، ومن الممكن للمحاكم أن تحكم بها في مواجهة جرائم جنائية حصرية شديدة الخطورة، موضحاً أن تنفيذ هذا الحكم يتطلب مسألتين وهما: أولاً، المراجعة القضائية إذ يتم استئناف حكم الإعدام تلقائياً، ولو لم يتقدم الخصوم بذلك، وثانياً، ألا يتم تنفيذ حكم الإعدام إلا بعد التصديق عليه من رئيس الدولة.
ويؤكد المحمود على استحالة توافر الشروط والضمانات القانونية للحكم بعقوبة الإعدام أو ضمانات تنفيذه في قطاع غزة، إذ إن المحاكم في غزّة لا تتبع مجلس القضاء الأعلى الفلسطيني، كما أن النيابة العامة في غزة لا تتبع النائب العام الفلسطيني، وتمّت تلك الأحكام دون مصادقة الرئيس عليها وهو الشرط الأساسي لتنفيذها.
في السياق ذاته، شدّدت «قيادة القوى الوطنية والإسلامية» على رفضها للإعدامات التي نفذتها حكومة غزة التي وصفتها بأنها «خارجة عن إطار القانون»، مشيرة إلى أن «هذا الأمر من شأنه أن يكرّس الانقسام ويراهن على بقائه لأجل مصالح حزبية».
على صعيد المؤسسات الحقوقية، فقد أكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن انضمام فلسطين، إلى «العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية» في 2014، يستلزم التصديق على البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الذي ينصّ على إلغاء عقوبة الإعدام في الأراضي الفلسطينية، داعية «حماس» إلى إلغاء خطتها لاستئناف عمليات الإعدام بعد العيد.
من ناحيته، نفى الباحث القانوني في «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» محمد أبو هاشم لـ «السفير» سلامة المخرج القانوني الذي ادعته حكومة غزة لتنفيذ أحكام الإعدام، معتبراً أن ما حدث هو «قتل خارج نطاق القانون».
وشرح: «غالباً ما يدّعي السياسيّون أشياءً غير صحيحة، فكتلة الإصلاح والتغيير لا تمثل المجلس التشريعيّ، وإن كانت تمثله فهي غير مخوّلة للتصديق على الأحكام»، وفق أبو هاشم الذي أكّد أن نصّ القانون قاطعٌ وحاصرٌ للصلاحية فقط بيد الرئيس الفلسطيني.
وبحسب أبو هاشم، يعاني قطاع العدالة في غزة من نقصٍ حادّ في الإمكانيات، وجميع الأحكام التي تصدر عنه هي أحكامٌ قابلة للمراجعة، وبالتالي لا يمكن تنفيذها، لافتاً إلى أن التعذيب هو أحد أبرز الوسائل التي تستخدمها حكومة غزة لانتزاع الاعترافات من الجناة، «وهذه مخالفة واضحة لنصّ الدستور».
مع أن أهالي الجناة أصدروا بياناً تبرّأوا فيه من أبنائهم حال ثبوت تورطهم في الجريمة، أكد أبو هاشم أنه يحق لهم أن يرفعوا قضية ضد السلطات الأمنية في غزة أمام الجهات الحقوقية الدولية.