| 

منذ حصول فلسطين على صفة «دولة مراقب غير عضو» في الأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، سعى الحراك الفلسطيني إلى ترجمته على الأرض كانتصارٍ دبلوماسيّ، بينما تُصرّ دولة الاحتلال على عدم الاعتراف بفلسطين.
من هنا، جاءت فكرة تشكيل «لجنة التواصل» في «منظمة التحرير الفلسطينية»، لتكون مسؤولة عن مخاطبة المجتمع الإسرائيليّ في مسعى قد يؤثر لاحقاً على حكوماته. من ضمن النشاطات التي شاركت فيها اللجنة وأثارت غضباً في الشارع الفلسطينيّ، مشاركة وفد من «المنظمة» في «مؤتمر هرتسيليا للمناعة القوميّة الإسرائيلية» في دورته الـ16، منتصف الشهر الماضي. ما فجّر في الشارع الفلسطيني نقاشاً حول أسئلة التطبيع، وجدوى الحوار مع المجتمع الإسرائيليّ.
الرافضون: أيّ مكان في مؤتمر كهذا؟
بينما تتصاعد الهجمات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وينسد أفق التسوية، تعرّضت مشاركة «لجنة التواصل» بمؤتمر هرتسيليا لانتقاداتٍ وتنديداتٍ واسعة. وبرزت تساؤلات عن الفائدة المرجوة من المشاركة في المؤتمر، ومن الحديث مع مجتمعٍ يصوّت إلى حكومات اليمين المتطرف.
ويعتبر مؤتمر هرتسليا الذي يعقد منذ العام 2000 الأهم في الأوساط الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية، لأنه يُعنى بتطوير وتعزيز «الأمن القومي» الإسرائيلي، من خلال مراجعة السياسات الإسرائيلية للعام السابق، وتحديد معالم السياسات للعام المقبل، والتخطيط لمراحل تالية وآتية. وهو بذلك يُعَدّ مرجعاً أساسياً للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في اتخاذ قراراتها وتحديد حروبها. لذا، تعتبره بعض الأوساط الفلسطينية من أشدّ المؤتمرات خطورة على القضية الفلسطينية.
وفي دورته الحالية، حمل المؤتمر عنوان «وضع أجندة جديدة لإسرائيل في شرق أوسط مضطرب». وقد شارك في المؤتمر ممثلون أجانب وأكاديميون وخبراء استراتيجيون وممثلون عن دولٍ عربية كمصر والأردن، وممثلون عن فلسطين كعضو اللجنة التنفيذية لـ «منظمة التحرير الفلسطينية» أحمد المجدلاني، ونائب رئيس لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي في المنظمة إلياس الزنانيري.
«اللجنة الفلسطينيّة للمقاطعة»، المنسّقة مع «بي دي أس» هي واحدة من الأطراف الأشد معارضة للمشاركة، إذ رأت فيها تجاوزاً لمفهوم التطبيع، وضرباً للمقاومة الشعبية وحركة التضامن العالمية، وضرباً لحركة المقاطعة. فالمؤتمر وضع محاربة المقاطعة على جدول أعماله. لذا، طالبت اللجنة في بيان صحافي بمحاسبة المشاركين، بالإضافة إلى حلّ لجنة التواصل ووقف التنسيق الأمني وتعزيز العمل في الداخل الفلسطيني لمواجهة التطبيع.
بدوره، لفت القيادي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» كايد الغول لـ «السفير» إلى أن التجربة دلّت على أن «مشاركات كهذه لم تؤثر على الموقف الشعبيّ الإسرائيليّ، بل إن هذه المشاركة تضعف الجهود المبذولة لتوسيع حملة المقاطعة، وتظهر الاحتلال بصورة إيجابية أمام المشاركين الأجانب».
يرى المستوى السياسيّ أن المشاركة في مؤتمر هرتسيليا، التي جاءت بتعليمات من الرئيس محمود عباس، تأتي «لصالح خدمة القضية الفلسطينية وليست في إطار التطبيع». إذ اعتبر رئيس «لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي» محمد المدني، أن المشاركة تعمل على دحض الخطاب الإسرائيليّ التحريضيّ بخطابٍ فلسطينيّ يطعن تلك الأقوال، ويؤكد على السلام وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية. ومن وجهة نظر المدني، «لا يجوز التغيّب عن أي مؤتمر يتحدّث عن فلسطين».
أما أستاذ الدراسات الإقليميّة في «جامعة القدس» عبد المجيد سويلم فقيّم المشاركة بمؤتمر هرتسيليا تبعاً لظروف هذه الدورة وليس بمنطقٍ عام يأتي ضدها: «لا تُعَدّ كارثةً سياسية، لكنها لم تكن موفقة هذه المرة بسبب تصاعد حدّة الهجمات ضد الفلسطينيين». وعن إمكانية أن يسمع أحد صوتنا في مؤتمر جاء لنصرة إسرائيل، قال سويلم: «هناك أوساط في إسرائيل تهتم بالاستماع لأنها بدأت تشعر بالخطر على مستقبل إسرائيل من السياسة اليمينية المتطرفة، خاصةً التخوّف من «اللا حلّ» في الصراع وجمود العملية السياسية». ورغم ذلك، شدّد سويلم على أن حاجة تلك القوى إلى الإنصات «لا تعني أن تتوافق مع مصالح شعبنا وتقف معه في قضيته العادلة».
وعن لجان التواصل، رأى سويلم أن «المجتمع الإسرائيلي يتميز بأنه ديناميكي، رغم أنه يميني. أيّ أنه يشهد تغيرات مستمرة وتحولات في الرأي مثل الدول الغربية».
وبينما تتصاعد مقاطعة أكاديميين للحكومة الإسرائيلية ويزداد اعتراف برلمانات الدول بفلسطين، رأى الكاتب والمحلل السياسي نظير مجلي أن «إدارة الظهر ليست حلّاً متاحاً لحكومة متطرفة كهذه، إنما الحل سيكون بالمواجهة العلمية لتغيير الأمر الواقع. لن تنهي اسرائيل الاحتلال وتوقف الاستيطان والتهويد إلا إذا تحقق تأييد ذلك في المجتمع الإسرائيلي».
في المقابل، وجدت كوّة يمكن منها تجسير المواقف، وهي تؤسس لمساحةٍ نقديّة، تبقى قابلة للتقييم. البروفسور أوري ديفيس، أستاذ الدراسات الإسرائيلية في «جامعة القدس» وعضو المجلس الثوري في «حركة فتح»، رأى أننا، «حتى نلمس تأثيراً واضحاً في المجتمع الإسرائيليّ، يجب أن يتم العمل في ساحةٍ تكامليةٍ من خلال الجمع في آنٍ معاً بين الحوارات واللقاءات والمشاركة في المؤتمرات والتظاهرات وحركة المقاطعة (بي دي اس) التي أثبتت أهميتها في التأثير على الاحتلال».
بدوره، قال الغول، الذي يرفض اللقاءات مع الإسرائيليين، إن «المطلوب الآن اعادة تقييم التجرية ووضع رؤية شاملة نتوحد على أساسها ومن ثم نخوض المعارك السياسية والدبلوماسية».
لماذا لا تريد إسرائيل لجنة التواصل؟
رغم النفور الفلسطيني النسبي منه، إلا أن نهج الإنفتاح الجديد بدأ «يغضب» الساسة في إسرائيل، نظراً لتصديه لإدعاءات حكومة الإحتلال خلال اللقاءات التي تنعقد بشكلٍ دوريّ مع إسرائيليين في مقر الرئاسة في رام الله أو الداخل الفلسطيني. وللحدّ من عمل «لجنة التواصل»، سحب وزير الجيش الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، من رئيسها محمد المدني تصريح الدخول إلى إسرائيل، بدعوى ضلوعه «في أعمال تآمرية داخل إسرائيل». لكن صحيفة «هآرتس» نقلت عن مسؤولٍ رفيعٍ في مكتب ليبرمان، أن «سياسة المدني وعباس المتمثلة بالوصول إلى المجتمع الإسرائيليّ أصبحت تمثل خطراً استراتيجياً على تل أبيب، ما يفسّر سبب سحب التصريح». ورأى الكاتب ديمتري تشومسكي في مقالٍ نشرته «هآرتس» بعنوان «خطر على اليمين»، إن غالبية اليهود يعيشون في حالة من «العمى» أدّت إلى عجزهم عن رؤية التطلّع الفلسطينيّ نحو التحرّر، سببها سياسة القيادة الإسرائيلية المنهجية والقاضية بشيطنة الفلسطينيين، وتكرار إن الاحتلال يحمي فلسطين من «داعش». وهي ذريعة مستخدمة بقوة في هذه الأيام، بحسب الكاتب، لأنها تخيف الإسرائيليين. ما أكّده المدني خلال لقائنا الصحافي معه: «من خلال جلساتنا مع فئات المجتمع الإسرائيلي، يظهر أن الحكومة تعتمد على سياسة وضع الإسرائيليين في حالة خوفٍ دائمٍ من السلام ومن فكرة التعايش مع الفلسطينيين». وشرح أن دور «اللجنة» يأتي لتبديد هذا التخوف.
ورفض المدني القول أن يصنّف عمله في خانة التطبيع: «إن عملي وطنيّ وسياسيّ، وعندما نتحدث مع الجانب الآخر بالمنطق والمصلحة المشتركة ولا نخرج عن قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.. فهو (الإسرائيلي) مَن سيتطبّع بسياستك».