| 

يفضّل الفلسطينيون في مدينة القدس الشرقيّة استخدام تعبير «استيلاء» حين يتعلّق الأمر بعقاراتٍ في المدينة يدخلها مستوطنون إسرائيليون، ولكنهم في قرارة أنفسهم يعرفون ويقولون: «للأسف، لقد اشتروها».
في صبيحة يوم التاسع من أيار/ مايو الماضي، دخل العشرات من المستوطنين الإسرائيليين إلى بناية كبيرة في حارة السعدية في البلدة القديمة من المدينة وسط أهازيج الفرح والتلويح بالأعلام الإسرائيلية.
ولا نحكي هنا عن غرفة صغيرة أو شقة، وإنما بناية من 3 طوابق تضمّ نحو 25 غرفة ويطلّ سطحها على قبة الصخرة المشرفة.
«كانت خالية تماماً»
كانت البناية خالية تماماً من سكانها حين دخلها المستوطنون، ما أثار علامات استفهام حول حقيقة ما جرى، وإن تبادر إلى الأذهان فوراً بأنه قد تمّ تسريبها.
لم تتوقف الاتصالات عبر الهواتف النقالة عن استفهام ما جرى. فـ «العملية كانت مفاجئة جداً، لم تكن هناك مقدمات أو إشارات، تفاجئنا بدخول المستوطنين إلى المبنى»، يقول وزير شؤون القدس ومحافظ المدينة عدنان الحسيني.
يضيف متأسفاً: «كان بالإمكان تحويل هذه البناية مدرسة أو روضة، إذ لدينا نقص حاد في الغرف الصفية في المنطقة! ولكن، للأسف، باتت نقطة أخرى لاستفزاز الفلسطينيين في البلدة القديمة».
ليس ببعيد عن هذه البناية تقع بناية كبيرة أخرى مطلة على شارعين في حارة السعدية ذاتها، دخل المستوطنون في تموز/ يوليو من العام 2015 إلى 5 شقق فيها.
حينها، قال سكان البناية إنهم باتوا ليلتهم خارج منازلهم للمشاركة في حفل زفاف، وإن المستوطنين استغلوا ذلك في الدخول إلى المبنى.
منذ ذلك الحين، بقيت عائلة واحدة في الشقة السادسة في البناية. ولكنها تواجه خطر الإخلاء خلال شهر حزيران/ يونيو الجاري، بقرار من محكمة إسرائيلية حكمت لصالح المستوطنين.
مقعدٌ أمام البناية
بألم، يجلس مازن قرش إلى مقعد وضعه قبالة البناية، ويراقب حركة دخول وخروج المستوطنين من البناية، وتنقلهم بينها وبين بناية أخرى مقابلة.
يخشى قرش مباغتة المستوطنين لأفراد عائلته في حال غيابه، فلا يغادر المنطقة على الإطلاق.
ومثل قرش، ثمّة العشرات من الفلسطينيين الذين يواجهون محاولات المستوطنين وضع اليد على عقاراتهم في البلدة القديمة، فيقارعونهم في الميدان وفي المحاكم الإسرائيلية.
ولكن، في حالات شراء المستوطنين للعقارات، فإن سكانها غالباً ما يختفون.
واستناداً إلى الحسيني، فإن مستوطنين إسرائيليين تمكّنوا حتى الآن من وضع اليد على 75 عقاراً في البلدة القديمة تتفاوت ما بين محل تجاري ومدخل بناية وشقة وحتى بناية كبيرة.
في الغالبية العظمى من الحالات، دخل مستوطنون العقارات بالتحايل من خلال ما يُسمى بـ»حارس أملاك الغائبين» أو بمساندة الحكومة والمحاكم الإسرائيلية.
ولكن، ثمة عقارات تسربت من خلال أصحابها، أو عبر سماسرة، ما جعل الفلسطينيين يرفعون الصوت بعد إقرار مرّ بأن تسريبات كهذه تجري بالفعل.
في خطبة جمعة له في المسجد الأقصى خلال صلاة شارك فيها أكثر من 60 ألفاً، غالبيتهم من المقدسيين، هاجم الشيخ عكرمة صبري، رئيس الهيئة الإسلامية العليا، السماسرة ومسرّبي العقارات. قال: «هذا الموضوع خطير وبحاجة إلى اتخاذ التدابير اللازمة بحق أولئك الذين يسربون العقارات». وأكمل مكفّراً ممارسي التسريب والسمسمرة.
في غياب سلطة فعلية للفلسطينيين في مدينة القدس الشرقية، يأمل بعضهم أن يردع الوازع الديني عمليات التسريب.
سماسرة لتمويه المستوطنين
تنشط جمعية «عطيرات كوهانيم» الاستيطانية في وضع اليد على عقارات فلسطينية في البلدة القديمة باستخدام الأجهزة الحكومية الإسرائيلية او السماسرة. وقد وقفت هذه الجمعية، التي بدأت عملها قبل 30 عاماً وتتخذ من حي الواد في البلدة القديمة مقراً لها، خلف العمليتين، ولكنها ليست الوحيدة.
على مقربة من البلدة القديمة، وتحديداً في بلدة سلوان، تنشط جمعية «العاد» الاستيطانية في وضع اليد على عقارات فلسطينية في مسعى لتحويلها إلى ما تسميه «مدينة داود».
وخلال العامين الماضيين، تمكّنت هذه الجمعية من وضع اليد على عشرات العقارات الفلسطينية في البلدة. وفي الغالبية العظمى من الحالات، كان المستوطنون يدخلون العقارات من دون وجود أصحابها فيها.
وبحسب مصادر محلية، قال شخص من الداخل الفلسطيني في إحدى الحالات إنه يريد شراء 26 شقة ليحولها مركز لضيافة مسلمين يزورون القدس. في فجر الثلاثين من أيلول/ سبتمبر 2014، كان عشرات المستوطنين يدخلون هذه الشقق في حي وادي حلوة في سلوان، بعدما اتضح أنها بيعت لهم.
وتنشط الجماعات الاستيطانية الإسرائيلية في محاولة لتغيير الوضع الديمغرافي القائم في البلدة القديمة لمنع أي إمكانية حل سياسي تصبح بموجبه القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
ولكن، الميزان الديمغرافي في البلدة لا يزال لصالح الفلسطينيين وبأغلبية كبيرة. فيقول الحسيني إن «في مقابل 37 ألف فلسطيني، هناك ما لا يزيد عن 4500 يهودي في البلدة القديمة، بمن فيهم من يقطنون حارة اليهود المقامة على أنقاض حارة الشرف».
وتحاول 3 مؤسسات، «مؤسسة الرفاه» و «مؤسسة التعاون» و «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، مساعدة الفلسطينيين في البلدة القديمة على الصمود في منازلهم، من خلال ترميمها.
وتجري عمليات تسريب العقارات، مباشرةً أو بواسطة سماسرة، بسرية تامة، فينجح الفلسطينيون في إحباط بعضها، ولكن البعض الآخر ينجح.
وغالباً ما يكتنف الغموض مصير السماسرة وبائعي العقارات، فيقال إن البعض انتقلوا إلى خارج الأراضي الفلسطينية أو أنهم يتعمّدون التخفّي عن الأنظار.