| 

عمدت إسرائيل في استعمارها للذاكرة الفلسطينية إلى اختلاق مصطلحات ومسمّيات غرستها في عقل المتلقي، لتكون جزءاً من المكوّنات الأساسية لوعيه. فتمّ استنباط المسمّيات من الأسطورة التوراتية لتتماشى مع تاريخٍ متخيّلٍ يفتقر إلى الشواهد على الأرض، ولتستبدل المصطلحات المعتمدة في السردية الفلسطينية.
استبدال المكان
يطلق الاسم العبري على المكان بدلاً من الاسم الفلسطيني، يتكرر حتى يتسرب الى الوعي اليومي الفلسطيني، فيتم تبنيه. كثير من أسماء المستوطنات المقامة على الاراضي الفلسطينية تبنّاها الإعلام المحلي عند الاشارة الى مكان حدثٍ ما، حتى صار الناس يردّدونها في الاشارة الى المكان ذاته. الامثلة على ذلك كثيرة، فيقال: «بالقرب من مستوطنة بساغوت»، من دون ذكر المكان المقامة عليه وهو جبل الطويل في رام الله، و «غوش عتصيون» بدلاً من «العروب» قرب مدينة الخليل، و «مشور ادوميم» بدلاً من الخان الأحمر قرب أريحا، و «حائط المبكى» بدلاً من «البراق» في القدس.
في دراسته «تأثير المصطلح الإعلامي الصهيوني على الهوية الثقافية الفلسطينية»، اعتبر الباحث عمر عتيق أن حرب إسرائيل على ذاكرة الإنسان الفلسطيني نجحت، لأن معظم وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية تبنت هذه المصطلحات والمسمّيات.
استغلت إسرائيل ضعف الخطاب السياسي الفلسطيني، وغياب الوعي المهني لتمرير مصطلحات سياسية تخفض سقف التوقعات وتهمّش الصراع. فمثلاً، مصطلح «عرب إسرائيل»، يستخدم للإشارة الى السكان الذين يقيمون في الاراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1948. وهو يعني أن الفلسطينيين الذين يعيشون في هذا الجزء من فلسطين المحتلة هم أقلية قومية تعيش في دولة مضيفة. التركيبة اللغوية للمصطلح تشير إلى أن الفلسطينيين منسوبون إلى إسرائيل، وليسوا أصحاب أرض ومكان. كما ينطوي مصطلح «عرب 48» على أبعاد سياسيّة أهمها وصف الفلسطينيين بأنهم أقلية، تستضيفها دولة إسرائيل بسعة صدر ديمقراطية.
في كتابه «الأسلوب الصحافيّ» الصادر عن «مؤسسة إعلامنا للدراسات والتطوير»، ردّ الباحث نصير فالح ما أسماه «إشكالية المصطلح» في تبنّي وسائل الإعلام الفلسطينية لمصطلحات إسرائيلية إلى قصورٍ مهنيّ في تقدير الموقف، وغياب سياسات تحريرية واضحة، وأثر الاحتلال الاستيطاني على أوجه الحياة في فلسطين. ما دفعها الى اعتماد الاقتباس من دون وعي إلى خطورة النهج وموقعه لدى المتلقي.
ويعطي فالح هنا مثلاً عن مصطلح «جدار الفصل العنصري»، للإشارة الى الجدار الذي يفصل فلسطين المحتلة عام 1948 عن فلسطين المحتلة عام 1967، من دون إدراك أن مصطلح «فصل عنصري» يعني أن الفصل واقع بين شعبين يعيشان على الأرض ذاتها، وحالة الانفصال حدثت لأسباب عنصرية كاللون أو العرق أو الدين... «هذا المفهوم يعطي اسرائيل الحق في أرض فلسطين. لكن، عند إرجاع المصطلح الى خلفيته القانونية، نجد ان المحكمة الدولية في لاهاي عرفته في العام 2003 بـ «جدار ضمّ وتوسّع»، أي ضم أراضٍ جديدة والتوسّع على حساب أراضي الغير».
تغيير يتبع للمناخ السياسي
تخضع إسرائيل المصطلح إلى تغييرٍ تدريجيّ يتماشى مع المناخ السياسيّ لخدمة أهدافها في مرحلة معينة، حسبما يلاحظ فالح. فيبدأ المصطلح بلفظ محدد يستمر زمنًا، ثم يتحول إلى لفظ آخر. لأن المصطلح يجسّد المعطيات السياسية والثقافية. وحين يطرأ تغيير في دلالته، فإن التغيير يكشف عن هبوط في مستوى الاستحقاقات السياسية. يورد مثلاً المصطلحات الخاصة بالاستيطان: بدأت في الخطاب السياسي الفلسطيني بمصطلح «إزالة المستوطنات»، الذي يعبرّ عن برنامج سياسي يرفض الاستيطان. ظلّ المصطلح يمثل «سقفًا سياسيًا» للثوابت حتى اتفافية أوسلو، ليتحوّل معها الإزالة إلى استهداف «الكتل الاستيطانية»، أي ضمّ المستوطنات الصغيرة إلى المستوطنات الكبيرة. ثم ظهر بعدها مصطلح «وقف الاستيطان» انطلاقاً من التسليم بالأمر الواقع. فجسّد هذا المصطلح ضعف الموقف السياسي الفلسطيني وغطرسة الاحتلال خلال المفاوضات.
لعل الأخطر برأي أستاذ الإعلام في جامعة بيت لحم سعيد عياد يكمن في مصطلح مثل «إزالة المستوطنات غير الشرعية» الذي تبنّته وسائل الإعلام المحلية في فترة معنية. وكانت إسرائيل قد سوّقته للإشارة الى المستوطنات التي أقيمت بعد قرارها وقف النشاط الاستيطاني خلال فترة المفاوضات. والمصطلح يعني أن هناك مستوطنات شرعية وأخرى غير شرعية، بينما الاستيطان كله غير شرعي قانوناً.
أما مصطلح «القضية الفلسطينية» الذي تحوّل إلى «المسألة الفلسطينية» فيبيّن أن الهدف هو الحصول على مزيد من التنازل في الاستحقاقات السياسية. إذ أضحت القضية الفلسطينية مسألة تبحث عن إجابة على طاولة المفاوضات. كذلك مصطلح «الصراع العربي الإسرائيلي»، الذي اختزل القضية الفلسطينية بالصراع على الحدود، وأراضٍ عربية محتلة عام 1967، ثم تحوّل الصراع إلى «نزاع ((conflict»، وللنزاع له بعدٌ قضائيّ يمكن تسويته بالحوار بين طرفين يمتلكان «عدالة» ما.
إلى ذلك، يحل مصطلح «المطالب الفلسطينية» بدلاً من «الحقوق الفلسطينية»، ليفيد بأن المطلب قابل للرفض، بينما كلمة «حقوق» لا تترك مجالاً للمساومة. لذلك، يحرص الإعلام الإسرائيلي على لفظ «مطالب» بدلاً من «حقوق». أما مصطلح «التسهيلات» الذي يُستخدم في سياق تقليل عدد الحواجز العسكرية فيدلّ على سلوك إنساني وحضاري من قبل الاحتلال، مغفلاً أن وجود الحواجز أساساً هو عمل احتلالي يخالف المعايير الحضارية والأخلاقية.
بالنسبة الى رئيس دائرة اللغة العربية في جامعة بيت لحــم معين هلون، المعنى السياســي للمصطلح يختلف عــن المعنى اللغوي: «نحن نعيش صراعاً لغوياً، وصراعاً حول الروايــة. لذا، يجب أن يكــون لنا مصطلحنا، ويجب أن تكون لدينا روايتنــا، ويجب أن يكون مصطلحنا موحّداً ومســتنبطاً من الكينونة العربية الفلسطينية».
إلا أن الباحث وأستاذ اللغويات خليل عيســى يرى أن «المصطلح ينحت لغوياً ولكنه يوظف من الناحية الدلالية، والسياسية، والمعرفية». لذا، يجب أن يُستدعى الوعي الإعلامي والسياسي الفلسطيني في تكوين المصطلح، واستخدامه بما يحفظ الحقوق الوطنية. من دون ذلك، «سيبقى الخطاب الإعلامي والسياسي الفلسطيني رهن الاقتباس الذي يخدم سردية الاحتلال التاريخية كما السياسية اليومية».