| 

في تلك البلدة الوادعة التي كانت تشتهر باسم «دير الزيتون»، يستيقظ «المزارعون الصغار» قبل الكهول باكراً على غير العادة. لكن الوجهة ليست أراضيهم، فلم يعد مفهوم يوم الجمعة مرتبطاً باستغلال الإجازة للاعتناء بأراضي العائلة، بل أصبح عنواناً للاعتصام الأسبوعي الرافض لإغلاق عشرات آلاف الدونمات الزراعية في بلدة ديراستيا شمال غرب سلفيت. يُلوّحون بأعلامهم الفلسطينية التي تُغيظ المستوطنين على جانبي الشارع الاستيطاني، ويطرقون بحجارتهم جدران «المصدّات الحديدية» على الشارع والشمس تغطّي كبد السماء، كأنهم أقسموا أن يطرقوا جدران الخزان. أما المستوطنون فلا يُعجبهم المنظر: يترجل أحدهم من سيّارته وينتزع علماً اسرائيلياً عنها ليلوح به. هذا المشهد يستحضر للوهلة الأولى معنى أن «الصراع وجودي على الأرض».
إما الطريق الصعبة أو الطريق الخطرة
«أغلقتم الشارع أمامنا لتمنعونا من الوصول إلى أراضينا، سنغلق الشارع أمامكم ولو لدقائق. افترشنا أرضنا والتحفنا سماءنا تحت مطر قنابل الصوت لنمنع مستوطنيكم من العبور نحو مستوطناتهم». هكذا تأتي الصورة من المسيرة الأسبوعية الاحتجاجية عقب أكثر من مئة يوم من إقامة الاحتلال لمصدّات حديدية على جانبي الشارع الاستيطاني، قرب بلدة ديراستيا، ما حرم مئات المزارعين من الوصول لأراضيهم وعَزَلها عن بقية أرجاء البلدة.
«شركة المقاولات التابعة للاحتلال بدأت بتعبيد الشارع في نهاية العام المنصرم، وتعمّد المقاول إنشاء جدارٍ إسمنتي أتبعه بالجدار الحديدي الخاص بالرصيف على ارتفاع متر واحد، وحفر أقنية عميقة لتصريف المياه أيضاً، ما أدى إلى إغلاق كل المنافذ الواصلة إلى الأراضي في المنطقة الغربية»، يروي ياسر عوض الذي يحضر أسبوعياً في المسيرة الاحتجاجية.
ويتابع عوض: «معظم أراضي المزارعين في بلدة ديراستيا تقع في المنطقة المعزولة عن البلدة، وهذا الإغلاق يحرم مئات المزارعين من تواجدهم لتفقد أراضيهم المزروعة بالزيتون، بالإضافة إلى منعهم من قطف النباتات الموسمية مثل الميرمية والأكلات الطبيعية كالزعمطوط واللسان وغيرها، وقص الحطب الذي يستعمل في التدفئة لموسم الشتاء أساسا».
المزارع جابر عقل يقول إن الوضع سيتفاقم وسيغدو أكثر سوءاً خلال الأشهر المقبلة قبيل موسم الزيتون، مؤكداً أن القليل من المزارعين حالياً يُضطرون لسلوك طريقٍ بديل أكثر خطراً واستهلاكاً للوقت وأكبر مسافةً وجهداً، عبر المرور بمحاذاة الثكنة العسكرية لمستوطنة «رفافا»، سعياً منهم للوصول من وراء الشارع الالتفافي، ثم معاودة سلوك طريقٍ أخرى إلى أراضيهم الزراعية، أو المخاطرة بعبور الشارع من الداخل والسير مسافة كيلومتر، بحيث يكاد المزارع يلاصق السيارة العابرة: «الإغلاق الحالي بالجدار الاسمنتي والحديدي مستمرٌ منذ أشهر طويلة، قبل ذلك كان الإغلاق محصوراً بوضع الحديد الخاص بالرصيف أقل ارتفاعاً مع ترك مساحة منه مفتوحة لعبور الدواب والمزارعين، لكن راهناً الاحتلال أغلق كل المنافذ بالكامل».
الحصار يؤدي إلى العزوف
يفيد مدير الزراعة في سلفيت ابراهيم الحمد بأن الإغلاق شمل خمسة طرق زراعية، منها أربعة تعود للعهد العثماني، لافتاً إلى أن الإغلاق يمتد على مسافة 2 كيلومتر، من مدخل مستوطنة «رفافا» وصولاً إلى مفترق مستوطنة «ياكير» المحاذيتين للبلدة.
«مساحة الأراضي التي شملها الإغلاق تبلغ 20 ألف دونم، منها 13 ألف دونم مزروعة بالزيتون تقريباً، والضرر لا يقتصر على حرمان نحو 450 مزارعاً من الوصول لأراضيهم فقط، بل إن الاحتلال تعمّد اقتلاع عدة أشجار زيتون بمحاذاة الشارع أثناء تعبيده، علماً أنها لا تُعيق العمل. أيضاً، الإغلاق يحظر وصول الجرارات الزراعية والسيارات إلى الأراضي المعزولة، ما يزيد من معاناة المزارعين»، وفق الحمد.
منسق «الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان» في محافظة سلفيت رزق أبو ناصر يرى أن سياسة الإغلاق قديمة جديدة، والوضع في بلدة ديراستيا مُخطط له بقصد، ويهدف إلى عزل معظم الأراضي الزراعية والتنغيص على أصحابها، مشيراً إلى وجود طرقٍ زراعية أخرى لا تزال مغلقة منذ سنوات طويلة.
ويؤكد أبو ناصر أن الخطورة تمكن في كون الشارع الالتفافي حيوياً ومزدحماً بالسيارات المارة، فهو الرابط بين محافظتي سلفيت وقلقيلية من جهة، وكذلك بين رام الله والمدخل الغربي لنابلس وقلقيلية وسلفيت من جهة أخرى. ويتخوف أبو ناصر من عزوف المزارعين تدريجياً عن استصلاح أراضيهم والاعتناء بغراسهم بسبب الإغلاق والتضييق الحالي، خاصة أن متوسط عدد أفراد الأسرة في بلدة ديراستيا يبلغ 5 أفراد.
ويضيف أبو ناصر: «بلدة ديراستيا التي لا ينفك يلاحقها شبح الاستيطان تعاني أيضاً من شح المراعي بفعل مصادرة الاحتلال لآلاف الدونمات سابقاً. والإغلاق الحالي سيغلق أحد المراعي المتبقية أمام من يمتهنون حرفة الرعي»، مشيراً إلى أن قطاع الزراعة يشكّل بالنسبة إلى القسم الأكبر من سكان بلدة ديراستيا مصدر رزقٍ ودخلٍ أساسي.
يجد رئيس بلدية ديراستيا سعيد زيدان جدوى في استمرار الفعالية الاحتجاجية الأسبوعية، على الرغم من استفزازات المستوطنين المتواصلة، وقمع جنود الاحتلال للمزارعين المعتصمين. ويلفت إلى عدم وجود بديل من الاحتجاج في ظل تعنت الاحتلال: «قررنا الاستمرار في الاحتجاج الميداني أسبوعيا بموازاة التحرك الفاعل في الاجراءات القانونية ومتابعة الموضوع مع الجهات الرسمية الفلسطينية. سنقطع الطريق أمام مخططات الاحتلال، لأن الإغلاق قد يكون مقدمة تمهيدية لعزلٍ أكبر لثلثي أراضي بلدة ديراستيا».