| 

هناك علاقات تخنق كلامنا، وهناك تلك الّتي تجعلنا نتكلّم. النّاس جميلة، إن تجرّدت من سياقها (وهذا محطّ نّقاش أيضًا)، ولكن ضعها في سياقٍ أو إطارٍ ما، إن كان ذلك زواجًا أو علاقة مغلقة أو مفتوحة، أو اللّاعلاقة، فينفذ الصّبر ويؤوّل الجمال جحيمًا.
ذلك الجحيم، أو كلمته، هو ما تكوّره وترمي به ميسا، إحدى الشّخصيّات في فيلم «أمور شخصيّة» للمخرجة الفلسطينيّة مها حاج، نحو حاجز قلنديا، أقلّه مجازًا. ميسا وطارق (ميساء عبد الهادي ودريد لدّاوي)، أحد الأزواج الذي يتتبّع الفيلم قصّتهما، يأخذان دروسًا في رقص التّانغو في القدس. يقطنان في رام الله مع أنّهما في الأصل من حيفا والنّاصرة، فيقطعان الحدود المتخيّلة ما بين الضّفّة الغربيّة وبقيّة فلسطين ليأخذا دروس الرقص. لم تمرّ على علاقتهما أكثر من ثلاثة أشهر، ولكنّ ميسا كانت قد تعلّقت بطارق، وتوقّعاتها من العلاقة سبقت توقّعاته أو اختلفت عنها. عند سؤال الجندي في الحاجز عن العلاقة بينهما (باللّغة الإنكليزيّة، بناءً على طلب ميسا الّتي لا تريد التّواصل بالعبريّة)، يجيب طارق بأنّها صديقة. «a friend». تغضب ميسا من جوابه، فهي كانت تتوقّع أن تكون أكثر من مجرّد صديقة، وتهمّ بالخروج من السّيّارة. يسألها الجندي: إلى أين؟ فتجيبه: «إلى الجحيم»، وقد نفد صبرها.

جحيمٌ فاصل داخل العلاقات كلها
ذلك الجحيم، قد يكون الحاجز الذي سيحال بعد قليل إلى نقطةٍ راقصة، أو حدث الاعتقال، أو نقطة اللّاعودة لعلاقةٍ بدأت أو لم تبدأ أصلًا. كذلك هو الجحيم الممتدّ على ثلاث علاقات، ليفصل ما بين أبوي طارق، نبيلة وصالح (سناء ومحود شواهدة)، القاطنين في النّاصرة (شمال فلسطين)، وبين ابنتهما سمر وزوجها جورج (حنان حلو وعامر حليحل) القاطنين في رام الله، كما بين ابنهما هشام (زياد بكري) القاطن في السّويد وغربته.
يعيش صالح ونبيلة حالةً من الصّمت، الصّمت الّذي تنامى مع الوقت أو الصّمت المتأصّل والمتخفّي بثرثرة اليوم بيومه. يحاول صالح اجتذاب نبيلة من صمتها بقراءة المقالات العلميّة لها، بطلبه ما يستطيع القيام به منها، بتخطيطه لأسفارٍ معها ترفضها هي، وتفضّل عنها الصّمت والحياكة ومشاهدة المسلسلات التّركيّة. يقنعها (بالدّهاء) صالح وابنها زياد بالسّفر إلى السّويد لقضاء فترةٍ ما في كوخٍ على ضفاف بحيرة. هادئة، ساكنة، ويمتدّ معها البصر. صالح، الذي لا ينام بسبب شربه القهوة، وربّما قلّة الكلام في منزله، يحاكي ابنه هشام الذي يشعر بوحدةٍ من نوعٍ آخر، أو مشابهة في السّويد، ليتذّمر له من زوجته نبيلة، كما قلّة نومه. فيقترح هشام المكوث بجوار الطّبيعة، ليحاولا حلّ مشكلة التّواصل بينهما.
أمّا سمر وجورج، الحبّ والجيل الأقلّ قدمًا، فيعيشان حالة من التّواصل المرهق. سمر تتكلّم وجورج يسرح مع خياله. يحبّ البحر ويريد رؤيته. سمر تهتمّ بتفاصيل المنزل وجورج يحلم باللّون الأزرق. سمر تسأل عن تفاصيل اختبار الأداء لفيلمٍ أميركيّ، كان قد طلبت مخرجته من جورج فحص أدائه لتمثيل دورٍ ما فيه، وجورج يهتمّ بالطريق الذي سيسلكه لذلك في حيفا. «هل سنتبع طريق البحر؟»، يسأل بشوق. هو من رام الله ولم ير قطّ الجزء الآخر من فلسطين. الجزء الّذي يصمت أحيانًا، أو يسكّن، عبر الحدود، الّتي أرهقتنا بكلامها لمدّة طويلة.
ميسا وطارق، الحبّ، والجيل، المرتبك، وقد تكون بداية الفهم في الارتباك. ينفجران في خصامٍ حول علاقتهما وهما في غرفة التّحقيق والاستجواب. خصامٌ يحيلانه إلى درس تانغو، فيرقصان ويتمايلان أمام مرآة أحاديّة الاتّجاه. يصمت الجنديّان ما وراء المرآة ليواصل الآخران رقصتهما، وأمورهما، الشّخصيّة، على مرأًى من الاحتلال، وجهله بما يجري. وقد تكون المرآة، أو ظاهرتها المتكرّرة في كلٍّ من البحر (في حيفا) والبحيرة والشّبابيك (في السّويد) والمرآة (في قلنديا)، هي الّتي تعكس ما في الدّاخل وتحرّره نحو الخارج. تعكس الشّغف في غرفة التّحقيق، تعكس امتداد فلسطين شرقًا وغربًا، خارج إغراء هوليوود، وتعكس الكلام المخبّأ، نحو صمتٍ أكثر حميميّةً.

ولو على كرسي الاعتراف
جدّة جورج (جيهان درمنكنيان)، التي تقطن مع جورج وزوجته سمر، هي الجيل والحبّ الأقدمان. هي الذّاكرة المتراكمة لفلسطين، تعكسها في قصّة طفولتها وتمسّكها بقنوات البثّ الأسود والأبيض. لا تتكلّم كثيرًا، أو لا تسنح لها الفرصة لتتكلّم. لكنّها تتكلّم، بعد محاولات فاشلة عدّة، وتسرد قصّة عن مصنع البلاط في نابلس ونسيان أبيها لها هناك، واختياره للبلاط المغاير لما كانت قد استحلت – نجمة خضراء وحمراء. بقيت في المصنع مدّة ثلاثة أيّام إلى أن تذكّرها أبوها. فعادت لتجد بلاطًا لم تختره في منزلها.
«من المثير للاهتمام الاستماع لغيرنا يروي قصّتنا، حتّى ولو كان ذلك من على كرسي الاعتراف في المحكمة»، يقول ميرسو في رواية «الغريب» لألبير كامو. إن فيلم «أمور شخصيّة»، وهو الفيلم الرّوائي الأوّل لمها حاج، والّذي اشترك في مسابقة «نظرة ما» في مهرجان كان الفرنسي الأخير، هو إحدى تلك الرّوايات. يروي قصّة فلسطين، بدراميّتها وحزنها ومرحها وشبابها وعجائزها، من على كرسي اعتراف وبفكاهة السّينما، ليعكسها في ألوانٍ وقصصٍ وأمورٍ شخصيّة، هي جزء لا يتجزّأ عن العام منها. يروي قصّة فلسطين والنّاس المشتّتة خارجها وفيها. يتناول التّواصل، انعدامه، وانعكاساته. كما الحبّ. حبّ الآخر والعلم والبحر والموسيقى، وحبّ فلسطين الماضي والحاضر، كما الحبّ الّذي يمكّن الحديث ممّا كان قد خُنق أعوامًا. فنتنفّس الصّعداء، ولو حينًا، لمعرفتنا أنّ قصّتنا منعكسة، على وجه شاشةٍ، أو بحرٍ ما.