| 

في خططٍ محسوبة مستقبلاً لعشرات السنين، تسير إسرائيل. فمن خلال اتخاذها جملة من القوانين لسلب الأراضي من الفلسطينيّين، سواءً في الأراضي المحتلّة سنة 1948 أو في الأراضي المحتلّة سنة 1967، تعمل إسرائيل على تثبيت أمرٍ واقعٍ غير مشروع، وجعله «قانونياً» في يومنا هذا.
آخر الاقتراحات المتسارعة مشروعُ قرارٍ طرحته وزيرةُ القضاء إيليت شاكيد، ينصّ على تطبيق القانون الإسرائيليّ في المستوطنات الواقعة ضمن الأراضي المصنّفة «ج»، التي تشكل نسبة 61 في المئة من مساحة الضفّة الغربيّة.
هذا المشروع الذي لم يقرّ مؤقتاً، أثار ضجة، لا سيما على المستوى السياسيّ وبين الخبراء الفلسطينيين، إذ اعتبره البعض خطوةً ممنهجةً نحو إنهاء خيار حلّ الدولتين، وفرض أمر واقع جديد ينهي واقعياً العمل بمفاوضات أوسلو والاتفاقات الموقّعة بين الجانبين. فوفقاً لاتفاقيّة أوسلو، التي وقعت بين «منظمة التحرير» وإسرائيل في العام 1993، كان من المفترض أن يتمّ نقل مسؤولية الأمن من الجيش الإسرائيليّ للشرطة الفلسطينيّة وتحويل صلاحيات تلك الأراضي تدريجيّاً للسلطة خلال مدة أقصاها 18 شهراً، على أن يتم بعد ذلك بحث قضايا الوضع النهائيّ، ومن ضمنها: المستوطنات. كما فتح المشروع الباب على عدّة أسئلة: كيف سيتعامل القانون الدوليّ مع الواقع الجديد في المستقبل؟ وما مصير الاتفاقات السابقة بين الطرفين؟ ولماذا إسرائيل تصرّ على إصدار قوانين رغم قدرتها على ضمّ ما تحتاج من أراض بالقوة؟
ماذا يفعل مشروع القانون هذا؟
يشرح الخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي مكمن الخطورة في القانون: «الاحتلال يحاول صنع مسوغ قانونيّ لوجود المستوطنات رغم قيامها على أراضي 1967 المحتلّة والتي يُمنع قانوناً البناء عليها». ويضيف، مقارباً الخطورة المستقبليّة انطلاقاً من الاتفاقات والتفاهمات السابقة: «رغم أن هذه المستوطنات غير شرعية، هي فرضت أمراً واقعاً. فمثلاً، الولايات المتحدة الأميركيّة في تفاهمات بوش - شارون 2004، تحدثت عن أنّ مرحلة الحلّ النهائيّ ستأخذ بالحقائق المفروضة على الأرض». تعزّز حديث التفكجي هذا حول فرض أمر واقع جديد، حقيقة أن اليوم، في الضفّة الغربيّة والقدس الشرقيّة، يوجد أكثر من نصف مليون مستوطن. هؤلاء، الآن صار نقلهم من مكانهم أمراً صعباً، لأن نقل سكّان من منطقة إلى أخرى يعدّ جريمة حرب، وفق القانون الدوليّ الإنسانيّ. لذا، أكد خبير الاستيطان أن ما يجري يعدّ تغييراً ممنهجاً على الأرض، يأتي مشروع القانون في محاولةٍ ضمنه لإيجاد مصوغٍ قانونيّ للأراضي التي استولت عليها إسرائيل، وأسكنت داخلها مئات الآلاف من المستوطنين، على أنها أراضي دولة وليست أراضي خاصة.
وقالها صراحةً خبير الاستيطان: «إن إسرائيل، عمليّاً، من خلال قوانينها القديمة والحديثة، استطاعت تحقيق غاية الضمّ، لكنها لا تعلن ذلك تفادياً للضغوط الدوليّة». ما أكده زعيم حزب «البيت اليهوديّ» نفتالي بينت، حين كتب على صفحته الشخصيّة على «فايسبوك» إنه لا يرى أيّ سبب لقيام المستشار القضائيّ للحكومة بإلغاء مشروع القانون المذكور. وأعلنها بينت أن القانون يطبّق اليوم على أرض الواقع فعليّاً، لا ينقصه إلا الإعلان عنه، لافتاً إلى ضرورة تأييد تطبيق القانون الإسرائيليّ في المستوطنات.
أهم أساليب سرقة الأراضي
بمراجعة قوانين السيطرة على الأراضي منذ نشأت إسرائيل حتى اليوم، نلاحظ أن أيّ أرضٍ في فلسطين مهدّدة بالمصادرة في أية لحظة، لا سيما في المناطق المصنّفة «ج» التي تعود السيطرة الأمنيّة والإداريّة فيها إلى إسرائيل، وفق اتفاقية أوسلو.
أول هذه القوانين صدر في العام 1950، وهو يعرف بـ «قانون الغائبين» الذي ينصّ على أن كل الأراضي التي تركها أصحابها الفلسطينيّون وكل الأراضي التي تعود للدول السبع التي استعدت إسرائيل لمساعدة الفلسطينيين في العام 1948، فإن ملكيّتها تعود لـ «حارس أملاك الغائبين». وبحسب خبراء، فإن إسرائيل استولت على 3.5 ملايين دونم من أراضي فلسطين بواسطة قانون الغائبين.
ثاني هذه القوانين هو قانون المحميّات الطبيعيّة. بفضله، يستطيع الاحتلال مصادرة أيّ أراضٍ بدعوى أنها منطقة خضراء. ثالثها، القوانين التي تجيز مصادرة الأراضي بدعوى أنها مناطق عسكريّة مغلقة أو بذريعة التدريبات. رابعها، قانون أملاك الدولة أو الأملاك الحكوميّة الذي سُحب على الأراضي المحتلّة في العام 1967.
إلى ذلك، يضاف قانون المصلحة العامة الذي ينصّ على كيفية فتح شارعٍ مثلاً، لكن إسرائيل تستخدمه اليوم لبناء مستوطنات جديدة.
وجديد القوانين ما يسمى بـ «قانون الجيل الثالث» في القدس، وينصّ على أن أيّ إنسانٍ كان مستأجراً محميّاً ومات الجيل الثالث من سلالته (موت ابن الابن)، يتمّ طرده من البيت. وتأتي هذه القوانين إلى جانب ممارسات الاحتلال في الهدم لطرد السكّان و/أو السيطرة على الأراضي، كالحال مع تدمير منشآتٍ تعود للاتحاد الأوروبيّ في المناطق «ج».
لكَ في 48، ولها في 67
يشرح الخبير في القانون الدوليّ الإنسانيّ حنا عيسى، أن إسرائيل تتحجّج بثلاثة أمورٍ لضمّ الأراضي وزيادة التوسع الاستطاني: «الذريعة الأولى هي أن فلسطين أراضٍ متنازع عليها، الثانية هي الفراغ السياديّ، والثالثة هي ذريعة الدفاع عن النفس». وأكد أن إسرائيل تستولي حالياً على الأراضي «بطريقةٍ خبيثةٍ» من دون أن تُشعر الفلسطينيين بوطأة ذلك، «من خلال إحلال الأوامر العسكريّة وتطبيق قانون الغائبين وغيرهما، على اعتبار أن هذه الأراضي متنازع عليها».
وعلى ما يبدو، لا يمكن ردع إسرائيل عن سياسة ضمّ الأراضي والتوسّع، لا سيما في ظل الدعم الأميركيّ، إلا من خلال إنهاء الانشقاق الداخليّ وتحقيق الوحدة السياديّة بين الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، بحسب عيسى: «الوحدة تعني إعادة فلسطين إلى الخريطة السياسيّة».
هل من دورٍ يمكن أن تؤديه في سياق الصدّ مبادرة السلام العربيّة التي عادت إلى الضوء من جديد، تزامناً مع المبادرة الفرنسيّة للسلام؟ يجيب الخبير القانونيّ حنّا عيسى: «يوجد بندٌ في المبادرة العربيّة تمّ تعديله في العام 2013 ينصّ على السماح بتبادل أراضٍ بين الطرفين، وهو يتيح شرعنة الاستيطان. إذ يسمح لإسرائيل بأن تبادل مستوطنات بأراضٍ تختارها، ما يعزز الأمر الواقع الجديد».
وتبقى الخشية مما يخفيه المستقبل. فإسرائيل، يوماً بعد آخر، «تعزّز» وجودها على الأراضي التي تسلبها، عبر توطين مستوطنين داخلها. في ظل ارتفاع أعداد المستوطنين إلى ما يزيد عن نصف مليون، كيف ستناقش قضية الاستيطان إذا وصلنا فعلاً إلى مفاوضات الحلّ النهائيّ؟ هنا، توقّع الخبير القانونيّ أن يكون ردّ المجتمع والقانون الدوليّين على مساءلتنا لشرعيتها: «مثلما لك مواطنين في أراضي 1948، يكون لإسرائيل مواطنون في أراضي 1967، لأنها أراضٍ متنازع عليها»، في إشارة إلى صعوبة تغيير أمر الواقع.