| 

حين تتجوّل /ين في أروقة «مدرسة مصطفى الرافعي الثانويّة للصمّ» في قطاع غزّة، لا تشعر /ين بحركة عقارب الساعة أمام واحد من أروع الإبداعات لفئةٍ لطالما اعتبرها الغالبيّة منّا مُهمّشة، غائبة، أو بلا وجودٍ فاعل في المجتمع. ففي تلك المدرسة، يتحدّث الجميع بلغة الإشارة، يتعلّمون، يعزفون، يغنّون، يضحكون، ويبكون بها، باندماجٍ لا مفر من أن يعدي العين المراقبة.
«مدرسة الرافعي» هي الثانويّة اليتيمة المتاحة للصمّ في فلسطين بأكملها، وهي تقع غرب مدينة غزّة. تم تأسيسها في العام الدراسي 2010/2011 بتمويلٍ من «اتحاد الأطباء العرب»، وعملت على احتضان شريحة الصمّ في غزّة، وأمّنت لهم /ن استمرارية في التعليم، بعدما كان حدّ تعليم الصمّ هو صف الثالث الإعدادي. مؤخراً، بدأت الجامعات في قطاع غزّة تستوعب متخرّجي /ات هذه المدرسة، ضمن تخصصات مُعيّنة.
الثانويّة، كطريقٍ إلى التتمات
مدير مدرسة الصم، فرع الذكور، أ. رفيق حمدان، شرح لـ «السفير» أنّ عدد طلاب المدرسة يتراوح ما بين 50 و70 طالباً، موزعين على أربع شعبٍ دراسية، بالإضافة إلى صفّ انتساب لمن لا يستطع الحضور. ويشير إلى أنّ نقل الطلبة من جميع أنحاء قطاع غزة إلى المدرسة مؤمن بواسطة حافلات، بدعم من وزارة التربية والتعليم العالي، بهدف دمج الصم في العملية التعليمية وصولاً إلى دمجهم في المجتمع المهني.
المنهاج المُدرّس هو المنهاج الفلسطيني ذاته، إلّا أنّ لجاناً خاصة تعمل على تكييفه مع احتياجات ومتطلبات الطلبة الصم، فيتم حذف أجزاء لا تتناسب والإعاقة السمعية، كالاستماع إلى النصوص الإنكليزية لتحسين نطقها، أو الكلمات التي يصعب ترجمتها بالإشارة فتُستبدل بمرادف لها مثلاً. أما المقررات المدرّسة فهي: «لغة عربية ـ لغة إنكليزية ـ رياضيات ـ مواد اجتماعية ـ تكنولوجيا ـ علوم تقنية ـ تربية إسلامية ـ مادة اختيارية - تربية فنية ـ تربية رياضية». يذكر هنا أن فريق عمل المدرسة يضم مديرين اثنين، سكرتيرين اثنين، 26 معلماً /ة، مرشدين تربويين اثنين، ثلاثة اختصاصيّي علاج نطق، ثلاثة اختصاصيّي أذن، وثلاثة حرّاس.
يصف حمدان إنشاء «مدرسة مصطفى صادق الرافعي الثانويّة للصم» في فلسطين بـ «الحلم»، إذ «كان الدور التعليمي للجمعيات الأهلية التي تهتم بفئة المعوّقين سمعياً في قطاع غزّة كجمعيّة الهلال الأحمر الفلسطيني مثلاً، ينتهي عند الصف التاسع الإعداديّ. فجاءت هذه المدرسة لتلبية احتياجات الصم وضمان استمراريتهم في التعليم، وصولاً إلى الثانوية العامة، ثم الجامعة، فمجال العمل».
من جانبها، تقول مديرة «الرافعي للصم»، فرع الطالبات، أ. جهاد حسن، إن المدرسة التي تضم طالبات من جميع أنحاء قطاع غزة، من الشمال حتى رفح، (بمواصلات مؤمنة من وزارة التربية والتعليم العالي أيضاً)، أتت لتحل أزمة «مصير تلك الطالبات الذي كان مجهولاً، فإما ينخرطن في سوق العمل، أو يلزمن بيوتهن. لكن مع افتتاح الرافعي، تمكنت المدرسة من استيعابهن».
يلاحظ تفاوت السنّ بين الطالبات، إذ إنّ أعمارهن تتراوح ما بين 15 و22 عاماً، «وهذا ليس العمر القانوني لطالب في الصف العاشر الثانوي» تقول، لكن، «تقديراً ومراعاة من وزارة التربية، تم استيعابهن نظراً لعدم وجود أي مدرسة ثانوية من قبل لهنّ».
الانتقال إلى الجامعة
تكاد الفرحة تغمر الطالب محمود أبو ناموس، وهو يحكي عن تحقيق حلمه في الالتحاق بالبرنامج الجامعي الذي افتتحته «الجامعة الإسلاميّة» في غزّة، العام الماضي، للصمّ. كان قد أنهى الثانوية العامة في «مدرسة مصطفى الرافعي»، وباتت الحاجة ضروريّة لافتتاح أقسام خاصة بالصمّ في الجامعات، ما عملت عليه «الجامعة الإسلاميّة» مؤخراً، إثر تخريج المدرسة عدداً من طلاب الثانويّة العامة.
يدرس أبو ناموس (27 عاماً) حاليّاً في دبلوم تكنولوجيا الإبداع، متخصّصاً بصيانة الحاسوب والأجهزة التكنولوجيّة الذكيّة. يقول لـ «السفير»: «قمت بالتسجيل في الجامعة بعدما أنهيت الثانوية العامة، حتّى أحقق حلمي، وأكمل دراستي، وأعمل في ما بعد مُدرّساً للصمّ في فلسطين. كنت خائفاً في البداية لأني لا أعرف شيئاً عن الحياة الجامعيّة، وكنت أخشى الاندماج والتأقلم، لكن سرعان ما زال هذا الخوف، وأنا الآن سعيد جداً كوني أحقق حلمي».
يستعين أبو ناموس بأستاذه في المرحلة الثانويّة ليترجم لـ «السفير» إشارته: «واقع الصمّ في قطاع غزّة صعب نوعاً ما، خاصة أننا لا نجد من يفهم إشارتنا ويتحدّث معنا. لذا، نكون دائماً مع بعضنا البعض، حتّى أن بعض أهالينا لا يعرفون لغة الإشارة، وهذه مشكلة نعاني منها».
يُنوّه أبو ناموس بضرورة أن تولي المؤسسات الخاصة والرسميّة اهتماماً أكبر بشريحة الصم في قطاع غزّة، والعمل على دمجهم في المجتمع، لافتاً إلى أنه «دائماً، أسعى للتواصل مع الجمعيات والمسؤولين في الجامعة والمدرسة وغيرها من المؤسسات لتفعيل دور الصمّ في قطاع غزّة، وتقديم الرعاية لهم».
المهندس حازم شحادة هو رئيس قسم التقنيات المساعدة في «الجامعة الإسلامية»، قسم الصم، يلفت من موقعه إلى أنّ «مدة الدراسة في التخصص هي عام واحد مقسّم على فصول»، لافتاً إلى أنه جرى اختيار المدرسين ذوي الخبرة والكفاءة الموظّفة في سياق الصمّ. وأقرّت الجامعة عدة معايير لقبول الطلبة، أهمها معدل الثانوية العامة، وقدرتهم على التعامل مع الحاسوب، وفهم اللغة العربية».
أما منسّق برامج الصمّ في مركز التقنيّات المساعدة لذوي الإعاقة في الجامعة الإسلاميّة حسن العمرين فيشرح أن عمادة التعليم المستمر، «بعد تخطيطٍ دام لعام، افتتحت دبلوماً خاصّاً بذوي الإعاقة السمعيّة للمرّة الأولى على مستوى فلسطين. وقد التحق بالدبلوم 120 طالباً وطالبة بعد إنهائهم مرحلة الثانويّة العامّة العام الماضي، وبدأ التسجيل للدبلوم في كانون الأول /ديسمبر 2014، وبدأ العام الدراسي فعلياً في مارس / آذار 2015، بعد إجراء المقابلات، وتهيئة المعلمين للبدء».
ولاحظ أن معظم الطالبات في الأربع شعب التحقن بتخصص الحاسوب ـ دبلوم تكنولوجيا الإبداع، فيما صبّت ميول الشباب في شعبة الذكور الوحيدة على التخصّص الثاني في الدبلوم، وهو صيانة الحاسوب والأجهزة التكنولوجيّة الذكيّة.
90 في المئة خارج سوق العمل
تبلغ نسبة الصم 1.2 في المئة من إجمالي السكّان في قطاع غزّة، ويشمل التعريف الموسّع للصمّ كلّ من لديه بعض الصعوبة، صعوبة كبيرة، أو لا يستطيع كلياً السماع. وتأتي هذه النسبة وفقاً لمسح الإعاقة الذي أجراه «الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ» في العام 2011. وبحسبه، تبلغ نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة عموما في غزّة نسبة 7 في المئة من إجمالي السكّان.
وبحسب الإحصاء، فإنّ نسبةً تقارب 90 في المئة من إجمالي ذوي الإعاقة في قطاع غزّة لا تعمل، بينما نسبة 42.2 في المئة من إجمالي الأشخاص ذوي الإعاقة في غزّة لم تلتحق بالتعليم بتاتاً.
هنا، يلفت نائب مدير عام الإرشاد والتربية الخاصّة في وزارة التعليم في غزّة خالد أبو فضّة، إلى أنه «قبل افتتاح مدرسة مصطفى الرافعي كمدرسة الثانويّة الأولى للصم على مستوى فلسطين، لم يكن بمقدور الصمّ الالتحاق بالثانويّة العامّة، واقتصرت دراستهم حتّى الصف التاسع، فكان بعضهم يلتحق بالتعليم المهني أو يصبح عاطلاً من العمل».