| 

عادةً، تبدأ النشرة الإخبارية لقنوات «حماس» الفضائية بأخبار «جرائم السلطة» بحق أنصار «حماس» في الضفة. وعلى القنوات التابعة للسلطة الفلسطينية و «حركة فتح»، تبدأ النشرة بتغطية «جرائم ميليشيات حماس» ضد أنصار «فتح». وقد لا يتم بثّ خبرٍ واحد عن جرائم الاحتلال، في النشرتين. هذا نمطٌ روتينيّ في وسائل الإعلام الحزبيّة التي استحوذت منذ بداية فترة الانقسام على معظم مساحة الإعلام الفلسطينيّ، وباتت توجّه الرأي العام الفلسطينيّ من خلال ما تقدمه وتبثه، وفق اتجاهها.
بعد مرور عقدٍ على انطلاق الحرب الإعلامية الحزبية بين «فتح» و «حماس»، التي اشتعلت في العام 2007 بعد الاقتتال الذي أفضى إلى سيطرة «حماس» على غزة، تراها اليوم ما زالت قائمة في ظل تساؤلات عن ماهية الدور الحقيقي لهذا النوع من الإعلام في تأثيره على القضية الفلسطينية.
«الأقصى» و «فلسطين»: الضرّتان
لقدرتهما التعبيرية، تحضر قناة «الأقصى» التي تمثل الوجه الإعلامي لحركة «حماس»، وقناة «فلسطين»، الوجه الإعلامي للسلطة الفلسطينية، كمثالين عن صراع الإعلام، في محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات.
يرفض مدير مكتب قناة «فلسطين» في قطاع غزة سمير خليفة المقارنة بين «فلسطين» و «الأقصى» كون الأخيرة تابعة لفصيل بعينه وهو حركة «حماس»، على خلاف قناته التي «تنطق باسم الوطن كله»، حسب تعبيره. وتابع في حديثه لـ «السفير»: «تلفزيون فلسطين يُعَدُّ تلفزيونا رسميّا يعمل وفق الرؤية والهوية الفلسطينيتين من دون تحيز، بالإضافة الى أنه يعبّر عن آراء الشعب الفلسطيني كافة بكل مهنيّة، ومَن يتابع شاشة التلفزيون يعرف هذا الكلام جيداً».
واعتبر خليفة أن «قناة فلسطين تحظى بشعبية واسعة بين جماهير الشعب الفلسطيني، وهذه الشعبية هي أكبر دليلِ على الدور الإيجابي الذي تقوم به القناة، على خلاف وسائل الإعلام الأخرى صاحبة المنهج التفريقي».
في المقابل، أقرّ مسؤول الأخبار في فضائية «الأقصى» عماد زقوت بأن قناته تصنّف ضمن فئة «الإعلام الحزبيّ»، وأوضح في حديثه لـ «السفير» أن «لا عيب في هذا»، معتبراً أن «الإعلام الحزبي هو جزء محوري من الإعلام الفلسطيني، ووجوده يمثل إضافة إيجابية، ويخدم بالمجمل القضية الفلسطينية». وشدّد زقوت على أن «لا أحد كان ينتظر من «قناة الأقصى» أن تقف على الحياد خلال أحداث الانقسام أو غيرها، فهي قناة تابعة لحركة حماس وتخدم أجندتها المعروفة بأنها أجندة وطنية تدعم المقاومة ومشروع التحرر. ومع ذلك، فإن قناة «الأقصى» كانت على أعلى درجات الموضوعية في تأدية رسالتها الإعلامية الوطنية».
وهاجم زقوت قناة «فلسطين» قائلاً إن «تلفزيون فلسطين يعتبر تلفزيونا رسميا، ويفترض به أن يكون محايداً، خصوصاً أن تمويله من خزينة وزارة المالية. ولكنه في حقيقة الأمر أكثر وسائل الإعلام تحزباً لمصلحة حركة «فتح»، حيث لا يتكلم إلا بلسان حركة «فتح»، وهذا ما يجب ألا يحدث في قناةٍ رسمية».
وتابع عماد زقوت: «قناة الأقصى تفتح المجال بالكامل أمام كل من يرغب بالعمل. معايير العمل هي الكفاءة لا الانتماء الحزبي، ولكن في الوقت ذاته، يجب أن يكون المتقدم للعمل ذا قناعة بسياسة القناة».
الإعلام في الانقسام
من الواضح أن اندلاع الاقتتال الفلسطينيّ في العام 2007 على الأرض ترافق مع اقتتال إعلاميّ مماثل، وأحياناً أكثر شدة، شهدته وسائل الإعلام الحزبي. ويرى نائب نقيب الصحافيين الفلسطينيين د. تحسين الأسطل أن الإعلام الحزبي، على الرغم من أنه موجود في دول العالم كافة وكونه نظرية صحية في مجتمعٍ ديموقراطيّ يدلّ على حرية الإعلام، «إلا أن تجربة الانقسام هنا عندنا، جرّدت الكثير من المؤسسات الإعلامية من أدنى معايير المصداقية والحسّ الوطني في تغطيتها، بل كانت وسائل الإعلام طرفاً فاعلاً في تعزيز الانقسام».
وفي هذا السياق، رأى الإعلامي الفلسطيني أحمد سعيد أن «الإعلام الحزبي استغل عاطفة الجمهور الفلسطيني في حقبة الانقسام المستمرة، وسخّرها في التحريض وبث الشائعات. ما أوصل الفلسطينيين إلى انقسامٍ مجتمعيّ حادّ أثّر على نواحي الحياة كافة، وخلق ظواهر اجتماعية سلبية، حتى أن العديد من دور العبادة أصبحت ممتلكات حزبية يصلي فيها أصحاب اللون الحزبي الواحد».
عند مقارنة حيز الأخبار الحزبيّة مع حيز الأخبار الوطنية المتعلقة بجرائم الاحتلال وقضية الأسرى والقدس وغيرها، يلاحظ المرء توسع الأخبار الحزبية على حساب غيرها من الأخبار الوطنية، ما يمكن أن يكرّس الانطباع بأن العداء الفلسطيني - الفلسطيني أشد من العداء الفلسطيني - الإسرائيلي.
ويقول أحمد سعيد هنا إن الإعلام الحزبي في أغلب الحالات، «يعتبر إعلاماً غير وطنيّ. فعندما تتناقض مصلحة الحزب مع مصلحة الوطن فإنه من البديهي أن مصلحة الحزب ستؤخذ بعين الاعتبار». ولفت إلى أن «الأخبار الحزبية التحريضية في فترة الانقسام كانت تأتي في بداية النشرات الإخبارية، ومن ضمن العناوين الرئيسية في الصحف الحزبية، في حين أن مسائل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تذيّل سلم أولويات هذا الإعلام».
ويبدو أن حزبيّة الإعلام لا تعني فقط تكريس الاعتبار الحزبيّ كموجّه للأخبار والبرامج والسياسات التحريريّة، بل إن الأمر تعدّى ذلك لكي يصبح الانتماء الحزبيّ شرطاً في التوظيف في مؤسسة الحزب الإعلامية، حسبما يرويه محمد سكيك، وهو أحد متخرجي قسم الصحافة والإعلام الذين عاشوا معنى ألا تكون ابن تنظيم. يقول سكيك لـ «السفير» إنه، بعد تخرّجه، تقدّم بطلبات توظيف للكثير من المؤسسات الإعلامية في غزة، والتي يغلب على أكثرها الطابع الحزبيّ. لم يقبل حتى كمتطوع، وعزا ذلك لعدم امتلاكه انتماءً تنظيمياً على خلاف العديد من أبناء دفعته الذين حصلوا على فرص عمل في مؤسسات إعلامية تتوافق مع انتمائهم.
ويضيف سكيك: «تدرس بكالوريوس الإعلام لمدة أربع سنين وتدفع الرسوم الجامعية وتتدرب لتحصل على خبرة تناسب ما يحتاجه سوق العمل، ثم تجد أن طالب دبلوم عديم الخبرة لا يملك سوى انتمائه التنظيميّ قد حاز مكانا في مجال الإعلام، وأنت ما زلت تبحث عن فرصة عمل ولو بنظام السخرة».