| 

دخلت "حركة المقاومة الإسلامية - حماس" مساحة الحكم بعد فوزها بالانتخابات التشريعية في العام 2006، بعد سنواتٍ عدَّة من العمل الجهاديّ والسياسيّ، ساعيةً لتطبيق شعارٍ رفعته خلال حملتها الانتخابية: "التغيير والإصلاح". لكنها سرعان ما اصطدمت بواقعٍ غير منتج، بسبب الخلاف مع شريكتها الكبرى "حركة فتح"، بالإضافة إلى رفض دولٍ عربية وأجنبية عدَّة التعامل مع حكومة تترأسها هي.
وبعدما فشلت محاولات استمرار حكومة وطنية برئاسة إسماعيل هنيّة، لجأت "حماس" إلى القوة للسيطرة على المؤسسات الأمنية الرسمية في غزة في العام 2007. إثر ذلك، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن إقالة حكومة هنيّة، وتعطيل المجلس التشريعي، وتكليف سلام فياض تشكيل حكومة طوارئ في الضفة الغربية. فغدت "حماس" متفردةً بحكم قطاع غزّة، وتمكّنت ما بين معارضٍ ومؤيدٍ لقراراتها من فرض نفوذها في غزة، وفق منهجها.
يقول القيادي في حركة "حماس" أحمد يوسف لـ "السفير": "توجّهات الحركة قبل دخولها إلى الحكومة كانت أكثر وضوحاً ممّا هي عليه الآن، سواء كان ذلك في خطاباتها السياسية المستندة إلى اللغة الدينية، أو الشعارات التي كانت تنادي بها عن تمسّكها بالمشروع الوطني، أو حتى في مجالات عملها الخيرية والدعوية التي كانت السبب في جذب الناس إليها".


مرجعية المساجد في تحديد كفاءة الناس


يشرح أحمد يوسف أن "حركة حماس" وضعت برنامجها الانتخابي بشعاراتٍ إسلامية ذات سقف مرتفع. "وبعد وصولها إلى الحكم، تبيّن أنها لن تستطيع إعادة الإسلام لوجه الحياة الاجتماعية والسياسية، بسبب وجود أجندات أخرى تتصارع داخل الساحة الفلسطينية". يجد أحمد يوسف اليوم أن العناوين التي طمحوا حينها لتحقيقها "غدت مجرد أضغاث أحلام". ويردّ يوسف بعض أسباب هذا العجز إلى إسرائيل التي "لا تريد لحماس أن تنجح في حكم غزّة كونها تهدّد أمنها، فتمّ تضييق الخناق عليها".
هو يجد أن تجربة الحكم استطاعت أن تغيّر منهج "حماس" ورؤيتها: "إذ أصبحت تؤمن بالشراكة السياسيّة والانفتاح على العالم، والبحث عن نقاط الالتقاء لكسب تعاطف الشعوب المناصرة للقضية الفلسطينية"، منوهاً إلى أن "فقه الورق يختلف عن فقه الواقع". إذ إن التوجهات الإسلامية لـ "حماس" في الحكم لم تتمظهر على الأرض: "لم يحدث أيّ تغيير في المنظومة الدينية المجتمعية". ومع العلم بأن قياس التغيير المجتمعي يحتاج إلى أدوات متابعة ومقارنة، يجد يوسف تأكيد انعدام التغيير في تجربته العامّة: "كنت في مجلس الوزراء لسنوات طويلة، ولم يتم طرح أيّ مسلك ديني أو أخلاقي ولا تمّ فرضه على الناس"، يقول يوسف.
إلا أن الواقع يشهد بغير ذلك. مثلٌ بسيطٌ عن التغيير يمكن للمرء أن يرصده من بيته: منذ وصولها إلى الحكم، عمدت "حماس" إلى السؤال عن كلّ مَن يتقدم لشغل أيّ وظيفةٍ حكوميةٍ أو خاصّة في مؤسسة تموّلها أو تشرف عليها الحركة، في المسجد القريب من منزله للتأكد من "انتمائه".
هنا، يؤكد يوسف أن السؤال عن المتقدمين للوظائف في المساجد يعدّ "محطة من المحطات التي يتم اللجوء إليها للتأكد من سلامة المتقدم أمنياً، كون المسجد هو مرجعية الحركة. ويستذكر في هذا السياق "عهد السلطة لمّا كان يُسأل عن المتقدمين في الجمعيات والمؤسسات المقربة إليها". ويكمل مراجعاً نفسه: "أدرك أنها أساليب غير صحيحة وتثير غضب المواطنين، والأجدر أن تكون الكفاءة المهنية هي المعيار".


محرم في السيارة


مؤخراً، أصدرت وزارة الداخلية في القطاع قراراً يقضي بوجود مَحْرَم مع أيّ فتاةٍ أو إمرأة تتدرب على قيادة السيارات على يد مُدرّب، وقامت بتعميم القرار على جميع مدارس تعليم السواقة في محافظات غزّة طالبةً تسليم كشوفات بأسماء المدربين للتحرّي عنهم.
ويلفت هنا مدير مكتب "جمعية أصحاب مدارس تعليم السياقة" علاء أبو شربي أن "هذا القرار تم تعميمه في أواخر العام الماضي، ولكنه دخل حيز التنفيذ مع بداية العام الحالي، حيث أوقفت الشرطة كلّ من خالفوا القرار لمدة شهر". وهو إذ يجد هذا القرار "غير منطقي"، تراه يرجعه إلى "المزاجية التي تتعامل بها الحكومة مع هذه المواضيع".
من جهته، نفى الناطق باسم الشرطة الفلسطينية في غزة أيمن البطنيجي صدور هكذا قرار، معتبراً أن "ما تم تعميمه هو مجرد تعليمات للحفاظ على عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني". إلا أن أبو شربي يؤكد أن "الداخلية نفت هذا القرار بعد الضجة الإعلامية التي أثيرت حوله، ولكنه ما زال مطبقاً إلى الآن".
وهي ليست المرة الأولى التي تصدر بها الحكومة قرارات تنبع من توجّهٍ إيديولوجي، إذ أصدرت قبل نحو عامين قراراً يمنع النساء من تدخين النارجيلة في الاستراحات والأماكن العامة، مدّعية أنه "مظهرٌ خادشٌ للحياء العام". كما أطلقت "حملة الفضيلة" لمنع الشباب من لبس السراويل ذات الخصر المنخفض، ومن بعض القصات الغربية. كذلك، تم منع عرض المجسّمات النسائية في محلات الملابس خشية حدوث "الفتنة"، ومنع إقامة حفلات رأس السنة الميلادية، بالإضافة إلى توقيف الشباب والفتيات في الأماكن العامة بحجة الاشتباه بسلوكهم /نّ.
يحاول البطنيجي تفنيد هذه القرارات في حديثه مع "السفير"، فيعتبر أن قرار منع إقامة حفلات رأس السنة جاء "مراعاةً لتقاليد مجتمعنا المحافظ، وكونه يتعارض مع تعاليم الإسلام". أما "حملة الفضيلة" فكانت "مجرد اجتهادٍ من قبل وزير الداخلية السابق ولم يصدر بها قرارٌ رسميّ، وتم توضيح الأمر في حينه". ويختم المراجعة الذاتية بالقول: "نحن لا نقوم إلا بما تقتضيه المصلحة العليا للوطن والمواطن".


الحجاب في المدارس



أوقفت الشرطة الفلسطينية في أواخر شهر أيلول /سبتمبر الماضي الناشطة تهاني نصر (21 عاماً)، إذ كانت هي وزميلاها يحضّرون مبادرةً شبابيةً في إحدى استراحات شاطئ البحر. أوقفوا بحجة الاشتباه بهم.
وتعرضت تهاني للضرب والشتم من قبل عناصر الشرطة النسائية، ثم تم الإفراج عنها بعد التحقيق معها وثبوت عدم تورطها بأمر "غير أخلاقي". وطالبت تهاني "الداخلية" بتقديم اعتذار رسميّ لردّ اعتبارها وكرامتها أمام المجمتع.
نصر لم تكن الوحيدة التي أوقفت بهذه الحجة، على حد قول البطنيجي نفسه، وهو يبدي استغرابه من حديثها للإعلام واهتمام الأخير بها (!).
لم تتوقف مظاهر أسلمة المجتمع عند هذا الحدّ، بل بلغت مرحلة فرض الحجاب على الطالبات في معظم المدارس الثانوية في القطاع. وعلى الرغم من أن وزارة التربية والتعليم في غزة تنفي وجود قرارٍ ينصّ على فرض الحجاب على الطالبات في المدارس الحكومية، إلا أن الواقع يثبت غير ذلك. فتعمد بعض مديرات المدارس إلى عدم تسجيل أيّ طالبة غير ملتزمة بالحجاب في مدرستها، أو منعها من الدخول إلى الصف إلا بعد أن تضعه على رأسها.
هديل محمد (16 عاماً) هي طالبة في "مدرسة محفوظ النحناح" الواقعة غرب مدينة غزة. طالبتها المديرة ومنذ بداية العام الدراسي بوضع الحجاب. تقول هديل لـ "السفير": "كانت معاملة المدرّسات سيئة جداً، وكن يتجاهلنني تماماً داخل الصف وكأنني غير موجودة. أتعرّض كلّ يومٍ للإهانة من قبلهن". اضطرت هديل، وبعد أسبوعين من بدء الداوم المدرسي، أن تضع الحجاب وإن كانت لا تزال غير ملتزمة به خارج أسوار المدرسة: "المديرة والمعلمات قمن بتهنئتي بعد التزامي بالحجاب، داعين الله لي بالهداية والثبات"، تقول هديل.
أما مديرة "مدرسة أحمد شوقي - الفترة الصباحية" فقد فرضت على الطالبات المسيحيات تجديل شعرهن، إلى جانب رفضها لتسجيل أيّ طالبة مسلمة غير محجبة.
يعقب يوسف على هذه الشهادات والتجارب وسواها معتبراً انها "مجرد اجتهادات من بعض الشخصيات، وليست سياسات منبثقة عن الحكومة أو خاضعة لتوجيهات من مجلس الوزراء". ويجزم: "الأمر متعلق بعادات وتقاليد المجتمع، ولا علاقة له بالاتجاه الإسلامي للحركة"، لافتاً إلى وجود تلك السلوكيات قبل اعتلاء "حماس" الحكم. وهو يرجع الرفض المجتمعيّ الراهن لها بالقول: "لوجود تيارات إسلامية متشددة تحرّض على الحركة"، مقدّماً موضوع منع الأجانب من إدخال زجاجات الخمر إلى غزة كمثال: "كانت الحركة تسمح لهم بذلك، لكن السلفيين شنوا هجوماً عليها".
من هنا، يعتبر يوسف أن الحكومة تعمل على تأمين استقرار المجتمع عبر "منع أيّ ظاهرة من شأنها أن تثير حفيظة بعض الجماعات الأخرى". أما انخفاض نسبة تأييد "حماس" بين أهل القطاع فيردّه يوسف إلى "ضغوطات الحياة السياسية والاجتماعية". يُذكر هنا أن أرقاماً انتشرت في غزّة تحكي عن انخفاض في شعبية "حماس" بسبب أدائها الحكوميّ لتصل نسبتها إلى 30 في المئة بعدما راج إنها كانت 50 في المئة.