| 

العمل الأهلي هو أحد القطاعات التي انطبعت بها مسيرة الشعب الفلسطيني، كما يؤكد الكثير من المراقبين. وبطبيعة الحال، يترافق ذلك مع جدلٍ حول العديد من المسائل المرتبطة به. ويشمل القطاع الأهلي، أو غير الحكومي، المؤسسات غير الهادفة إلى الربح، وهي تعمل بشكلٍ طوعيّ في نواحٍ خدماتيّة، إنسانيّة، اجتماعيّة، تنمويّة، وتربويّة. يعود دور هذا القطاع إلى زمنٍ بعيد، أدّت فيه المؤسسات الأهلية دوراً محورياً في الحفاظ على النسيج الوطني الفلسطيني، سواء قبل الاحتلال، أو خلال العمل التحرريّ.
وتورد مصادر تاريخية أن العمل الأهلي في فلسطين وُجد نتاج واقعٍ قائم، وكردّ فعلٍ على الاحتلال الإسرائيليّ وتأثيراته المباشرة على الفرد، نظراً لضرورة الاستجابة لاحتياجات اللاجئين، سواءً داخل فلسطين أو خارجها.
قبل أوسلو: المؤسّسة الأولى نسويّة
شبكة المنظّمات الأهليّة تمثّل 132 مؤسسة أهليّة في الضفّة وقطاع غزّة، واللجنة التنسيقيّة هي أعلى هيئة إشرافية داخلها. يذكر عضو اللجنة التنسيقيّة عصام العاروري أن القطاع في فلسطين يختلف عن نظيره العربي، مشيراً إلى أن المؤسسة الأهلية الأولى في فلسطين كانت مؤسسة نسويّة، تأسست سنة 1904، بموجب القانون العثماني.
ويقول العاروري: «العمل الأهليّ الفلسطينيّ منذ بداياته ذو طبيعة مقاومة مرتبطة بالحركة الوطنية، وارتبطت برامجه بالعمل الخيري في مراحل ما. ولاحقاً بلورت المنظمات الأهلية مفهوم تعزيز الصمود، الذي كانت قد رفعت لواءه تحت الاحتلال، خاصّةً خلال العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي».
الدمار الذي تسبّبت به إسرائيل وتَشَتُّتُ الفلسطينيين حتى داخل وطنهم الأم رفعا وتيرة النضال، ما دفع بالمؤسسات الأهليّة إلى العمل على توفير الخدمات الصحيّة، والتعليميّة، والزراعيّة، والاجتماعيّة. إذ ارتفع عدد المؤسسات الأهلية من 77 مؤسسة في العام 1966، ليبلغ 210 مؤسسات العام 1987 في الضفّة وحدها.
ويعد العاروري، واحدا من الأفراد الذين عايشوا فترات يعتبرها الكثيرون استثنائية في تاريخ العمل الأهلي والتطوعي الفلسطيني، قبل أن تتراجع وتيرته بشكلٍ ملموس بفعل عوامل عدة، قد يكون أبرزها نشأة السلطة الوطنية، والثقافة الجديدة التي عرفها المجتمع بعيد توقيع إتفاقية أوسلو (1993).
يعتقد العاروري أن الواقع الذي سبق الانتفاضة الأولى (1987-1992) هيأ الأجواء والظروف لطرح مبادرات ومفاهيم مثل الاقتصاد المنزليّ والاكتفاء الذاتيّ، أيّ تشجيع الناس على زراعة الأراضي، حتى في الأحياء المدينيّة، بمحاصيل متنوعة من أجل تقليل الاعتماد على منتجات الاحتلال.
مع توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993 ونشأة السلطة، اختلف دور المؤسسات الأهليّة، وتضاعف عددها حتى وصل إلى 480 مؤسسة في العام 1999. فانصبت تالياً جهودها على مجالات عدّة من بينها المساعدة في صياغة القوانين، وتأهيل العاملين في المؤسسات الحكومية.
يعلّق العاروري: «ما فقدناه بعد «أوسلو» هو روح العمل التطوعيّ، فكان حالنا أشبه ما يكون بحال المسلمين في معركة «أحد» لمّا ظنّوا أنهم انتصروا وأنه قد آن أوان الغنائم. فاشتدّت المنافسة على المكانة والوظيفة والمصادر، وتدفّقت المساعدات الدولية. إن فكرة المساعدات لفلسطين أتت لتكريس السلطة الوليدة من ناحية، ولتشتيت انتباه المجتمع من الناحية الأخرى. وبدأت تنتشر أو تُنشر أوهامٌ حول تحوّل فلسطين إلى سنغافورة الشرق الأوسط».
25 مليار مساعدات: مع أو ضد السلطة؟
يقدّر الباحث الاقتصاديّ د. نصر عبد الكريم مقدار المساعدات الدولية التي قدّمت للشعب الفلسطينيّ ممثّلاً بالسلطة، أو القطاع الأهليّ منذ «أوسلو»، حتى اللحظة، بما يتراوح بين 20-25 مليار دولار.
أخذت علاقة العمل الأهلي مع السلطة شكلين، أحدهما تنافسي، سواءً على صعيد الدور أو تقديم الخدمات، بسبب الصراع على التمويل، أما الآخر فتكاملي، يقوم على الشراكة والتنسيق.
عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» ورئيس «هيئة شؤون المنظمات الأهلية» سلطان أبو العينين، يذكر أنه بعد قيام السلطة، «انقسم المجتمع الأهلي إلى أربعة أقسام: الأول لا يزال محافظاً على تراثه القديم ويتمثل في مؤسسات لها بصمات مؤثرة في المجتمع وطنياً، وثانٍ يعمل بجدّ في المناطق المهدّدة بالمصادرة أو المهمشة لتعزيز صمود شعبنا، وثالثٌ بحاجة إلى قانونٍ يمنع دوره حيث يقوم بالتطبيع سواءً مع الاحتلال أو المانحين، ويؤدي أغراضاً لهذا المانح أو ذاك، بخلاف الفريق الرابع الذي يسخّر المجتمع الأهليّ لأغراضٍ شخصيّة أو عائليّة، وهذا الأخير ضئيل النسبة». ويرى أبو العينين أن هناك حاجة لضوابط قانونية لتنظيم المجتمع الأهليّ، بحيث يتكامل دوره مع المؤسسة الحكوميّة.
في حادثة غريبةٍ من نوعها تدلّ على مساحة الشكّ والتنافسية بين الجانبين العام والأهليّ، نقلت صحيفة «الحدث» عن رئيس الوزراء د. رامي الحمد الله في أواخر أيلول الماضي، تصريحات حول وجود تجاوزاتٍ إدارية وماليّة في 1082 منظمة ومؤسسة غير حكومية من أصل 2882 مؤسسة في الضفة، علاوةً على كون 500 مؤسسة منها غير فاعلة على الإطلاق، إلا في تلقّي الدعم المالي باسم الشعب الفلسطينيّ. سارعت الحكومة إلى نفي إدلاء الحمد الله بهذه التصريحات للصحيفة، ثم أكّدت هذه الأخيرة إنها فعلياً لم تجر لقاءً معه. وفي ظلّ الأرقام المنشورة في كل أحوال الحوار، سارعت المنظمات الأهلية وممثلون عنها وعن الشبكة إلى انتقاد موقف الحمد الله.
إلى هذه الحادثة، يأتي موقف أبو العينين النقدي تجاه «الجهات الرقابية على القطاع الأهلي التي لا تقوم بدورها»، إذ يقول: «في المجالات كافة، هناك زيادة في عدد المؤسسات الأهلية. هناك منظمات وجمعيات لديها مقار وهي غير فاعلة، ويجب أن تغلق. المعلومات دقيقة وهي تقول إن ما يزيد عن 1800 جمعية هي مسجّلة وغير موجودة».
يقول العاروري: «صحيحٌ للأسف أن مظاهر الفساد قد نشأت في القطاع الأهلي، لكن السلطة تمتلك إمكانية الفعل في ذلك»، لافتاً إلى وجود أربع جهات لديها صلاحية الرقابة على القطاع الأهلي، تتمثل بوزارة الداخلية، وديوان الشؤون الإدارية والمالية، وهيئة مكافحة الفساد، بالإضافة إلى الوزارة المختصة: «بدأت العلاقة تصادميّة مع السلطة منذ اليوم الأول. إذ لدينا قطاعٌ أهليٌّ متضخمٌ، بمعنى أن دوره كبير بسبب نشوئه في ظل فراغ سلطوي وتحت الاحتلال. وفي الوقت ذاته، لدينا سلطةٌ ضعيفةٌ تحوّلت إلى أكبر مؤسسة أهلية في البلد».
وهو يقدر حجم التمويل للمؤسسات الأهلية سنوياً بنحو 100-120 مليون دولار، لافتاً إلى «ضرورة عدم تناسي استمرار المؤسسات الأهلية بالقيام بدور مهم في مجال البنى التحتية والصحة».
بيد أنه يقرّ بأن الجمعيات تعاني من أزمة كبيرة: «ففي السنوات الخمس الأخيرة، تجمّدت أدوار نسبة 40 في المئة منها بسبب القيود المصرفية على التحويلات كافة».