| 

في قطاع غزّة الصغير نسبيّاً، تكاد /ين لا تمرّ /ين في أحد أزقّته من دون أن تكنس العين مئات المُلصقات واللافتات الصادرة عن المؤسسات والمُنظّمات غير الحكوميّة، غالبيّتها تتحدّث عن الشباب، البطالة، فرص العمل، تمكين المرأة، الحق في المساواة، ... بالإضافة إلى عشرات وِرش العمل والمؤتمرات اليوميّة، الداعية للتغيير.
مؤسّسات المجتمع المدني بدأت العمل في فلسطين فعليّاً خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي، قبل اتفاقيّة أوسلو. حينها، جاءت كبديل لحالة الغياب الكامل للمؤسسات الرسمية الفلسطينية في مجالات الإغاثة والصحة والتعليم والتشغيل، وكانت أيضاً رديفاً لتنظيمات العمل الوطني في دورها المقاوم. مع تراجع الزخم التنظيمي، وما تشهده الأراضي الفلسطينية حالياً من غيابٍ كامل لدور المجلس التشريعي كمؤسسة رقابية على أداء الحكومة، بالإضافة إلى إهمال النخب الفكرية لمصلحة مراكز القوى التنظيمية، بدأت تتبلور لدى مؤسسات المجتمع المدني حالة من ردّ الفعل، أدت خلالها أموال المانحين الدور الأبرز في سدّ الفراغات التنظيمية والفكرية والتشريعية، بأجندة وطنية حيناً، وأجندات مستوردة أحياناً.
خلطٌ في التعريفات
وفقاً لأحدث التقديرات، بلغ عدد المنظمات غير الحكومية في المناطق الفلسطينية 3600 منظمة، تتوزع بواقع 2800 في الضفة الغربية، و800 في قطاع غزة. وبحسب تقديرات سابقة لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني، فإن نسبة 65 في المئة من تلك المنظمات تشغّل موظفين بأجر، بمتوسط 18 عاملا لكل منظمة. ما يعني أن تلك المنظمات تخلق أكثر من 40 ألف فرصة عمل مدفوعة الأجر.
أما التمويل، فقد حصلت تلك المنظمات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2015 على تمويلٍ أجنبي مقداره 800 مليون دولار، وفقاً لتقديرات حكومية رسمية. إذاً، العام 2015 شهد تدفقات نقدية على الأراضي الفلسطينية (خارج حسابات الموازنة العامة) تربو على المليار دولار، ما يعادل حوالي ربع موازنة السلطة الفلسطينية، علماً أن تقديرات هيئة شؤون المنظمات الأهلية الفلسطينية تشير إلى مبلغ 1,6 مليار دولار هو مجموع ما يصل تلك المنظمات سنوياً.
يناقش أستاذ الاقتصاد في «جامعة النجاح» بكر اشتية مسألة تبعثر إنجاز هذه المنظمات: «يبدو أن هنالك خلطاً على المستوى الرسمي الفلسطيني بين مؤسسات المجتمع المدني، ومؤسسات المجتمع الأهلي، والمنظمات الدولية، وهي جميعاً تندرج تحت عنوان المنظمات غير الحكومية. ففي الوقت الذي تسعى فيه مؤسسات المجتمع المدني (كالأحزاب والتنظيمات السياسية والنقابات والجمعيات والاتحادات) لتعزيز قيم المواطنة والمساواة والديموقراطية والعدالة والتنمية، يبقى المجتمع الأهلي القائم على قيم العائلية والقبلية والديانة والمذهبية اللبنة الأولى المستهدفة لتشكيل ملامح المجتمع المدني». أما المنظمات الدولية فهي مشاريع خارجية ضمن مسميّات تنموية وحقوقية، تحاول أخذ زمام المبادرة في تشكيل مفاهيم المجتمع المدني الفلسطيني. وهنا، وجب توضيح أن الأرقام التي وردت آنفاً لم تفرّق بين تلك التصنيفات، وأن إشكالية العلاقة مع السلطة الفلسطينية اقتصرت على مؤسسات المجتمع المدني (سيئة الصيت من وجهة نظر الحكومة وبعض الفعاليات الحزبية) واستثنت المنظمات الدولية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المستوى الرسمي الفلسطيني لا يعترف بالكثير من تلك المؤسسات، وأن أزمة ثقة بدأت ملامحها بالظهور خلال العام 2015 بين كل من مؤسسات المجتمع المدني والحكومة الفلسطينية. يضيف اشتية: «لا شك أن التمويل الأجنبي - خارج أطر الموازنة العامة - ساهم وإلى حد كبير في سد جزء من فجوة التمويل بين احتياجات المجتمع الفلسطيني والأداء المالي للسلطة الفلسطينية. فمن الطبيعي في ظل الممارسات الإسرائيلية بحق مقدّرات الشعب الفلسطيني أن نجد منظمات غير حكومية تساند مثيلاتها الحكومية على مستويات الصحة والزراعة والتعليم والتنمية والبنى التحتية، ضمن علاقة تنافسية حيناً، وعلاقة تكاملية أحياناً أخرى».
التوجّس من «الأجندة»: شركات، أباطرة، وسياق
النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني، د. نجاة أبو بكر، تصف التضخم الهائل في عدد منظمات المجتمع المدني خلال السنوات القليلة، بأنه يعبر عن «كارثة»، تجد ملامحها في «تحويل الشارع الفلسطيني من النضال إلى الفئوية لمصلحة أصحاب المشاريع التي لا تعبر عن احتياجات، وهوية المجتمع الفلسطيني». تقول النائب أبو بكر إن الانقسام الفلسطيني غيّب دور المجلس التشريعي في إقرار القوانين أو الرقابة على هذه المنظمات كغيرها، «فالأموال التي حصلت عليها تفوق بسبع مرات ما وصل للسلطة الوطنية الفلسطينية، ولو تم توظيفها في صحراء لأصبحت سنغافورة جديدة». وتتابع بالقول إن «هذه الأموال تذهب في أمور تافهة كالمطاعم والمواصلات وحفلات الترفيه وحجز الفنادق، وهذا يتطلب الإسراع في إنهاء حالة الانقسام وإعادة الحياة لمؤسسات النظام السياسي».
تثق د.نجاة أبو بكر بأن هذه المنظمات «تسعى لأن تكون البديل عن التنظيمات الفلسطينية، تقرر وتضع الأولويات حسب مصالحها، وتخضع في ذلك للإرادة الخارجية، لخلق نظام سياسي جديد يتماهى مع المشروع الاستعماري من خلال قوى ناعمة وعناوين براقة». وتبرر غياب دور التنظيمات اليوم بذلك، إذ تجيب: «لأن المنظمات غير الحكومية استطاعت غزو التنظيمات وسيطرت عليها حتى النخاع، من خلال تمويلها عددا كبيرا من المشاريع في داخل هذه التنظيمات السياسية الفلسطينية».
«أكتب مشروعاً، واحصل على تمويل سريع».. هكذا يرى الكاتب الصحافي سليمان النبيل واقع مؤسسات الـ NGOs في قطاع غزّة، مضيفاً لـ «السفير»: «أصبحت هذه المؤسسات أشبه بشركات المقاولات، يقوم عليها أباطرة المال في قطاع غزّة، ويتحكّمون في فرص العمل لديهم التي من المفترض أن تُوزّع على الشباب المتخرجين العاطلين عن العمل في القطاع، حتّى أنّك تجد بعض مدراء هذه المؤسسات يُوظّف زوجته وأبناءه وبعض أقاربه في المؤسسة التي يديرها».
ويرى النبيل أنّه منذ تأسيس السلطة الفلسطينيّة وحتّى اليوم، تم تسهيل ترخيص هذه المؤسسات وتسريعه، فتوسّعت وانتشرت بشكل كبير جداً، خاصة في قطاع غزّة، ما أدّى إلى تولّد فكرة سيئة جداً عن هذه المُنظّمات من قبل السكّان. باتوا يرون أن تلك المؤسسات تقدم الخدمات التي يتوجب على الحكومة تقديمها في قطاعات مثل الزراعة والصحة والبنية التحتية.