| 

على الطرف الأخر من سور الحصار الإسرائيلي المحكم حول قطاع  غزّة والمنازل المدمرة، تعبر طبقةٌ غنية في القطاع تضاريس حياةٍ تختلف عن أساليب الحياة السائدة بين الأهالي، إذ تتميّز بترددها على أماكن ترفيهية خاصة، وبالملابس الفاخرة التي يعجز الكثيرون عن شرائها، المطاعم الباهظة الكلفة التي تلائم "البرستيج" الخاص بهم.
ويلفت الخبير الاقتصادي ذو التوجه المستقل معين رحب  إلى أن الأغنياء في غزة أضحوا اليوم يسيطرون على مقاليد الحكم الاقتصادي في القطاع، ويتمتعون بامتيازات خاصة في أنماط حياتهم، واصفاً إياهم بـ"ملوك حقبة الحصار".

السبيل إلى 12 مليون دولار!
كثيرةٌ هي العوامل التي جعلت من الغزيّين أغنياء، وإن كان الجزء الأكبر  من الثراء غير شرعي في ظلّ عدم مقدرة الحكومة على تعقبه. أبرز السبل إليه تشقها الأرباح الطائلة التي حصدها المستثمرون في التجارة غير الشرعية عبر الأنفاق الأرضية مع مصر  في جنوب القطاع. كما قام البعض بتجميع أموال ضخمة من أصحاب المدخرات بغرض استثمارها وإعطائهم أرباح من قيمة الربح الكلي، ولجوء القليلين منهم للاستثمار المشروع من خلال التجارة الحرة.
حول الثراء عبر الأنفاق، يقول الاقتصادي معين رجب إن هذه التجارة أعطت فرصة ذهبية للباحثين الجدد عن الثراء، فأقدموا على تجهيز أنفاق أرضية على مسؤوليتهم الخاصة لاستيراد وتصدير ما يحتاجه الفلسطينيين والمصريين من سلعٍ مشروعة وغير مشروعة. ما مكّن فئة منهم من أن تحقق ثراء كبيراً وسريعاً انتهى بتدمير الأنفاق، بعدما خلقت ما يقارب الـ 200 ثري جديد في غزة.
ونتج عن إنهاء هذه التجارة ظهور مشاريع سياحية يمتلكها أغنياء يمكن وصفهم بالمليونيرات، وإقامة عشرات المجمعات الاستهلاكية والمعارض التجارية الهادفة لتحقيق أرباح كبيرة. لم يفكروا بإقامة مشاريع تخدم المواطنين أو توفر لهم فرص عمل، بل ساعدتهم على احتكار أموالهم والتحكم بأسعار الأراضي والعقارات في إطار عمليات غسيل الأموال، بحسب أقول رجب.
بدأت معالم الثراء تظهر على المليونيرات في غزة، مع إقامتهم لمنتجات حديثة وفخمة، وشرائهم لمئات العقارات، وإقامة أبراج سكنية عليها والتجارة فيها، وإنشاء مطاعم قريبة من درجة "خمس نجوم" لا يستطيع دخولها إلا أهل الطبقتين المتوسطة والغنية.
وهم قليلاً ما يقبلون بالتحدث لوسائل الإعلام. ولكن، بعد البحث، رضي أبو  محمد أن يحكي من دون كشف كامل اسمه. هو كان يعمل في الأنفاق وافتتح مؤخراً معرضاً للسيارات تقدر كلفته بحوالي مليون ونصف المليون دولار: "تركت مهنة البناء كمقاول بناء، وأنشأت نفقاً على الحدود مع مصر . بدأت بإدخال بضائع بمختلف أنواعها على حسب طلبات التجار  لمدة 4 سنوات. وكنت أجني في اليوم الواحد مالا يقل عن 15 ألاف دولار . بعد تدمير الجيش المصري لنفقي، بدأت في العمل في تجارة السيارات".
ويوضح أبو محمد: "قيمة الأرباح التي يجنيها صاحب النفق أو التاجر تختلف بحسب نوعية البضائع التي كانت تدخل. فتهريب الأدوية يختلف عن مواد البناء والمواد الغذائية،موضحاً أن السلاح والمواد المخدرة كانت الأصناف الأكثر ربحاً كون التاجر يريد إدخالها بأي ثمن كي يقوم بتسويقها ويحول دون إمساك الحكومة بها".
وينهي أبومحمد كلامه قائلاً أنه حقّق ثروة من تجارة الانفاق والسيارات تقارب الـ12 مليون دولار،حيث انتقل للعيش مع أسرته في فيلا فخمة قرب دوار الرئيس الفلسطيني أبو مازن في غزة، وهو يعدّ من أرقى الأماكن السكنية، في حين كان قبلها لا يملك سوى سيارته الشخصية ومنزله و30 ألف دولار  ادّخرها لعثرات الزمن.
وبالنسبة إلى أسلوب تجميع الأموال من المدخرين وأصحاب المدخرات الصغيرة بطريقةٍ غير رسمية بغرض استثمارها، أطلعت فئة أخرى من رجال الأعمال الذين يبحثون عن الثراء عبر  تشغيل أموالهم في مشاريع دائمة الدخل،وتبين من خلال هذه الحالات عدم حصول المدخرين على حقوقهم الكاملة وغياب الشفافية مما مكن هذه الطبقة من جمع ثروات طائلة من الراغبين في توظيف أموالهم بأمل الحصول على معدلات أرباح عالية مقارنة بما تقدمه البنوك لعملائها.
وفي النظر للثراء المشروع فنجد أن هناك أغنياء قدماء أباً عن جد فلقد أعطى الاقتصاد الفلسطيني نظاماً حراً للراغبين بإقامة مشاريع بحدود الأنظمة القائمة والأمر يتفاوت بالنسبة للعائد من حالة لأخرى، وترك لكل صاحب مشروع أو مستثمر أن يختار المناسب له ويحقق لصاحبها أرباح وفيرة، مما أنتج طبقة غنية مندرجة الوصف سواء من مشاريع وأنشطة قانونية أو غير قانونية.
وبالنظر  لأصحاب الأموال المشروعة نجد أنهم يفضلون التحدث عن كيفية ثرائهم،إلا أن الذين كسبوا ثرواتهم بطرق غير شرعية فأنهم يخافون التحدث عن مصادر أموالهم كما قلنا سابقاً، لتجنب تفتح أعين الأمن الفلسطيني عليهم،لكن الذي يعيش في الوسط الغزي يكون على دراية تامة بهذه الفئات.

أساليب حياة متميزة
تتميّز أنماط حياة الأغنياء في غزة، فقد يتناول رجل غني وعائلته وجبة غداء في مطعم " Level Up Gaza" الموجود أعلى برج الظافر  في وسط غزة بتكلفة مالية تتراوح مابين 100-120 دولار، ما يعد باهظاً بحسب المعيار المعيشي الفلسطيني.
وإذا سئل أحد الأغنياء الداخين إلى المطعم عن ميزانيته، يقول إن "الأسعار المدفوعة ليست مرتفعة، ثم أن المكان الجميل لا يغلى عليه شيء مادام يتميز في خدماته". ويضيف مؤمن أبوشهلا، مثلاً: "جئت مع زوجتي إلى المطعم للاستمتاع بمشاهدة تساقط الأمطار من مكان مرتفع والترفيه والترويح عن النفس".
صاحب المطعم باسل عليوة يقول إنه افتتح مطمعه بعدما عايش الطبقة الثرية بغزة كفرد منها. فطبيعة الخدمات التي يقدمها مطعمه "تتناسب مع الطبقتين المتوسطة العليا والغنية في غزة اللتين تواجهان العديد من المخاطر في ظل الحصار الإسرائيلي وتردي الأوضاع الاقتصادية".
ويشير عليوة الذي إفتتح مطعمه بكفة تقارب المليون دولار، إلى أن "الطبقة الراقية كانت سابقاً متعودة على قضاء أوقاتها في السفر للخارج، لكن في ظل إغلاق المعابر، عمدت على زيارة أماكن ترفيهية عالية الجودة في الخدمات كي تعوض الفراغ الذي تولد لديها".
لكن قضاء ليلة في منتج بلو بيتش "‏Blue Beach Resort‏"، على شاطئ البحر المخصص لأغنى الأغنياء في غزة، يُكلف ما بين 100 إلى 160 دولاراً. وهو يعد رقماً هائلاً قد يدفع في غزة، بالمقارنة مع 100-200دولار يدفعها الغزيون شهرياً كإيجار شقة عادية.
يحتوي المنتجع الذي تديره مجموعة شركاء على أكثر من 150 مكان إقامة ريفي، تقع جميعها بين أشجار النخيل وتطل على البحر الأبيض المتوسط. ورغم الفقر والحياة القاسية في غزة، هناك طلب كبير جدا على الفندق ومعالم الجذب التي يقدّمها للعائلات المرفهة في غزة.
بالقرب من الأشجار المضيئة في المنتجع، تقول أسماء راضي: " من الطبيعي وجود هذه المنتجات للطبقات التي تعودت على السفر للخارج للترفيه وقضاء الإجازة الصيفية في ظل إغلاق المعابر. فليس من المهم القيمة التي قد تدفع، لأنها مقاربة للتي قد يدفعها المسافر للخارج". وتفيد بأن "مثل هذه الأماكن السياحية الفاخرة تستهدف الفئة الغنية في المجتمع وقد تكون أكثرها فئة العاملين بالقطاع الخاص، فالعائلة التي تكون يوميتها بالعمل ما يقارب 100$ تستطيع أن تدفع تكاليف أجرة الشاليه، ونجح المنتجع بالوصول لهذه الشريحة واستقطابها".
بالمقارنة مع الرقم الذي يتطلب من العائلة توفيره لدخول مثل هذه الأماكن، تشرح أسماء أن المواطن العادي سيجد نفسه ضائعاً فيه كون عائد الشخص المسؤول /ة عن العائلة العادية في غزة يتراوح مابين الـ10 دولار والـ20دولار في أحسن الأحوال، في ظل معدل بطالة تجاوز 42.7 في المئة، ونسبة فقر مدقع وصلت إلى 65 في المئة.
وفي مكانٍ ليس ببعيد عن المنتجع، يدفع لاعب القوى محمد النخالة 100دولار شهرياً  في صالة "تكنو جيم" الرياضية التي تنعم بشامل خدمات النادي، من مكيفٍ للهواء، وأجهزة تدريب للصدر، والعلاج المائي، ودروس السباحة، وآلات الوزن الثقيل، والساونا. وتعد هذه الصالة الأولى من نوعها لجهة الأسعار  التي تسجلها، علماً أن أعلى كلفة لصالات الجيم في غزة تتراوح مابين الـ15-30 دولار  شهرياً.
المدير التنفيذي للصالة ومؤسسها عمار أبوكرش، يقول إن صالته تحتوي على ثلاث قاعات رياضية، الأولى لكمال اجسام تستهدف المحترفين و المبتدئين، والثانية  هي قاعة "كارديو " تعمل بأحدث البرامج التي تهدف لإنقاص الوزن ونحت العضلات في زمنٍ قياسي لا يتجاوز الشهرين، والثالثة  "spinning" وهي صالة أوروبية المواصفات، فعالة في التخلص من الوزن الزائد بطريقةٍ سهلة ضمن مؤثرات صوتية ومرئيّة.
يقول أبو كرش: "نهدف إلى تعزيز الوعي الصحّي الرياضي داخل مجتمعنا الغالي لتعزيز صموده في ظل الاغلاق والحصار الخانق الذي يعاني منه كافة شرائح المجتمع، وتحديداً فئة الشباب المطحونة داخل مجتمعنا، نود أن نكون وسيلة من وسائل الإصلاح داخل المجتمع".