| 

كيف يمكن أن يُكتب الزمن؟ هل هناك وسيلة محدّدة لمُراكَمَته، وكيف يمكن لثلاثة ممثلين ومخرج أن يُقطّروا الزمن الذي توقف وانكسر على خشبة مسرحيّة؟ هذا ما نجح أنسمبل "خشبة" بفعله (بشار مرقص، خلود طنوس، هنري إندراوس وشادن قنبورة) على خشبة مسرح "خشبة" في حيفا في مسرحيّتهم الجديدة "سنة الثلجة"، التي أعتبرها شخصيًّا أنضج عمل مسرحيّ لهذه المجموعة منذ بداية عملهم كطاقم مبلور وجماعيّ.

لا حنين ولا برود
تسرد المسرحية قصّة من تبقوا من عائلة عربيّة برجوازيّة في حيفا بعد النكبة، وخلوّ المدينة من غالبية سكانها، وفقدانهم للبيت (القصر) المبنيّ على سفح الكرمل والمُطلّ على حيفا العربيّة. تتمسّك الأخت الكبرى بفكرة استعادة البيت وما زالت تحتفظ بطقم الشوَك والسكاكين الغالي، فيما يسعى الأخ في العائلة لـ "جمع" ما تمكّن من أثاث العائلات العربيّة التي هُجّرت من المدينة كي يبيع هذه القطع ويشتري البيت الذي فقدوه. أمّا الأخت الصغرى فتتمسّك بأمل الزواج من حبيبها الجديد (المتوهَّم؟)، وهي بهذا تفرض مزاجًا جديدًا في البيت شحنته الحبّ والأمل والتفاؤل، متحدّية بذلك الزمن الجليديّ الذي يسيطر على حيوات الثلاثة.
نصّ المسرحيّة دقيق وصحيح ومليء بالحوارات الدراميّة التي تستند إلى لحظات الصمت والجُمل التي تتكئ على النصّ التحتيّ (سَبْتِكست)، وهي تقنيّة كتابة ممتازة في كلّ الأحوال لكنّها تؤدّي هنا دورًا بالغ الأهميّة في مُراكَمَة الوقت وثقله على كاهل الثلاثة. الإخراج متقن وفيه شجاعة كبيرة بالاتكال على الممثلين والعناصر الفنيّة الثانية لخلق شعورٍ كلاستروفوبيّ ينجح مع كلّ مشهد بتضييق الخناق على المشاهدين، وحشرهم في الزاوية الصعبة التي تطرحها المسرحيّة: هل تتحوّل الذاكرة إلى مأساة تُجرّدنا من قدرتنا على النظر قدمًا والحلم؟ ما هي هذه الذاكرة وكيف يمكن الحديث عنها من دون حنين مبالغ به أو من دون برود قاتل؟ وإذا كان الزمن لا يعود أبدًا، فكيف يمكن أن تعود حيفا التي نذكرها بالصور والحكايات؟
المسرحيّة ـ بنظري ـ تطرح معادلة يمكن تسميتها بعنوانٍ كبير: النكبة = ترهُّل الزمن. ولكن، بأيّ معنى؟ من يمرّ بتراوما كبيرة وعنيفة مثل النكبة، يفقد زمنُه مفهومَه الأساسيّ الخاصّ بالتطوّر والتغيّر والانبعاث كلَّ يوم من جديد. ويجعل هذا الترهل من الزمن حالة فضفاضة وطويلة ومائعة (اسألوا سكان مخيّمات اللاجئين)، ما يدفع الإنسان لاجترار الأمور السيّئة التي تستوطن داخله: الهروب، أحلام اليقظة، التمسّك بقشّة ورفض قراءة الواقع. وهذه كلّها أمور أثثت لواقع شخصيّات المسرحيّة ولعوالمها الباطنيّة، مُبرزةً الصراعات الداخليّة لدى الشخصيّات والتي تعكس تساؤلاتٍ وأمزجة فلسطينيّة عامّة، من دون أن تسعى إلى القولبة الجاهزة، رافضة من حيث الكتابة والتمثيل أن تكون أنموذجًا فلسطينيًّا للنازح أو المغترب في وطنه. وقد أدّى هذا الرفض إلى خلق شخصيّات ملوّنة ومدوّرة ومثيرة، تختلف عن بعضها البعض ولا تقع في فخّ "فلَسطَنة" الإبداع من أجل دمغه بمواصفات جاهزة.

الحميميّة مزيّفة
كلّ ما تقدّم يجعل من "سنة الثلجة" عملًا حزينًا ومثيرًا للتفكير، من دون استدرار الدموع واستجدائها. ما يشبه "الصَّفنة" التي تجعلك تستغرق ببطء في عوالم الشخصيّات من دون أن تفقد قدرتك على نقدها وتتبّع تطوّرها الدراميّ. كأنّ المخرج والممثلين قرّروا أن يلعبوا لعبة مزدوجة: أن يُدخلونا إلى العالم المسرحيّ المتخيّل وأن يطردونا منه في الوقت نفسه. وقد تأتّى ذلك في قسم كبير منه من خلال السينوغرافيا والميزانسين: الخشبة هذه المرة في منتصف القاعة على الأرض والجمهور على الجانبيْن من حول الدائرة الصغيرة التي تدور فيها الأحداث. حميميّة كبيرة بين الجمهور والطاقم، لكنّها حميميّة مزيّفة لأنّ الطاقم يختار في النهاية أن يُكوّم قطع الأثاث الكثيرة فوق بعضها البعض، صانعين جدارًا فاصلاً في المشهد الأخير بينهم وبين الجمهور. وذلك فعل بريشتيانيّ بجدارة: لا تنسوا أنّكم في مسرحيّة وأنّ ما ترونه نصّ مكتوب لا يمكن أن يستبدل الواقع بأي حالّ. وإذا كنتم تعتقدون أنّنا نحن ـ مهجّرو حيفا بعد النكبة ـ محاصَرون في روايتنا، فربما عليكم أن تفكّروا ثانية وأنتم وراء جدران الأثاث هذا.
يُضاف إلى ذلك أنّ العلاقات بين الشخصيّات على الخشبة كانت شبه متكاملة، الأمر الذي ساعد كثيرًا في تحقيق الحالة الوجدانيّة التي يسعى إليها كل فنّ سرديّ نعرفه: خلق الحلم المتخيّل. زدْ على ذلك روح الدعابة التي كانت تُستخدم بتقنين ودراسة كوسيلة للبكاء الصامت، مستندةً إلى قدر كبير من الحساسيّة. لقد نجح طاقم الممثلين بتأسيس ديناميكيّة بين الإخوة الثلاثة العالقين في هذا "الثقب" البارد المحزن، الأمر الذي ولّد تضامنًا شبه فوريّ مع كلّ شخصيّة، من دون أيّ توتر أو تنافس (عندي على الأقل) بخصوص سؤال: أيّ الشخصيّات أحببت أكثر؟
نحن ندرج في فلسطين على تقسيم الزمن إلى مراحل تبدأ عند علامة فارقة. و "سنة الثلجة" في حيفا (1950) واحدة من هذه العلامات، ومن المفترض أن تكون مثل هذه العلامة النادرة مصدرَ فرح للناس (فرجة نادرة)، لكنّ هذه الثلجة أتت بعد النكبة وصارت علامة حزينة في واقع المسرحيّة، واستعارة واضحة وجليّة للبرد القارس الذي يشعر به كلّ من اضطرّ لترك بيته. الثلج في هذه الحالة كان أسودَ.