| 

يقتصر تدريس اللغة العربية الرسمي للطلاب في المدارس اليهودية في إسرائيل على بناء كوادر يتم تجنيدهم لشعبة الاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن الداخلي المعروف بـ "الشاباك". فيقوم بالتدريس جنودٌ من وحدة "تنمية دراسة الاستشراق" في جهاز الاستخبارات العسكريّة، بالتعاون والتنسيق مع وزارة التربية والتعليم. ويشمل التدريس أربع محطات تستهدف الطلبة في المرحلتين الإعدادية والثانوية. يتم الترويج للبرنامج داخل الغرف الصفّية من خلال ملصقات لجهاز الاستخبارات العسكري يحمل شعار: "نرى المستقبل في اللغة العربية... إعرف لغة عدوك".

نماذج عن الدروس والاختبارات
طوّر المناهج مرشدو "الاستشراق" الذين يعملون في المدارس، وقد طوّروها بهدف إعداد كادر للعمل في جهاز الاستخبارات. في خلاصة بحثه بعنوان "خلق لغة عربية للإسرائيليين"، يقول الدكتور يوحنان مندل، المحاضر في "الجامعة العبرية"، إن تدريس اللغة العربية ليس لبناء جسور ثقة وتفاهم بين العرب والإسرائيليين، ولا لمعرفة الآخر والاطلاع على إرثه الحضاريّ والثقافيّ، بل لأغراض امنية بحتة. ويضيف مندل: "إن اللغة العربية جرّدت من جميع مضامينها الحضارية والثقافية والاجتماعية، وينظر لها في المجتمع الاسرائيلي على انها مجرد لغة، عليهم معرفتها لمعرفة العدو. بالتالي، تعلم العربية مقتصر على الأكاديميين والباحثين في مجال الأمن والدراسات الشرق - أوسطية وكوادر الأجهزة الامنية المختلفة".
يقسم البرنامج التعليمي المنهاج إلى نظري وعملي، ويشمل أمثلة عن تهديدات أمنية وكيفية التعامل معها. فمثلاً، يتألف درس اللغة العربية للصفوف الإعدادية من أربع مهمات: اكتشاف مكان العملية عبر كلمات متقاطعة، الحصول على معلومات عن منفذ الهجوم (مثل إنه عربي، لديه شاربان، وشعره أسود، وذو نظرة جدية) ـ فك رموز محادثة بالعربية حول نقل أسلحة ومعدات قتالية، واكتشاف توقيت ومكان الهجوم. ويبدأ الدرس بأن يطلب الجندي (المعلم) من الطلاب الكشف عن هجوم على المدرسة وردت عنه معلومات استخباراتية مؤكدة. يطلب منهم إيجاد الجمل وترجمتها للعربية. إذا نجح التلاميذ في ذلك، يتم إخبارهم بأن السبب في إفشال الهجوم على المدرسة يعود لمعرفتهم اللغة العربية.
في الصفوف الاعلى، وضمن درس بعنوان "المغامرة"، يتركز التدريس على إظهار الفخر والاعتزاز بعمليات اغتيال قادة فلسطينيين وعرب على يد المخابرات الاسرائيلية، حيث يمكن للطلبة الاختيار بين "تهديد الأنفاق في قطاع غزة" و "التصفيات السياسية والعسكرية"، كاغتيال قائد حركة "فتح" خليل الوزير (أبو جهاد)، وقائد "كتائب عز الدين القسام" التابعة لحركة "حماس" يحيى عياش، والامين العام السابق لـ "حزب لله" عباس الموسوي. في الصف الثالث الثانوي، يمكن ان يختار الطلبة درسا حول "تأثير المصادر الإسلامية القديمة على الفكر الايديولوجي لعناصر داعش ومقاتلي حماس"، أو "تصاعد حدة الجهاد العنيف في القارّة الاوروبية"، ضمن حلم المسلمين ببسط الدين الإسلامي على العالم كله. ويركز الدرس على كيفية جمع وترجمة المعلومات الاستخباراتية.


"العربية الأمنية"
تشير المصادر الإسرائيلية إلى أن تعليم العربيّة للطلاب اليهود هو جزء من خطة تعاون بين الجهاز الأمني ووزارة التربية والتعليم. هذا التعاون بدأ في العام 1956 لمّا طلب مستشار الحكومة للشؤون العربية آنذاك من رئيس الاستخبارات تجنيد من يتعلمون مادة الاستشراق في المرحلة الاعدادية لتنفيذ مهام تتعلق بالشؤون العربية. بعيد حرب أكتوبر 1973 بين مصر وإسرائيل، أقيمت وحدة "تنمية دراسة الاستشراق" في جهاز الاستخبارات، ضمن قرارات اتخذها الجيش الاسرائيلي حول تعليم العربية وبناء كوادر أمنية يمكن الاعتماد عليها في تنفيذ مهمات عسكرية واستخباراتية.
يقول هنا الدكتور محمود محارب، الباحث في الشؤون الاسرائيلية: "من الطبيعي في مجتمع متطرف وعنصري ألا ترغب الأكثرية بتعلم العربية والتواصل مع الطرف الآخر والاطلاع على إرثه الحضاري والانساني. إن تعلم اللغة العربية بمبادرة رسمية مقتصر على مفهوم معرفة "لغة العدو". والمعرفة هنا بهدف السيطرة أي الفصل، وليس الوصل والتواصل مع الآخر". إن ما يتم تدريسه هو "العربية الأمنية"، بحسب بحث الدكتور مندل. وهي لغة لا يتم التحدث أو الكتابة بها، بل ترجمتها وسماعها. والتدريس يتم بشكلٍ سرّي وعلى يد جنود لا يتقنون العربية بشكل جيد. ما يفسر أيضاً عدم إشراك مدرسين عرب في البرنامج التعليمي".
لكن الأهم برأي الدكتور مندل هو أن وزارة التربية والتعليم ليس لها دور في تطوير هذا المنهاج. فهو ليس منهاجاً مدنياً بل هو منهاج عسكري بامتياز. والدروس تعزز صورة نمطية للعرب ليس كمواطنين وشركاء في هذه الارض، ولكن كأعداء ويجب التعامل معهم على هذا الاساس فقط: "لذلك، لا يمكن إشراك معلمين عرب في هذا البرنامج".
الكشف عن هذا البرنامج التعليمي يتناقض مع ما تروج له الدوائر الرسمية الإسرائيلية بأن اللغة العربية هي إحدى اللغات المعترف بها والرسمية في إسرائيل، وبأن هنالك رغبة رسمية وشعبية في تعلم العربية لمعرفة الإرث الحضاري والإنساني للسكان العرب.

ليس اعترافاً بحق "أقلية"
بحسب القانون الاسرائيلي، يتوجب على الحكومة اعتماد العربية كلغة في جميع المخاطبات والإعلانات والاستمارات الرسمية، ويحق للفرد التوجه للسلطات الرسمية والوزارات مستخدما اللغة العبرية أو العربية. ولكن، لا يوجد التزام بذلك، على الرغم من قرارالمحكمة في بداية التسعينيات بإجبار الحكومة على التعامل باللغة العربية في كل معاملاتها الرسمية. هذا القرار جاء بناءً على دعوة قضائية رفعتها مجموعة من المؤسسات الأهلية العربية طالبت فيها بإلزام السلطات باحترام حق الأقلية العربية باستخدام لغتها.
لكن الحكومة الإسرائيلية تدّعي إنها تبذل جهودا لفرض تدريس العربية كلغة رسمية في المدارس، وأن لديها الخطط اللازمة للتغلب على المعيقات وأهمها - كما تقول - عدم وجود رغبة أو حافز لدى التلاميذ في المدارس اليهودية لدراسة اللغة العربية، لأن اللغة العربية ليست إحدى المجالات المطلوبة في سوق العمل، ومن الصعب ايجاد فرص عمل لمن يتقنونها، بالإضافة إلى عدم وجود كوادر مؤهلة من المدرسين القادرين على القيام بذلك.
من وجهة نظر الدكتور محارب، فإن هذه ادعاءات يقصد بها التضليل، لأن السبب الأساسي لعدم فرض تعليم العربية في المدارس هو الفكر الأمني الذي شكل طريق ومسار تعليم العربية بالنسبة إلى إدارة إسرائيل. وهو أيضاً جزء من العقلية الامنية الصهيونية التي تحكم المجتمع.
يذكر أن الإحصائيات الإسرائيلية تشير إلى أن عدد السكان الفسطينيين العرب فيها يبلغ حوالي مليون وستمئة ألف نسمة، يضاف إليهم سكان مدينة القدس والجولان المحتلين. هؤلاء الفلسطينيون وذريتهم هم الذين بقوا في قراهم وبلداتهم بعد احتلال فلسطين في العام 1948. وقد قامت اسرائيل بفرض المواطنة عليهم كشرط لبقائهم في مدنهم وقراهم وعدم تهجيرهم.