| 

فتاة ذات شعر أسود طويل ومن دون قبعة. هكذا، رسمت نفسها الطفلة سجى عبد العال (9 أعوام) المصابة بمرض سرطان الغدد اللمفاوية، وقد تسبّب العلاج بتساقط شعرها. لا تزال سجى تصارع المرض منذ ثمانية أشهر، تغيبت خلالها عن مدرستها وزميلاتها وامتنعت عن رؤية أقاربها إلا بعد ارتدائها قبعةً. هي لا تعرف عن هذا المرض سوى ما فعله بشعرها.

نسب انتشاره: قبل 2008 وبعدها
تدلّ المعطيات التي حصلت عليها "السفير" من وزارة الصحّة الفلسطينية على تباين كبير جداً بين أعداد المصابين بمرض السرطان قبل اندلاع الحروب الثلاث على قطاع غزة. فقبل حرب 2008، بلغ عدد المصابين سنوياً 945 مصاباً، أي 65 إصابة من بين كل مئة ألف مواطن /ة غزّي /ة. في المقابل، في العام 2014، سجّلت 1502 حالة إصابة بالمرض، أي بمعدل 83.9 مصابا /ة بين كلّ مئة ألف مواطن هناك. ما يبيّن الزيادة السريعة والمضطردة للإصابة بالمرض، على خلاف المعدلات السنوية السابقة لحرب 2008.
ويشرح رئيس قسم الأورام في "مستشفى الرنتيسي" الدكتور محمد أبو شعبان هذه الزيادة الكبيرة بمعدلات الإصابة بالسرطان بالمقارنة مع العالم: "فتطوّر مرض السرطان في غزة يتلاقى مع تزايد الإصابة بالمرض عالمياً"، مستدركاً أن "قطاع غزة لا يحتوي على مصانع ونشاطات نووية وبترولية، على خلاف دول العالم التي تعتبر النشاطات الصناعية والبترولية والنووية أبرز مسببات هذا المرض".
واتفق رئيس قسم الأورام في مستشفى "دار الشفاء"، أكبر مستشفيات قطاع غزّة، الدكتور خالد ثابت مع أبو شعبان على أن مخلّفات الحروب تعتبر أولى مسبّبات الإصابة بمرض السرطان في غزة، خاصّةً بعد حرب العام 2008. وفي حديث لـ "السفير"، استدرك ثابت قائلاً إن المسبب الثاني للمرض هو الكثافة السكانية العالية، منوهاً بأن قطاع غزّة يعدّ المكان الذي يحوي أعلى نسبة كثافة سكانية بالعالم. وبحسب ثابت، فإن المخصبات الزراعية والمبيدات الحشرية واستخدامها السيء في الزراعة يمثل السبب الثالث للمرض.
من جانبه، رأى رئيس قسم الأورام في "المستشفى الأوروبي" الدكتور احمد الشرفا أن منطقة خانيونس شهدت الزيادة الكبيرة التي طرأت على نسبة الإصابة بالسرطان، بعد حرب 2008. ما يؤكد الإشتباه بأن الحروب هي التي أدّت إلى زيادة انتشار هذا المرض، مستدركاً أن وزارة الصحة لم تتمكن من إجراء فحوصات تحلل المواد المعنية بالاتهام. وأكد الشرفا لـ "السفير" أنه من الحقائق العلمية أن نسبة السرطان تزيد في أماكن اندلاع الحروب حول العالم.
وأضاف الشرفا أن "الحالات المريضة بالأورام الموجودة اليوم بالمشافي هي من تأثيرات حرب 2008، ولذلك فنحن ننتظر تزايدا مضاعفا في السنين المقبلة كوننا ننتظر التأثير الذي أحدثته الحربان الأخيرتان (2012 و2014) على القطاع، ما ستكون له تبعاته في ظل هذه الإمكانيات الضعيفة". من ناحيته، دعا الناطق باسم وزارة الصحة الدكتور أشرف القدرة في حديثه مع "السفير"، المنظمات الصحية الدولية لأن ترسل مندوبين عنها لقطاع غزة وإجراء الفحوصات اللازمة لتوضيح دور الاحتلال في التسبب بهذه النسبة الكبيرة من الإصابة بمرض السرطان.
وقد سجّلت أرقام وزارة الصحة تبايناً على مستوى التوزّع الجغرافيّ للمصابين بالسرطان من محافظةٍ لأخرى، إذ حوت محافظة غزّة نسبة 44.2 في المئة من إجمالي الإصابات، علماً أنها كانت الأكثر تعرّضاً للغارات الجويّة خلال الحروب الثلاثة. تلتها محافظة خانيونس، بنسبة 17 في المئة، ثم المحافظة الوسطى بنسبة 13.3 في المئة، ثم محافظة الشمال بنسبة 12 في المئة، وأخيراً محافظة رفح بنسبة 11.3 في المئة. وتكاد تتوافق هذه الأرقام مع نصيب هذه المحافظات من القصف الإسرائيليّ. وإذ يستحيل الجزم بالعلاقة السببية بين الحرب والمرض عبرها، فهي تشير إلى إمكانيّةٍ للدراسة، تضاف إليها إمكانيات أخرى في التأثير على انتشار المرض جغرافياً.

أثر الحصار جليّ
تضجّ المشافي الفلسطينيّة بقصص من ماتوا وهم ينتظرون إعادة فتح المعابر لكي يتمكّنوا من الحصول على علاجٍ في الخارج. إذ تفتقر المراكز العلاجية لمرضى السرطان في قطاع غزة للعديد من الوسائل التشخيصيّة والعلاجيّة ووسائل المتابعة لصحّة المرضى خلال العلاج وبعده، لم تدخل قطاع غزّة بسبب الحصار. وتضطر المشافي الفلسطينيّة الى تحويل مرضى السرطان في قطاع غزة الى مشافٍ خارج القطاع سواء بالضفة الغربية أو الداخل الفلسطيني أو إلى دول عربية. ويمثل الاضطرار للسفر مرحلة جديدة من المعاناة إذ يحتاج السفر إلى تصريحٍ إسرائيليّ بالخروج من قطاع غزّة، عدا عن وجوب التنسيق مع المستشفى الذي سيستقبل المريض. ما يستلزم وقتاً طويلاً، ويؤدي إلى تفاقم صحّة المريض وتمكّن المرض من جسده. وقد تكرّر هذا السيناريو كثيرا مع مرضى فلسطينيين. وإذا كان المريض مصنّفاً كممنوعٍ من دخول إسرائيل لأسبابٍ أمنيّة، كما هي الحال مع العديد من الفلسطينيين، فهذا يكاد يعني الإستسلام للمرض، بينما يظلّ معبر رفح مغلقاً.
وتشرح هيام عطاالله (53 سنة) لـ "السفير" ـ وهي ممّن اجتمع عليهم الحصار والسرطان، إنها "حصلت على تحويلة من قسم الأورام بمستشفى الشفاء لأحد المشافي داخل إسرائيل، ولكن التنسيق والحصول على الترخيص للدخول إلى إسرائيل استغرقا وقتاً طويلاً خضعت خلاله لعمليّةٍ من أجل الحدّ من انتشار المرض مؤقتاً". بعد بدئها العلاج بالمشافي الإسرائيلية، تكرّرت إغلاقات المعبر، ما أثّر سلباً على صحتها وأفقد العلاج قيمته في بعض الأحيان.
وبحسب الناطق بلسان وزارة الصحة، فإن أقسام الأورام تفتقر لـ 23 صنفاً دوائياً لمعالجة السرطان، بالإضافة إلى حرمان المرضى من البروتوكولات العلاجيّة في الخارج بعد إغلاق المعابر الاسرائيلية ومعبر رفح المصريّ. وقد أدّى اغلاق معبر رفح وحده إلى حدوث عجزٍ بنسبة 30 في المئة على مستوى الأدوية والمستلزمات الطبية التي كانت تصل إلى كافة المرضى في قطاع غزّة.
على مر السنوات، لم تتطوّر الأقسام المتخصّصة ولم تكبر أعداد الطواقم التي تواجه مرض السرطان في غزة. فأقسام الأورام تخلو من العديد من الأجهزة التشخيصيّة والعلاجيّة، وهي غير مؤهلة لتلقي الكمّ المتزايد من المصابين بكافة أنواع السرطان، كون كلّ نوع يحتاج إلى إجراءات تختلف عن النوع الأخر. يقول الدكتور ثابت: "مراكز الأورام في غزّة تعمل بالطاقم والمكان ذاتهما منذ أكثر من 14 عاماً، ولم يطرأ أيّ تغييرٍ عليهما".
وقد شعر المرضى وأهاليهم بتواضع تجهيزات الأقسام التي من المفترض أن تكون من بين الأكثر تجهيزاً. وقالت والدة الطفل عمر بكر المصاب بسرطان الغدد اللمفاوية والذي تابع علاجه في قسم الأورام في "مستشفى الرنتيسي" إن خدمات القسم كانت جيدة إلى حين نقل قسم الأورام في "مستشفى الشفاء" الى هذا المستشفى، فازداد الضغط على مختبر الفحوصات، وصارت نتائج الفحوصات تستغرق وقتاً أطول. وأضافت والدة الطفل في حديثها مع "السفير": "عندما نذهب لفحص عينات الدم الدوري، صار الدم يتجلط بسبب الفترة الكبيرة التي نقضيها ونحن ننتظر دورنا". وذكرت أم عمر أن العديد من أجهزة العلاج الكيماوي معطلة أيضاً، ما يسبّب معاناة. فيتم نقل المرضى تبعاً لمكان الأجهزة وليس العكس.
يذكر أن قطاع غزّة كله لا يحتوي على مشفى متخصص بعلاج مرض السرطان، على خلاف الضفّة الغربيّة التي تشهد بناء "مستشفى الحسن للأمراض السرطانية".

أن تكون /ي مريض /ة سرطان في غزّة