| 

الملاحقات التي يتعرّض لها النشطاء السياسيّون في إسرائيل لم تعد جديدةً حتى على النشطاء اليهود في جماعات اليسار "المتطرف"، أو من يوصفون عادة بـ "حاقدي إسرائيل"، الذين يتعرّضون للمضايقات بين الفينة والأخرى، مرة بإبعادهم عن الضفّة الغربيّة، ومرة بتعقب هواتفهم وحساباتهم في المصارف أو استدعائهم لتحقيقات ومحادثات غير ودّية بالضرورة. لم يأتِ اعتقال الناشط في حركة "تعايش" عزرا ناوي، ومن بعده جاي بوتافيا وناصر النواجعة، وثلاثتهم ناشطون مع السكّان الفلسطينيين في جنوب الخليل، مختلفاً من هذه الناحية، إلا أن توقيته والملابسات التي تم فيها جعلاه يبدو كأوج الحملة التي أطلقها اليمين، بكلّ أذرعه وفروعه، على ما تبقى من معسكر اليسار الليبراليّ في إسرائيل. قنبلةٌ سقطت في الحيز العام لتعلن لهؤلاء على الملأ أن قواعد اللعبة قد تغيّرت.

مطاردة ساحرات "اليسار"
بدأت مطاردة الساحرات هذه بشريط فيديو أصدرته منظمة "إم ترتسو" يصوّر ممثلي منظمات حقوق الإنسان، مثل "بيتسلم"، "نكسر الصمت"، "مركز الدفاع عن الفرد" وغيرها، بصفتهم "مدسوسين" يدافعون عن "المخرّبين" ويعملون ضد الدولة بتمويلٍ أوروبيّ (وكأن إسرائيل في حالة حرب مع الاتحاد الأوروبي!). تلا ذلك، عرض البرنامج التلفزيوني الرائج "عوفدا"، استقصاء أعدّته وموّلته منظمة يمينية مستحدثة بإسم "عد كان" (أيّ "حتى هنا")، يظهر عزرا ناوي كَيَسارِيٍّ متطرف يتفاخر بتسليم فلسطينيين أرادوا بيع أراضٍ ليهود إلى أجهزة السلطة الفلسطينية حتى تقوم هذه بتعذيبهم وقتلهم (!). وكما أصبح الجنود الذين يقدّمون شهادات لـ "نكسر الصمت" حول خدمتهم العسكرية، "خونة" يعملون لمصلحة حملة المقاطعة ويساهمون في تشويه صورة إسرائيل في الخارج، بين ليلةٍ وضحاها، تحوّل عزرا ناوي لعدوّ الشعب الذي لا يهتم أصلاً لمصير الفلسطينيين ولكنه ينجرف وراء أية حملة قومجية تسوغ له هنا وهناك. ومع أن السلطة الفلسطينية في الواقع لم تجرِ أية عمليات إعدام منذ عقدٍ وربما أكثر، فقد تضخّمت القضية بعد اعتقال الشرطة لناوي، وفرض أمر منع نشر زاد الطين بلّة، ومكّن الشرطة من عرض الموضوع وتأطيره في الإعلام كما يحلو لها. ومع ذلك، اضطرت الشرطة في نهاية المطاف إلى إطلاق سراح المعتقلين، لا سيما أنها لم تملك عملياً أية أدلة تجرّم هؤلاء. وكما اشار الناشط بوتافيا، فالشرطيون الذين حققوا معه لم يمتلكوا بين أيديهم إلا استقصاء "عد كان" الشهير، عدا أنهم كانوا من شرطة "شاي" التي تعمل في مناطق الضفة الغربية وليس في إسرائيل، ويسيطر عليها أبناء المستوطنين.
كان من الواضح إذاً أن الاعتقال سياسيّ بحت تعبّر فيه الدولة عن دعمها الكامل لحملة تشويه السمعة التي تقودها منظمات اليمين بحق نشطاء حقوق الإنسان. وقد يكون ذلك أبعد وأعمق من مجرد دعم، فكما يشير الصحافي اليساري يوسي جورفيتس في مدونته "أصدقاء جورج"، هناك احتمال أن "الشاباك" انخرط بنفسه في استحداث المنظمة غير المعروفة "عد كان" وغيرها من المنظمات لتتعقب نشطاء حقوق الانسان وتطعن في شرعية ما تبقى من اليسار وتهمشه أكثر مما هو عليه.
إن كانت هذه المنظمات تعمل بمشاركة الشاباك أو بموافقته، فإن كلّ من كان لديه شكّ حتى اليوم بأن الدولة تقع تحت سيطرة اليمين، بات يرى الآن كيف أن أجهزة الدولة ومنظمات اليمين تعمل كالقبضة الواحدة. إسرائيل التي لا تسمح لنفسها حتى الآن بتوجيه ضربة مباشرة لمنظمات حقوق الانسان التي يهيمن عليها "الاشكنازيم" الليبراليون "المعتدلون"، أي الذين ما زالوا يؤمنون بالصهيونيّة وبحلّ الدولتين لإنقاذ الصهيونية من نفسها، تطلق العنان لمنظمات اليمين لتقوم بـ "العمل الوسخ". بيد أن التماهي والتناغم الحاصلين، بالقول والعمل، لا ينحصران في مصلحة تهميش اليسار والنشاط السياسيّ فحسب، بل يمتد يوماً بيوم إلى مجالات أخرى من الحياة العامة. فوزيرة العدل اييلت شاكيد تبادر إلى طرح قانونٍ يلزم ممثلي الجمعيات التي تعتمد على التمويل الأجنبي بوضع شاراتٍ خاصّة عندما يتواجدون في الكنيست والمؤسسات العامة. و "إم ترتسو" تطلق شريط "المدسوسين" لتذكر هؤلاء بالاسم. "لهافا" تحرّض ضد الزواج المختلط، ووزارة التربية تمنع رواية "جدار حية" من التدريس لتشجيعها على الاختلاط بين العرب واليهود، وتصادق، في المقابل، على النسخة المعدلة والإشكالية من كتاب المدنيات "أن نكون مواطنين في دولة إسرائيل" رغم تحفظات الأكاديميين الليبراليين الذين رأوا أن الكتاب يغيّب الهوية الديموقراطية للدولة لمصلحة هويتها اليهودية، ويبدّل المضامين المدنية بالمضامين الدينية. من التربية إلى الثقافة، أتت الضربة المنسقة والمحكمة التالية عبر إعلان وزيرة الثقافة ميري ريجيف عن نيّتها تعديل القانون، بحيث يشترط الحصول على ميزانيات الثقافة بالولاء للدولة. لم تمضِ أيامٍ عدة حتى أطلقت "ام ترتسو" قائمة سوداء بأسماء كتاب وفنانين تربطهم علاقة، من قريب أو من بعيد، باليسار ومنظماته. وبينما شملت هذه القائمة أعلاماً ثقافية على المستوى الإسرائيلي، كالكاتب عاموس عوز والممثلة جيلا المجور، ذهب البعض إلى مقارنة الأجواء بـ "المكارثيّة" والإرهاب الغوغائي الذي انتهج خلال الحرب الباردة في الولايات المتحدة ضد شخصيات في مجالات الإعلام، السينما، الحكم، والجيش، وغيرها، بتهمة ميولها الشيوعية.

"قلقون على قواعد اللعبة الديموقراطية
في ظل ذلك، ترى الليبراليِّينَ "القلقِينَ"، بدلاً من أن يلمّوا شمل اليسار، على منظماته ونشطائه ومؤيديه القلائل، ويتكاتفوا بوجه الحملة الفاشية التي تهدد بدمغ شرعيتهم، أقحموا أنفسهم في حالة من الدفاع عن النفس "لإنقاذ صورتهم أمام الجمهور" (وكأنها كانت حسنة من ذي قبل!). وانقسم معسكر اليسار على نفسه بين أغلبية تشكّل التيار المركزي الليبرالي، برأت نفسها من عزرا ناوي وتصرفاته، وبين أقليةٍ تتكوّن من جماعاتٍ صغيرة من النشطاء اليساريين غير المؤطرين بمعظمهم، التفَّت حول المعتقلين السياسيين وقضيتهم. وأمام انشغال أعضاء "ميرتس" وكتّاب "هآرتس" باستنكار أسلوب ناوي الشعبوي "الذي لا يليق بناشط حقوقي"، أشارت نيطاع عمر - شيف في موقع "هعوكتس" الشرقيّ إلى استخدام ناوي كفريسة سهلة، بصفته متطوعا ميدانيا ذا أصولٍ شرقية "لا يتحدث الأشكنازية الأكاديمية" التي تتحدث منظمات حقوق الانسان بها. لذلك، فقد اختارت هذه، من باب لباقتها السياسية، نفض أيّ صلة تربطها بناوي على اعتباره "ليس لطيفاً" (بالإشارة الى نعت "ليسوا لطفاء" الذي أطلقته غولدا مئير في الماضي على أفراد حركة "الفهود السود" اليهودية - الشرقية). أما الكتاب المركزيون في "سيحا مكوميت"، الموقع الذي تحوّل لبيت اليسار الناشط أو "المتطرف" بالمصطلحات الإسرائيلية، فقد شدّدوا على أن المقصود من وراء المطاردة ليس شخص عزرا ناوي بل معسكر اليسار كله. "اليسار العزيز"، كتبت محررة الموقع أورلي نوي: "حان الوقت لنقول ذلك بشكل واضح - نحن تحت حرب، وعلينا أن نفكر ملياً كيف نستعد لمواجهتها. في الوقت الذي يقومون به بتصيد أصدقائنا في الشوارع، من غير المعقول أن نحافظ نحن على قواعد هذه اللعبة الحقيرة. لا يعقل أن تتحول الفاشيّة لدين للدولة بينما نبقى نحن الوحيدين القلقين على "قواعد اللعبة الديموقراطية"". نوعام شيزاف، الذي يكتب هو الآخر في "سيحا مكوميت"، أوضح من جهته: "لا يوجد الكثير من المشترَك بين "نكسر الصمت" وعزرا ناوي.. هم يقولون إنهم يكرهون "نكسر الصمت" لأنهم يتحدثون في الخارج (ضد إسرائيل) و "بيتسلم" لأنهم يحصلون على تمويل من دول أجنبية، ولكن "تعايش" التي ينتمي لها عزرا ناوي لا تتحدث في الخارج وهي ليست جمعية مسجلة أصلاً (لتحصل على تمويل)، بل هي تنظيم غير رسمي لأناسٍ يخرجون كلّ يوم سبت إلى جنوب جبل الخليل، في الخماسين أو في البرد القارس، ليتصدوا للمستوطنين وللجيش الذي يقدّم لهم الغطاء. العلاقة الوحيدة التي تربط بين من تمت الاشارة إليهم (في هذه الحملة) هي فقط نشاطهم ضد الاحتلال. الدولة واليمين يشبكان يداً بيد في الملاحقة لأن الاحتلال هو الدولة. الاحتلال بالحكم وهو يقضي على معارضيه. ليس لأنهم أقوياء أو لأنهم يهددونه، بل لأن مشروع السيطرة على الأراضي المحتلة في مأزق ويجب توجيه أصبع الاتهام نحو أحد ما".

فاشيّة الدولة تطال الداخل الأشكنازي
عندما تشير "ام ترتسو" في حملات التشهير التي تطلقها إلى من تم اختيارهم كالأعداء الداخليين الجدد فهي تؤكد بدورها أن القصد ليس عزرا ناوي والنشطاء "المتطرفين" بل حجاي العاد، مدير "بيتسلم"، ويشاي منوحين، مدير "اللجنة الجماهيرية ضد التعذيب". تماماً كاشتراط الحصول على ميزانيات الثقافة بالولاء الذي لا يستهدف بالضرورة المجتمع العربي وثقافته إذ لطالما حصلت هذه على فتات الميزانيات، إنما يستهدف التيار الليبرالي، ونخبه "القديمة" التي حان الوقت على ما يبدو لتغييرها بنخبٍ تمثل على نحو أفضل القومجية المتفشية والسائدة في إسرائيل اليوم. نجح اليمينيون بالاستيلاء على الحلبة السياسية، والجميع ينطقون باسمهم، من نتنياهو حتى أصغر أعضاء الكنيست الفاشيين. أما يتسحاق هرتسوغ، رئيس "حزب العمل"، أو أكبر حزب يساري - سابقاً ـ فتراه منشغلاً بمنافسة يئير لبيد على التمركز في الخارطة السياسية بدلاً من تشكيل معارضة حقيقية لائتلاف نتنياهو. "ميرتس"، الحزب الوحيد الذي ما زال يعرض نفسه كحزبٍ يساريّ، لم يعد يعني بدوره شيئاً لمعظم اليساريين بسبب كثرة الطلقات التي وجهها لقدميه. بات بالإمكان الآن التفرّغ لتصفية ما تبقى من معالم الليبرالية واستكمال الانقلاب. لنمحو خطاب الديموقراطية القديم ونصيغ كتب مدنيات وفق رؤيا مركز "شاليم" و "البيت اليهودي". الحكومة تهندس البنية التحتية والقانونية، ومنظمات اليمين تنفّذ البروباغندا المطلوبة لحشد الجماهير. الولاء لإسرائيل هو الخيار الوحيد الذي يكفل الشرعية في المجتمع الإسرائيلي، و "ما يسري على غيركم سيسري عليكم": حملات تشويه السمعة ستكون من نصيب كلّ من تملي عليه نفسه الخروج، بأيّ شكل من الأشكال، ضد الدولة وخطابها، ولا تخفيضات خاصّة هناك حتى لعاموس عوز وجيلا المجور.
مع حفظ الاختلاف بين فاشية الاحتلال وفاشية القمع "الداخلي"، فإن كلّ من توقع انزلاق الفاشية التي يتعرض لها المواطنون العرب لأوساطٍ أخرى، كان على حقّ. المسألة لم تكن أكثر من مسألة وقت، لكن الليبراليين الذين يشعرون اليوم بأن الأرض تشتعل تحت أقدامهم، لم يريدوا تصديق إمكانية ذلك والتسليم بالواقع. هم يتصرفون وكأن المعركة لم تحسم بعد، يلعبون في الوقت الاضافي رغم أن خسارتهم للدولة وللحرب على طابعها لم تكن أكثر وضوحاً من ذي قبل. الكثير من هؤلاء يقفون في هذه الأيام مع "رجلٍ بالداخل ورجلٍ بالخارج"، ومعظم الاحتمالات تفيد بأنهم سيلحقون بالإسرائيليين الذين تركوا البلاد حتى الآن (كما أشار ملحق "السفير" في عدده الصادر في شهر كانون الثاني الماضي)، وبأن موجة الهجرة الاشكنازية ستتسع في ظلّ حملات التصفية التي افتتحت في هذا الموسم.
ومع أن الأيام لن تحسن إليهم بالذات، يُؤْمِن النشطاء اليساريون العنيدون بأن سقوط الأقنعة هو أمرٌ إيجابيّ. فقد يرى العالم الآن الوجه الفاشيّ لإسرائيل. حركة هؤلاء سَتُحَدُّ وتخضع لمراقبةٍ أشد كلما تعمقت الفاشية وضربت جذورها بالأرض. وقد يضطرون، ربما أسرع مما اعتقدوا، إلى النزول إلى الخنادق والانتقال إلى أساليب عمل سريّة، كتومة، و "بارانويّة".

- احتمالات هجرة إيديولوجية