-   | 

"مبسوط بتصوير تعاستنا؟ صوّر مش مشكل، ما إنت بتشبه الباقيين، بتجي على المخيم بتصور وبتفل ونحنا منبقى هون".
اعتدت أن أرد على هذا التعليق بالقول ببساطة: "ولكن نحن نريد أن نوصل قصتكم الى العالم". وفي كلّ مرة، هو التهكم ذاته، والجواب ذاته: "اديش بتقبض لتقول للعالم قصتنا".
منذ أن بدأت عملي كدليلٍ لصحافيين دوليين، لم أفهم أبداً لماذا ينظر الناس من أرصفة شوارع المخيم الضيقة إلى مهمتنا "الإنسانية" باستهزاء. ولكن، في أحد الأيام في بداية العام ٢٠١٣، عرفت من أين تأتي سخرية اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان‫.
كان يوماً غائماً من فصل الشتاء في مخيم صبرا المحاذي للمدينة الرياضية في بيروت، والمطلّ أيضاً على مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين.
وبقيادة عبدالله، الشاب الفلسطينيّ من سوريا، مشينا في أزقة صبرا الضيقة، في مهمةٍ إنسانية خاصة باللاجئين الفلسطينيين الذين فرّوا من الحرب السورية إلى الأردن ولبنان.
كنت أعمل في ذلك اليوم كدليل لأستاذة في حقوق الإنسان من "جامعة هارفرد" المرموقة، تحضّر تقريراً حول أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الذين فرّوا من سوريا إلى لبنان.
في أ‫زقة صبرا الرطبة، مشيت أنا والأستاذة الجامعية وإثنتان من تلاميذها، وأمامنا عبد الله. كنا في طريقنا للقاء أم محمد، اللاجئة الفلسطينية من سوريا التي وافقت على التحدث إلينا.

لسنا هنا من أجل إبنها
يشدّ عبد الله على مرفقي ليتأكد من أني أترجم ما يقوله لفريق "هارفرد"‫:‬ "سنقابل إمرأة من مخيم اليرموك، فرّت منذ أسبوعين مع إبنها المصاب الذي يحتاج إلى عنايةٍ طبيّة طارئة‫. آمل أن تتمكنوا من مساعدة هذه المرأة المسكينة".
وصلنا إلى نهاية الزقاق الضيّق، وتوقفنا أمام مجموعة من الأحذية المتراكمة عند مدخل شقة صغيرة. وفي أثناء خلعنا لأحذيتنا، همست أستاذة حقوق الإنسان وتلميذتاها: "لسنا هنا للحديث عن إبنها، نريد فقط أن نسأل عن تجربتها في الفرار من سوريا إلى بيروت". ثم اتخذت الأستاذة القرار: "حسناً، لنمنحها خمس دقائق فقط لتتحدث عن ابنها، ثم نتابع". نظرت إليّ وكأنها تعلمني بالقرار على اعتبار أني المترجم وسأقوم بتعريف الفريق على أم محمد.
جلسنا محشورين في شقة مضيفتنا مريم، اللاجئة الفلسطينية التي تؤوي في شقتها الضيقة عائلتين من اليرموك. شربنا القهوة التركية بانتظار وصول أم محمد.
أشعل البعض السجائر ليكسروا الصمت المسيطر على الشقة، وسرعان ما بادر فريق "هارفرد" إلى السعال والتذمر، فأطفأ الآخرون بكلّ تهذيبٍ سجائرهم.
دخلت أم محمد مسرعة إلى الشقة تسبقها اعتذاراتها على التأخير. تحاول التقاط أنفاسها وهي تشكرنا على العمل الإنساني الذي تظن أننا هنا من أجله: "يحميكم الله وان شالله بكافئكم على عمل الخير".
بدأت الجلسة بالتعارف، تلته أحاديثٌ وديّة.
حضّرت الأستاذة تلميذتيها. الأسئلة بالدور، وكل منهما تحمل لائحة بأسئلتها لا تختلف عما تستخدمانه في الجامعة. بدا واضحاً لي أن فريق "هارفرد" ليس هنا إلا لإجراء جلسات تدريب حول كيفية توثيق انتهاكات حقوق الانسان في الشرق الاوسط. واللاجئون الفلسطينيون الفارون من سوريا ليسوا سوى مادة للمعالجة.
ولدت أم محمد (وهي في الأربعينيات من عمرها) في مخيم برج البراجنة في بيروت. سافرت الوالدة لأربعة أطفال إلى مخيم اليرموك قرب دمشق في الثمانينيات، وتلخص تجربتها هذه بالقول: "إنك تكون فلسطيني بكفي لتوقع بالمشاكل".
جلست أم محمد، بغطاء رأسٍ فاتح اللون ومعطفٍ أحمر داكن يصل إلى الركبتين، وهي تحاول بكلّ تهذيبٍ إخفاء معاناتها، إلا أن عينيها خانتاها لتظهرا توتراً ممزوجاً بقلة النوم.

حقوق الإنسان
كان ابن أم محمد يلعب مع أصدقائه بالقرب من مدرسته في مخيم اليرموك، لما قصفت مقاتلة حربية سوريّة من طراز "ميغ" منطقةً تبعد أمتاراً فقط عنهم، فأصيب الإبن البالغ من العمر ١٤ عاماً بشظية في رأسه.
حملت أم محمد ابنها مسرعةً إلى مستشفى حكومي في دمشق. وتروي: "أرادوا أن أوقع ورقة تقول أن إبني أصيب جراء قصف للإرهابيين. رفضت وقلت لهم إن الإرهابيين لا يملكون طائرات "ميغ"، وحملت إبني وسارعت به إلى مستشفى ميداني في اليرموك حيث لم يكن باستطاعتهم سوى تنظيف جرحه من دون اجراء عملية جراحية له".
لم تتوقف مساعي أم محمد لعلاج ابنها: "أخذته إلى لبنان، وها أنا أبحث عن أيّ أحدٍ قادرٍ على دفع تكاليف عمليته الجراحية أو معالجته". وللأسف، "أحصل دائماً على الرد ذاته، إن كان من الاونروا أو من الفصائل السياسية في المخيم، فتح وحماس: لا نملك مالاً".
في وقت الزيارة، كان قد مرّ شهر على إصابة ابن ام محمد "ولا تزال بعض الشظايا عالقة في رأسه وصحته تتدهور يوماً بعد يوم حتى أنه بدأ يفقد قدرته على الكلام".
جلست إحدى تلميذتَي "هارفرد" أمام أم محمد، ورسمت تعابير جدية على وجهها، فبدا وكأنها أصبحت جاهزة لتطبيق ما تعلمته من نظريات حول توثيق حقوق الانسان.
وضعت أمامها عدّة حقوق للانسان: لائحة طويلة من الأسئلة، آلة تسجيل، أقلام بألوان مختلفة، وإلى جانبها حزمة من الأوراق تنتظر استخدامها.
جهّزت التلميذة نفسها، نظرت إلى أستاذتها معلنةً بدء جولة طويلة من الأسئلة.
طبعاً، استهلت مداخلتها بالأسئلة المعتادة: الإسم، العمر، الوضع العائلي، عدد الاولاد، مكان السكن في سوريا. وانطلقت من هنا عملية التوثيق. قيل لي أني، من أجل ضمان الدقة، يجب أن أكرر السؤال أكثر من مرة لتحديد ما إذا كان المتلقي يقول الحقيقة.
لماذا أتيت إلى لبنان؟
كم احتجت من الوقت للسفر من منزلك إلى الحدود؟
حاولي أن تتذكري بدقة كمّ تطلب ذلك من وقت.
كيف وصلتي إلى الحدود؟ هل تنقلت بسيارة أجرة أو بسيارة خاصة أو بالحافلة؟ ما هو نوع السيارة؟ وكم كانت كلفة الرحلة؟
هل دفعتي مقابل الحصول على تأشيرة الى لبنان؟
من أين حصلت على المال؟
صبرت أم محمد كثيراً وأجابت على السؤال أكثر من مرة. كانت تحاول بصعوبة أن تتذكر التفاصيل المطلوبة، إذ لم تصبّ جام تركيزها وقتها على تجربة السفر.

تذكّري، تذكّري
تسأل إحدى التلميذتين: "قولي لنا كمّ من الوقت احتجت للذهاب من اليرموك الى المستشفى بعد اصابة ابنك؟".
أرادت أم محمد ان تكون دقيقة في جوابها: "لم يكن المستشفى بعيدا وكانت هناك حواجز للجيش السوري على الطريق وسمحوا لنا بالمرور، احتجنا ما بين ٢٠ و٣٠ دقيقة".
أعادت التلميذة السؤال، فتوثيقها يتطلب الدقة: "قولي لنا كم احتجت من الوقت بالضبط". وأضافت: "ماذا يعني ٢٠ أو ٣٠ دقيقة؟ حاولي أن تتذكري، وأيضاً كم من الوقت انتظرت على الحاجز؟ خمس دقائق؟ عشر دقائق؟ حاولي أن تتذكري".
استمر الوضع على هذا المنوال لتصبح أجوبة أم محمد مع الوقت أكثر غموضاً وارتباكاً، أما التلميذتان فلا تريدان سوى التفاصيل. طُلب مني أن أوضح لأم محمد أن الفريق أتى من "هارفرد" لتوثيق تجربتها، لذلك من الضروري جداً أن تتذكر.
وبعد ساعتين من ماراثون الأسئلة، نظرت أم محمد باندهاش شديد وكأن كلماتها ليست بصادقة تماماً بالنسبة إليهن، فهي كانت مضطرة لأن تعيد جوابها أكثر من مرة. أخذت نفساً عميقاً، وتابعت وهي تحاول أن تحافظ على سلوكٍ مهذب رغم التعب الذي بدا عليها من ضغط الأسئلة.
"ما قادرة إتذكر كل هالتفاصيل يا خالتي"، قالت لي وهي تشعل سيجارتها.

التدخين ممنوع
"لو سمحت، قل لها أن تضع سيجارتها جانباً". فهمت أم محمد من دون ترجمتي، إذ لم يغب عنها معنى الوجوه المتجهمة حولها.
لم تتعب تلميذة حقوق الانسان من أسئلتها، فهي هنا لإتمام مقابلة بحسب المعايير المطلوبة، وبوجود الاستاذة المشرفة عليها. تتوجه الى أم محمد: "قولي لنا: حين وصلت الى الحدود اللبنانية، كيف عرفت الى اي شباك تأشيرات عليك أن تتوجهي؟".
كان جواب أم محمد جاهزاً: "هناك شباك للمسافرين اللبنانيين، وآخر للسوريين، وثالث للأجانب، وهو الذي يمر منه الفلسطينيون".
لم تكتف التلميذة بهذا الجواب، فتسأل مجدداً: "لكن كيف عرفتي أن هذا الشباك تحديداً هو للفلسطينيين؟".
ومجدداً، كان الجواب جاهزاً: "لم تكن المرة الأولى التي أزور فيها لبنان. قلت لك سابقا أني ولدت هنا وإحدى بناتي تعيش هنا ونحن نزورها دائماً".
وهذا الجواب أيضاً لم يكن كافياً! كرّرت التلميذة سؤالها مع تفاصيل إضافية: "حين وصلت إلى الحدود مع لبنان، كيف عرفت إلى أي شباك تتوجهين؟ هل كان هناك لافتة؟ ماذا كتب عليها؟".
ولكن، هذه المرة، نظرت أم محمد إليّ بحيرةٍ من أمرها.

لا أحاديث جانبية
لم يكن أداء التلميذة سلساً أو حتى مهذباً. فخلطت الأوراق وواصلت رشق الأسئلة. صبرت أم محمد بانتظار أن تصل إلى الجزء الذي يعنيها من القصة، أي أن تجد من يساعدها في علاج إبنها.
أصبح الإحباط بادياً عليها. حملت علبة السجائر مرة ثانية، ولكنها سرعان ما ابتسمت بعدما تذكرت أنه ليس باستطاعتها اشعال تلك السيجارة. وبعد طول انتظار، لم يعد بمقدور أم محمد الاحتمال، فتدخلت قائلة: "أريد أن أتحدث عن إبني. أريد أن أروي القصة التي أتيت من أجلها". وفي تلك اللحظات، دخلت مضيفتنا مريم بركوةٍ جديدة من القهوة.
استغليت تلك الفرصة، في اثناء تقديم مريم للقهوة، لأقول لأم محمد أن هناك طبيب عظام اعرفه في مخيم عين الحلوة أعتقد أن بوسعها الذهاب إليه، خاصة انه يقدم خدماته من دون مقابل.
لم يعجب الأمر متدربة حقوق الانسان، فهي لا تفهم العربية وشعرت وكأنها مستثناة من الحديث. قالت لي بحدة: "ماذا يحصل؟ لا يمكنك أن تتكلم معها من دون أن تقول لنا. ماذا تقولان؟ أريد أن أعرف كل ما يقال".

ليست القضية المطلوبة
بعد ثلاث ساعات من الأسئلة المتعبة، فقدت أم محمد قدرتها على الصبر. كررت: "هل بإمكاني التحدث عن ابني الآن؟". ساد السكوت الغرفة، ارتبك فريق "هارفرد" ليقرر أخيراً منحها خمس دقائق لابنها قبل العودة إلى أسئلة حقوق الانسان.
روت أم محمد قصتها، قصة ذلّ وعذاب. استمعنا إليها وهززنا رؤوسنا. لم يتطلب حديث أم محمد هذه المرة ترجمتي الدقيقة، حتى أنه طُلب مني اختصار الموضوع، فهذا ليس ما أتينا من أجله.
لم يأت أحد إلى هنا لتقديم المساعدة. الصورة أصبحت واضحة. يقتصر الأمر على أستاذة في "هارفرد" تدرّب تلاميذها.
فور انتهاء أم محمد من قصة إبنها، وبعدما لاحظت عدم اهتمام الفريق بها، اقتربت مني وسألت كيف بإمكاننا أن نساعدها. سكتت التلميذتان وتركزت نظراتهما على أستاذتهما لعلها تنقذهما من هذا الموقف.
كسرت الأستاذة السكوت وقالت لأم محمد: "سنضيف قصة ابنك إلى دراستنا التي ستنشرها هارفرد"، ثم طلبت مني أن أشرح لأم محمد أهمية هذه الجامعة المرموقة وكيف سيسارع الناس إلى قراءة التقرير فور صدوره.
ابتسمت أم محمد بكلّ تهذيب، حملت محفظتها، إلتفتت إليّ وقد خاب أملها: "بس هيك؟". ثم تخلّت عن ابتسامتها وسألت: "بدهم يسألوا اشي تاني؟". أتاها الجواب‫:‬ "نعم"، فقد انتهت قصة ابنها وحان وقت الأسئلة التوثيقية مجدداً.‬

أعتذر منك، أم محمد
لم تصبر أم محمد إلى أبعد من سؤالين إضافيين وبدأت تتململ في مقعدها. جلست إلى طرف المقعد، وحملت محفظتها بيدها، وكأنها تتأهب للرحيل في أثناء إجابتها على ما تبقى من أسئلة.
لم يلحظ فريق "هارفرد" المنهمك بأسئلته عدم ارتياحها. التفتُّ إلى أم محمد، وطلبت منها أن تذهب. سألتني: "هل باستطاعة أي واحدة منهن أن تساعد ابني؟". اعتذرت منها، وقلت لها ألا تضيع وقتها معهن أكثر من ذلك.
قصة أم محمد تختصر معضلة اللاجئين الفلسطينيين منذ العام ١٩٤٨: أناس يأتون من كافة انحاء العالم، يتجولون في أزقة المخيمات، يوثقون المعاناة، ويذهبون. ينقلون ما شاهدوه إلى الكتّاب ومناصري حقوق الانسان، فهذه طريقتهم من أجل الحثّ على التحرّك والتغيير، ولنشر أدبياتهم الحقوقية حول العالم.
ولكن، تبقى الإنسانية العامل الأساسي هنا. إذ، لتروي قصّةً أو تقومي بدراسةٍ، عليكما أن تتذكرا دائماً أن اللاجئين يستحقون منا التعامل مع معاناتهم بأقصى حساسية ممكنة.
مرت ٦٥ عاماً ‫(‬حينها‫)‬ على الفلسطينيين في المخيمات، وهم حتى اللحظة يتعلقون بأي شعاع أمل أو أي مساعدة ممكنة توصل صوتهم. ولكنهم يتركون وحدهم دائماً، ينتظرون العودة إلى المكان الوحيد الذي يستعيدون فيه كرامتهم وانسانيتهم، ينتظرون العودة إلى فلسطين.

ترجمة: ربى الحسينيّ

لمراجعة النص بالنسخة الإنكليزية الأصلية على موقع "الإنتفاضة الإلكترونيّة":

Palestinian refugees are not at your service